السبت 21 أكتوبر 2017 | بغداد 17° C
الرئيسية » التعليم في العراق »

مئات المدارس الطينية في العراق بمواجهة قساوة الشتاء وخطر السقوط وشاهد على تراجع التعليم

مئات المدارس الطينية في العراق بمواجهة قساوة الشتاء وخطر السقوط وشاهد على تراجع التعليم

ظاهرة المدارس الطينية تشكل مثالا صارخا على انهيار المنظومة التعليمية في العراق والتي انهارت بعد احتلال البلاد عام 2003، فبالرغم من  أن العراق كان أعلن عام 1991 أن البلاد خالية من الأمية، بعد حملة واسعة لمحو الأمية ابتدأت في سبعينيات القرن الماضي، إلا أن الحكومات التي جاءت بعد الاحتلال أهملت التعليم بشكل متعمد خدمة لمصالح قوى إقليمية وعالمية ترى في تقدم العراق خطرا يمنع فرض هيمنتها عليه.

أعداد المدارس الطينية

وزارة التربية قدمت احصائية عام 2011  بينت أن عدد مدارس الطين في العراق يبلغ أكثر من 1000  مدرسة تقع النسبة الأكبر منها في محافظات ذي قار والبصرة والعمارة والمثنى والقادسية والنجف، تضم حوالي 15 ألف طالبا ، ويخدم فيها حوالي 7000  ، وبالطبع فإن هذا الرقم في تزايد مستمر منذ ست سنوات بشكل كبير وازداد الأمر سوءا لاسيما في محافظتي بابل وذي قار حيث تنتشر المدارس الطينية بكثرة مع العجز الواضح في البنايات التعليمية، وغالبا ما تبنى مدارس الطين بناء على طلب أهالي المناطق النائية بعد توفير الأهالي قطعة ارض لإنشاء مدرسة من الطين أو أعواد القصب أو النخيل.

العراق كان من الدول المتقدمة في مجال التعليم في السبعينات والثمانينات حيث  حقق تقدماً كبيراً وطفرة هائلة خلال هذين العقدين من القرن الماضي وحصل على جائزتين من اليونسكو قبل عام 2003، بسبب الانجازات المتحققة في قطاع التربية والتعليم، أما الآن وبرغم أنه يحوم على بحيرة من النفط وثروات لا حصر لها إلا أن أعداد الأميين وصلت إلى نحو خمسة ملايين شخص بينما يتعلم التلاميذ في بيئة مدرسية غير صحية وملوثة وطاردة للاطفال تمثل البؤس والتدهور , وذلك في عصر تأخذ فيه الدول بأسباب التطور وتعمل على تعميم استخدام الكومبيوتر بدلا من الكتب والدفاتر وربطت البلدان تلاميذ الصف الواحد بشبكة مع مجمل المعلمين والقائمين على العملية التربوية والتعليمية، حيث تنقل المعلومة في جزء من الثانية في وقت يتلقى فيه طلاب العراق تعليمهم في مدارس طينية وأخرى مبنية من قصب فضلا عن مدارس الأكواخ.

أجواء تعليمية صعبة

الطلاب في المدارس الطينية يعانون من شدة حرارة الجو في الصيف وشدة برودته في الشتاء القارس، فلا وسائل تدفئة ولا حماية لهم من تقلبات الجو فهبوب الرياح أو الأمطار يثير فزع الطلبة والأساتذة معا حيث تفتقد اغلب المدارس في أرياف العراق الى الشروط الصحية اللازمة والخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء، إضافة إلى انعدام وسائل التعليم الحديث، ومن المفارقات اعتماد تلك المدارس على الدوام المزدوج، حيث يستقبل المدرسون وجبتين من الطلاب يوميا.

الأمم المتحدة تحاول تعويض الإهمال الحكومي في الأنبار

التقاعس الحكومي عن إعادة تأهيل المدارس خاصة تلك التي طالها الدمار بفعل العمليات العسكرية دفع المنظمات الدولية لمحاولة سد هذا النقص ، حيث أقر قائممقام قضاء الفلوجة بمحافظة الأنبار “عيسى ساير العيساوي” بمباشرة منظمة الـ UNDP التابعة للأمم المتحدة بإعادة اعمار وتأهيل ثلاثة مدارس متضررة جراء العمليات العسكرية في احياء مختلفة من القضاء، مضيفا أن نسبة الاضرار في الابنية المدرسية جراء العمليات العسكرية في قضاء الفلوجة كبيرة  مما يتطلب جهود كبيرة لإعادة اعمارها.

البنية التحتية للتعليم مدمرة في بابل

رئيس مجلس محافظة بابل “علي الكرعاوي”،  اقر بان الحكومة المحلية ارتكبت خطأ فادحا حين قررت تهديم بعض المدارس على أمل بناءها وترميمها، مشيرا إلى حاجة المحافظة إلى أكثر من 500 مدرسة، ياتي هذا بينما كشف رئيس لجنة التربية والتعليم في مجلس محافظة ذي قار “شهيد الغالبي” عن وجود 95 مدرسة طينية لم تشملها عملية الاعمار والتطوير في ظل الازمة المالية والتراجع في مجال البنى التحتية الخاصة بالتعليم والخلل الذي اصاب هذا النظام في عموم العراق ومحافظة ذي قار بشكل خاص، مضيفا ان البنى التحتية في قطاع التربية تعاني من ازمة كبيرة في الوقت الحالي بالاضافة الى وجود مدارس آيلة للسقوط ولا تصلح للتدريس مع وجود المدارس الكرفانية التي تحاول الحكومة المحلية معالجة الخلل فيها”.

الفساد والطائفية وانهيار التعليم

القائمون على التعليم لا سيما في وزارة التربية ومنذ احتلال البلاد لم يسهموا ببناء بيئة مدرسية نظيفة وصحية با إنهم لم يتمكنوا من بناء المدارس نفسها في وقت تذهب فيه  ملايين الدولارات لجيوب الفاسدين ويفترش أبناء المستقبل الأرض ، حيث خصصت مبالغ مالية طائلة  لقطاع التربية خلال السنوات المنصرمة تقدر بعشرات المليارات فيما لم يلحظ تطوير ملموس في المباني المدرسية ولا في الأثاث والمختبرات، بسبب تعمد إسناد بناء تلك المدارس والتحديثات إلى فاسدين يستولون على معظم تلك المبالغ في ظل تواطؤ واضح من الحكومة في ملاحقتهم.

استبدال المدارس الطينية بأخرى عادية عملية تواجه دائما حقيقة الفساد الذي يقف لها بالمرصاد فمشروع بناء 1550 مدرسة بدل مدارس طينية آيلة للسقوط  في العام 2011 ، والذي تم عقد اتفاق فيه بين وزارة التربية مع وزارتي الإعمار والإسكان، والصناعة والمعادن توقف بسبب وجود تلكؤ وفساد تتحمله الوزارات الثلاثة في حين  لم يتم التعامل مع هذا الوضع او اتخاذ اجراءات حياله.

فيما تبقى المعضلة الأخطر في الواقع التربوي تتمثل في التوجهات الطائفية الخطيرة التي تتضمنها المناهج الدراسية في مختلف مراحل التعليم في العراق

تردي البيئة التعليمية

المتأمل في حال التعليم في المدارس الحكومية لا يستغرب من استمرار ظاهرة المدارسة الطينية، فمعظم بنايات التعليم الحكومية لا لا تتوافر فيها  دورات مياه صحية خصوصا في مدارس البنات وان وجدت فهي قذرة ومتآكلة ناهيك عن عدم كفاية الصفوف للطلاب ,والحيطان عفنة وقذرة ,تفتك الامراض بالاطفال من سوء البيئة المدرسية جملة وتفصيل بدءا بالبنايات وانتهاءا بالمناهج واساليب التعليم القديمة والتي تعتمد عل تلقين الطالب دون المشاركة بالنقاش ولايوجد اي نشاط لا صفي لضيق الوقت في المدارس المزدوجة والثلاثية، فلا يمكن رعاية مواهب الاطفال وليس للمعلم وقت لاكتشاف مواهبهم اصلا ,كأن الطفل في سجن , الرياضة والفنية والرسم ملغية من معظم المدارس ولاتحتوي المدارس على مختبرات او وسائل ايضاح ,يفترش الطلاب الارض لعدم وجود ما يجلسون عليه واحيانا يتبرع الاهالي بكراسي قديمة كي يجلس الطالب عليها,

مشكلة المدارس في العراق لاتقف عند المدارس الطينية بل تتعداها إلى آلاف المدارس، الآيلة للسقوط ، والتلكؤ في بناء المدارس بسبب الفساد الإداري والمالي، والصراعات السياسية، وغياب الإستراتيجية والتخطيط السليم، والعنف الذي لم يتوقف في العراق منذ عقد.

أزمة النازحين تلقي بظلالها على التعليم

أزمة أخرى ساهمت في تفاقم مشكلة نقص المدارس في العراق وهي العمليات العسكرية التي تشنها القوات المشتركة وداعميها على المحافظات المختلفة، التي اضطرت آلاف المدنيين للنزوح واتخذ الكثير منهم من المدرس ملجئا في ظل الإهمال الحكومي وعدم توفير بيئة مناسبة للعيش الأمر الذي ألقى بظلاله على العملية التعليمية وفاقم من عجز الأبنية والمدارس.

الأمم المتحدة تتهم الحكومة بتعمد إهمال التعليم

أمام كل ما سبق من وضع تعليمي منهار اتهمت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق و التابعة لمنظمة الامم المتحدة ، الحكومة بعدم توفير بيئة مناسبة للطلبة لممارسة حقهم بالتعليم وكفالته وخصوصا من باب حقوق الإنسان، داعية إلى ضرورة إعادة النظر بمسار العملية التعليمية من خلال بوابة تلك الحقوق.

عضو المفوضية ” فاضل الغراوي”، اكد في بيان ان التعليم في العراق ما يزال يشهد الكثير من المشاكل خصوصا قلة الأبنية المدرسية واكتظاظ  المدارس وانتشار ظاهرة المدارس الطينية وعدم تطوير منظومة المناهج التعليمية والوسائل الحديثة، مؤكداً أن المفوضية وثقت العديد من انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بحق التعليم خصوصا العنف ضد الطلبة سواء الجسدي أم اللفظي أم الفصل على أساس الجنس، وذلك بعد تلقيها العديد من البلاغات والشكاوى بذلك الشأن، مشيرا الى ان المفوضية أصدرت العديد من التقارير التي تؤكد عدم قيام الحكومة بتوفير بيئة مناسبة للطلبة في ممارسة حقهم بالتعليم وكفالته وخصوصا من باب حقوق الإنسان، وتابع أن ذلك التشخيص يتبلور لدى الفئات العمرية الصغيرة من الطلبة مما يتطلب قيام الحكومة ووزراتها المعنية إعادة النظر بمسار العملية التعليمية من خلال بوابة حقوق الإنسان”.

مستقبل العراق مظلم بسبب حال التعليم الذي تم تدميره بطريقة ممنهجة خدمة لمصالح المتربصين بالبلاد والراغبين في السيطرة عليه من قوى إقليمية وعالمية في حين ترسخ الحكومة هذا الوضع عبر سياساتها التي تضع التعليم في مؤخرة أولوياتها وتترك أبنائها وبناتها فريسة لبحور الظلام والتأخر ،على أمل ان يساعدها ذلك في تغيير عقلية أبنائها ومسح هويتهم وقتل روح الإبداع فيهم فيسهل قيادتهم الى حيث تريد من دون أن يحاسبها أحد، فإلى متى يستمر دفن زهور الغد بشكل متعمد في مدافن الظلام والجهل؟.

تعليقات