السبت 23 سبتمبر 2017 |بغداد 36° C
yaqein.net
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

أزمة الثقة التي تعاني منها مكونات المجتمع العراقي

أزمة الثقة التي تعاني منها مكونات المجتمع العراقي

يعرف المجتمع العراقي بأنه مجتمع يتميز بالصفات الجميلة و الرائعة ، فهو مجتمع متعايش بجميع طوائفه ، على مر السنين والعقود الماضية ، ولم يعرف أحد من العراقيين معنى للطائفية والعنصرية والقومية المقيتة ، فالجميع يعيشون في أمن وسلام ، الى ان جاء الاحتلال الامريكي عام (2003)  ،كان ما ترتب عليه من تداعيات كارثية شكلت الركن الأساس في عملية انهيار المجتمع وتراكم الازمات ، ووقوعه في فوضى قادت إلى سلوك هدام للقيم الاجتماعية بمختلف أشكالها ومسمياتها ، لانتاج مجتمع عاجز عن القيام بنفسه وعن حل مشكلاته ومواكبة التحولات والتطورات من حوله ضعيف ممزق يسهل السيطرة عليه .

أزمة الثقة بين اطياف المجتمع

نمت أزمة الثقة بتسارع بين مكونات المجتمع ، بفعل الاحتلال والحكومات التي نصبها و التي كما هو معروف قامت على أسس طائفية وعرقية وفئوية ، ما أدى إلى صنع منظومة التفكك الوطني الفاعلة بمقاييس الطائفية السياسية والعرقية القومية العلنية والمبطنة، أي أشد النماذج تخريبا للفكرة الوطنية ومرجعيات التعايش السلمي المشترك لمكونات المجتمع العراقي التي باتت اليوم تلمس لمس اليد صور الفرز الطائفي القومي والفئوي .

برز لقيادة المجتمع من باع ضميره للحكومات المتعاقبة للاحتلال ، فهي التي تتسنم المناصب والزعامات ، وأقصي ومورست بحقهم شتى الجرائم من لم يرض ويرضخ للاحتلال وأذياله ، فاصبح من يسود في المجتمع ضعيفاً هزيلاً لايفكر الا في مصالحه الشخصية الضيقة ، ولا يقدم على اتخاذ أي خطوات أو قرارات من شأنها رفع مستوى الناس.

هذه الحقيقة المرة التي لا بد منها ، يمكن ان نلمسها في كثير من نواحي الحياة ، التي تشهد احداثاً متسارعة ، فالمشكلات المتفاقمة الامنية و الاقتصادية والسياسية وغيرها ، بالاضافة الى التدخلات الخارجية بشؤون البلد وحياته  والمتمثلة بالاحتلال الامريكي وايران ، أدت الى ظهور مالم يكن معروفاً من تقاليد وعادات سيئة داخل الحياة العامة والخاصة للعراقيين .

“منظـمة العـمل” و “منظمة حقوق الإنسان” سردت حقائق مخيفة عن العراق تتعلق بالفقر والبطالة وخطف وبيع الأطفال والأيتام والإتجار بالأعضاء البشرية واستعراض لعصابات تهريب الأطفال تدار من قبل ممرضين تم كشفهم في أكثر من مستشفى حكومي.

أرقام المنظمتين اعلاه ، تشير إلى بطالة أكثر من 50% بين الشباب وبطالة مقنعة تشير إلى معدل عمل في دوائر الدولة بأقل من ساعتين في اليوم أو أقل ، وأن 52% من العراقيين يعيشون تحت مستوى الفقر بمعدل لا يتجاوز فيه دخلهم دولارين باليوم ، وأنه يحتل المرتبة 12 من بين 16 دولة عربية بالمنطقة من حيث الوضع الاقتصادي بالرغم من ثروته النفطية الهائلة.

ازمة ثقة بين مكونات المجتمع العراقي.

التجهيل المتعمد لإفراد المجتمع من خلال الاغتيالات المنظمة للكوادر التدريسية المتقدمة والكفاءات العلمية والثقافية و الدينية الاصلاحية ، والتضييق عليها مما دفع بالبقية اما للهجرة الى الخارج أو التزام اماكن لا قرار فيها و لا مجال للسعي من اجل النهوض بالواقع المتردي ، ومع هذا فان الايادي المجرمة للميليشيات التي تنفذ مخططات الاحتلال الامريكي وايران لا تدعهم بامان .

اختراق واستهداف منظومة القيم والأخلاق اصبح اكثر سهولة مع بدء تنفيذ خطط الاحتلال الامريكي و ايران ومن خلال اذنابهم في الحكومات والميليشيات التي انشأوها ، اذ كان الهدف الأول و الأكبر هو كيفية تدمير الإنسان العراقي ذاته ، من خلال قتل كل قيمه وأخلاقه وتقاليده التي لطالما كانت ركنا أساسيا من أركان قوته وتصديه للهجمات التي تستهدف العروبة والإسلام طوال عقود طويلة من الزمن.

تزعزعت ثقة العراقي بمجتمعه واهتزت ، وأضحى ينظر إلى مجتمعه الذي يعيش فيه أنه عاجز مفكك لا يملك أية أطر تعبر عن تطلعاته وطموحاته ، ولا توجد أي إستراتيجية لترتيب علاقته بالدولة أو حتى نقل مطالبه للسلطة ، مجتمع يترسخ فيه الانحلال والفساد.

قيادات تدعي انها دينية أوكل أمره إليها ، لكنها لا تخرج عن التفكير بطريقة (ثيوقراطية) القرون الوسطى في أوربا في نظرتها للمجتمع والسياسة ،  كل ذلك قسم المجتمع طائفيا وتحطمت حتى الصورة الهشة عن المواطنة في جامعها المشترك كأفراد في مجتمع له دولة.

إن أي عراقي اليوم على بساطته يحمل في الصورة الذهنية التي كونها عن مجتمعه أنه مجتمع ضعيف وهش يعاني من انحلال كافة بناه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وهذه الصورة عمل الاحتلال على إيجادها وتعزيزها ويبدو أنه وبمساعدة عملائه قد اوصل الكثير الى انسلاخهم عن مواطنتهم ، ومن بين أشد القيم تضررا في منظومة قيم المجتمع العراقي هي انسلاخ الفرد أو المواطن العراقي عن دولته ومن ثم مواطنته ومجتمعه وذلك على خلفية تحكم العلاقات الطائفية والقومية والقبلية والفئوية.

حتى في خدمات الحكومة حيث الأوضاع متداخلة ومختلطة في مختلف الوظائف المطلوب منها تأديتها ، يجد المواطن أنها منسلخة عن المجتمع لأنها لا تعبر إلا عن مصالح طائفة أو فئة محدودة بصورة مباشرة وضيقة ، وهذه الصورة السلبية تقود المواطن إلى سلوكيات وممارسات تؤثر سلبا في المجتمع ، كظواهر العنف والسرقات وشيوع الفساد الأخلاقي وقد يصل الحال إلى فلتان أمني .

مظاهر الأزمة الاجتماعية في العراق.

ظهور شريحة لا تمتلك منابر او تجمعات تعبر فيها عن تطلعاتها وطموحاتها وآمالها وهمومها ، فاقدة لأي نظرة مستقبلية لترتيب علاقاتها ببعضها او بالدول أو نقل مطالبها للسلطة ، مجتمعات تترسخ فيها البنية التسلطية وتتعطل فيها الثقافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحديثة وكل ما يمكن أن يضعها في المسار الطبيعي للحضارة الإنسانية .

مجتمعات ضعيفة وهشة تنحل فيها البنى الاجتماعية على مختلف انواعها ، فالاحتلال يمهد لاحتلاله بإيجاد هذه الظواهر الهدامة ثم يعمل بعد دخول الاحتلال حيز التنفيذ على تعزيزها والعمل على ترسيخها ، اذ ان الاحتلال الأمريكي والتدخل الايراني ،  صورة بشعة ومروعة لعمل منظم من دولة محتلة هي القطب الأقوى في العالم في كل شيء، ودولة طامعة متغلغلة من خلال ميليشياتها واذنابها في الحكومة ،تجاه بلد وشعب يمتلك إرثا حضاريا يمتد لآلاف السنين في عمق الزمن.

الهدف الرئيس هو تحطيم المنظومة القيمية المتكاملة للمجتمع العراقي وتدميرها باعتبارها جزءا أساسيا من عملية الرفض التاريخية لكل معطيات ومفاهيم التسلط والاستعمار وسلب حقوق الشعوب العـربية والإسلامية.

أمام مايلاقيه المجتمع العراقي من هجمة كبيرة ، تقف القيادات الوطنية المخلصة التي تحاول انقاذه امام تحديات كبيرة ، فالبلد يمر بحالة من الفوضى وعدم الاتفاق سياسيًّا وطائفيًّا في أروقة الحكم ، ناهيك عن محطات العنف التي شهدها البلد طيلة تلك السنوات من أحداث تخللتها حروب طائفية ومذهبية كبيرة دمرت البلد وسفكت دماء أبنائه.

فمن يحاول الاصلاح يجب أن يبدأ بازالة الاحتلال واثاره ومخلفاته و اذنابه ، وكل ماجاء به من أشياء دخيلة على القيم و المبادئ والاعراف المبنية على اسس تاريخية دينية ، لكي يستطيع ان يرفع الغمامة والاثقال عن اعين الافراد وعاتقهم فيصبحوا مدركين منفتحين على مايدور حولهم من مؤامرات و مخططات ، فيلتف حول من يراه الاصلح والانسب ، ليعود الى مساره الصحيح .

الأزمة الراهنة والمصاعب الحالية ، قد تؤدي الى نتائج مأساوية لا يحمد عقباها ، فالمؤشرات الحالية للبلد في ظل ما تفعله حكومات الاحتلال المتعاقبة تنذر بانهيار كيان الدولة ووحدة ترابها ، وهذا ما يريد الاحتلال الامريكي و المتربصة ايران فعله ، للسيطرة على البلد وضمان عدم قيام راية له .

الأحزاب الطائفية اداة لزرع الفتنة في البلاد .

عملت الاحزاب التي شاركت في العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال الامريكي على تنفيذ مخططات اجندتها المرتبطة بامريكا وايران ، موقنة بان بقاءها في السلطة باستمرار نفوذ وتدخل هاتين الدولتين ، فلم تضع في حساباتها هموم الشعب وما سيحل بالبلد من ويلات تؤدي به الى ظلمات لا تحمد عقباها .

الاحزاب غذت ودعمت كل ما تظن انه سيطيل من عمرها من طائفية وعنصرية وفئوية مقيتة ، ففشلها الذريع في ادارة دفة البلد بسبب فسادها واهمالها الغير محدود ، جعلها تتخذ من الصراعات التي انشأها المحتل منصة دعاية للتأجيج الطائفي و القومي كلما اقتربت الانتخابات متخذة هذه الاساليب الخبيثة للبقاء جاثمة على رؤوس العراقيين.

لكنهم تناسوا ان العراق يمتلك من الثروة والقدرات والإمكانيات ، ما سيؤهله لتجاوز كل هذه المحن بصلاح الإدارة والسلطة ، التي لابد ان تزول و يأتي من هو أهل لهذا البلد العريق الجريح ، فكل ما نراه من خطورة بسبب اختراق منظومة القيم والأخلاق والأعراف والتقاليد التي أسس لها الغزو و الاحتلال ستزول لا محالة ويظهر المعدن الاصيل الذي لايعلوه الخبث .

المصدر:وكالة يقين

تعليقات