الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

المقابر الجماعية.. عراقيون بانتظار تأكيد الفاجعة

المقابر الجماعية.. عراقيون بانتظار تأكيد الفاجعة

قسم التقارير – العراق

تنتظر آلاف العوائل العراقية -وعلى أحر من الجمر- أي خبر يؤكد مصير أبنائها المختطفين في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى، في وقت تشهد هذه المحافظات -وبشكل شبه يومي- اكتشاف أعداد متزايدة من المقابر الجماعية لضحايا العمليات العسكرية، والذين تم إعدامهم على أيدي الميليشيات، بينما تقتصر ردود أفعال الجهات الرسمية المختصة على المناشدة والمخاطبة من دون وجود تحرك حقيقي للكشف عن هوية الضحايا.

وبالرغم من تسجيل أسماء أبنائها المختطفين في وقت ماض وتلقيها التعليمات بعدم المراجعة إلا في حالة الاتصال بها؛ إلا أن الخمسينية (صبرة عواد المفرجي) تصر مع عدد من النسوة الأخريات على مراجعة مكتب مفوضية حقوق الإنسان في كركوك، في محاولة لمعرفة أي أخبار أو مستجدات بشأن مصير أبنائهم الذين جرى اعتقالهم في قضاء الحويجة، من قبل عناصر تنظيم الدولة خلال سيطرتهم على القضاء.

أم تحلم بالحصول على قبر لأولادها

وتبين المفرجي لــ”وكالة يقين”: إنها وفي كل مرة تسمع عن اكتشاف مقبرة جماعية في مناطق كركوك، تحاول الذهاب إلى هناك على أمل معرفة أي خبر عن مصير أبنائها الثلاثة، ولكنها تُمنَع من الاقتراب من الموقع، مضيفةً أن آخر محاولتها كانت بالتوجه إلى قاعدة البكارة العسكرية القريبة من منطقتها في الحويجة، ولكن المشهد تكرر حيث تم منعها؛ لأن الموقع مغلق بوجه المدنيين، وبانتظار وصول متخصصين من بغداد؛ لغرض الإشراف على فتح المقبرة من دون تحديد موعد لوصولهم.

“تشهد المحافظات -وبشكل شبه يومي- اكتشاف أعداد متزايدة من المقابر الجماعية لضحايا العمليات العسكرية”

وتعترف الأم المفجوعة بعبثية تحركاتها وعدم جدواها، ولكنها تصر على أن لهفتها على مصير أولادها دفعتها إلى السفر إلى بغداد، وقبلها إلى أربيل من أجل البحث عن أي جهة يمكن أن تساعدها في معرفة الحقيقة، وتكرر الموضوع مع تسجيل الأسماء وتفاصيل الاختطاف، وطلب رقم هاتفي من أجل الاتصال بها في حال توفر أي معلومات عن أبنائها.

وتؤكد المفرجي أنها مستعدة لتحمل نبأ أن أولادها قُتِلوا ودُفِنوا في مقبرة جماعية مثل غيرهم من مئات الشباب، ولكنها تطلب فقط تسليمها ما تبقى من جثثهم حتى تدفنهم في مقبرة أهلها في الحويجة، وحتى يكون لديها مكان تزورهم وتبكي عند قبورهم، بدلًا من رحلة العذاب التي تقوم بها بشكل يومي، ونظرات الأقارب والجيران الذين باتوا يشككون في سلامة قواها العقلية.

للميليشيات حصتها من المأساة

ولا تختلف التفاصيل سوى في الجهة الخاطفة بالنسبة لحالة الحاجة (زكية كامل العلواني) من ناحية الصقلاوية بمحافظة الأنبار، والتي فقدت اثنين من أبنائها وزوجها لدى عملية استعادة المنطقة من سيطرة تنظيم الدولة في حزيران من العام الماضي 2016، مع مجموعة كبيرة من الشباب والرجال والصبيان، تم اقتيادهم إلى جهة مجهولة من قبل إحدى فصائل ميليشيا الحشد الشعبي، ولم يتم العثور على أحد منهم حتى الآن.

وبكلمات تغالب نبرة البكاء الواضحة تروي الحاجة العلواني لــ”وكالة يقين”: إن جميع المنشورات التي ألقتها الطائرات الحكومية دعت العوائل إلى الخروج من الممرات الآمنة، حتى تتسلمهم وتحميهم قوات الجيش المتقدمة، مبينة أنهم حملوا علمًا أبيض، وتوجهوا نحو ما كان يفترض به أنه قوات جاءت لتحريرهم ولكنهم فوجئوا في منطقة الشهداء بحملة عنيفة لعزل الرجال عن النساء والذين اقتادهم فيما بعد إلى جهة مجهولة.

وتلفت العلواني إلى أن ميليشيا “كتائب حزب الله” تبين فيما بعد أنها من اختطفت زوجها وأبناءها الاثنين، وأنها لم تسمع أي خبر مؤكد عن مصيرهم برغم مرور سنة ونصف على الحادث، وإن جميع الأخبار التي روج لها أعضاء مجلس المحافظة ونواب في البرلمان عن قرب الإفراج عن المختطفين، تبين أنها مجرد أكاذيب أو كلام لأشخاص لا يقوون على الدفاع عن أهلهم أو حتى مجرد معرفة مصيرهم ، بحسب قولها.

وتبدي العلواني استعدادها للذهاب إلى بغداد أو أي مكان آخر، ومنها مقر ميليشيا “كتائب حزب الله” من أجل التوسل واستعطافهم لإطلاق سراح زوجها وأبنائها إن كانوا أحياء، أو لمعرفة مكان دفنهم إن كانوا قد قتلوهم بحسب ما سمعت من بعض الذين يشاركونها نفس المحنة في منطقتها، ولكنها تعود إلى التأكيد بأن زوجها وأبناءها لم يتورطوا يومًا في أي عمل مسلح أو نشاط مريب، وأن اعتقالهم وجميع الذين معهم  كان فقط لدوافع طائفية انتقامية كانت واضحة في الهتافات وكلمات اللعن التي يطلقها أفراد القوة التي قامت بفرزهم عن النساء قبل اختطافهم.

وكان مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد أعلن في وقت سابق، عن تلقيهم تقارير ذات مصداقية عن الاعتداءات الجسدية التي يتعرض لها النازحون من مدينة الفلوجة، حين وصولهم  إلى الجانب الواقع تحت سيطرة القوات الحكومية وميليشيا الحشد الشعبي، فضلًا عن عملية فصل الرجال والصبيان عن النساء والأطفال بحجة التدقيق الأمني الذي يتطور إلى اعتداءات جسدية وغيرها من الانتهاكات.

 

مفوضية الحقوق تطلق دعوات بالجملة

وفي ردود الفعل الرسمية على الموضوع؛ أكدت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق -وعلى لسان متحدثها الرسمي (علي البياتي)- أن عمليات استعادة مناطق محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار وبابل من تنظيم الدولة شهدت العثور على أعداد كبيرة من المقابر الجماعية التي تضم رفات المئات من الضحايا.

ولم يوضح البياتي الخطوات التي سيقومون بها حيال الموضوع، واكتفى بدعوة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى ضرورة دعم اللجنة العليا للمقابر الجماعية ورفدها بالإمكانيات والخبرات اللازمة لاستخراج رُفات الضحايا وأخذ عينات الـDNA.

وفي ذات السياق دعت عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان (وحدة الجميلي) مؤسسة الشهداء إلى فتح المقابر الجماعية المكتشفة خلال العمليات العسكرية على بعض المحافظات العراقية، مبينةً أن هناك أربعة مقابر تم اكتشافها في محافظة الأنبار ولم تفتح لحد الآن، وفي محافظة نينوى تم اكتشاف مقبرة الحضر ومقبرة بادوش ومقبرة سنجار ومقبرة الگيارة ومقبرة الخسفة، ولم تفتح هذه المقابر لحد الآن أيضًا.

وعادت الجميلي إلى دعوة مؤسسة الشهداء من أجل أن توظف إمكاناتها وتسرع في عملية فتح المقابر؛ كي يتسنى لذوي الضحايا التعرف على من فقدوهم ولم يعرفوا مصائرهم، مستدركة بأنها تدعو الحكومة من أجل تعويض أهالي ضحايا هذه المقابر الجماعية.

مفوضية الشهداء: لا نملك المال

من جهته أوضح مصدر عامل في مؤسسة الشهداء السياسيين تواصلهم مع الجهات الحكومية والمحلية من أجل وضع خارطة للمقابر الجماعية التي تم اكتشافها مؤخرًا، ومنها ثلاثة في محافظة الأنبار وأربعة في نينوى، ومقبرة جماعية كبيرة جدًا في كركوك، لافتًا إلى أن أحدث مقبرة تم اكتشافها في منطقة تنقيبات نفطية شمال جبال حمرين في محافظة صلاح الدين، وتضم عددًا كبيرًا من رفات المدنيين الذين أعدمهم عناصر تنظيم داعش.

“التعامل الأمثل مع فاجعة المقابر الجماعية يكون عن طريق تدويل هذا الملف، وتشكيل هيئة مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن”

وأشار المصدر في حديث لــ”وكالة يقين” إلى أن عملية فتح المقبرة والتعرف على الضحايا تتطلب جهودًا ميدانية سواء كانت بشرية وميكانيكية في الحفر والاستدلال على حجم المقبرة والحدود التي تنتهي فيها، وبعدها تأتي الحاجة إلى تقنيات عالية وخبرات متميزة من أجل التعرف على هويات الضحايا، وخصوصًا في حالة أن تكون المقبرة قديمة.

وخلص المصدر إلى أن هذه العملية بتفاصيلها المتنوعة والمعقدة تحتاج إلى تمويل ضخم من أجل المضي في عملية فتح المقابر وتحديد هوية الضحايا، ولكنهم في الوقت الحالي لا يمتلكون هذا التمويل، وبالتالي فهم مضطرون إلى الانتظار حتى لإقرار موازنة العام الحالي من أجل المباشرة بالعملية.

 

ناشط : الحل في تدويل الملف

بدوره يرى (عمر الفرحان) من المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب أن التذرع بانعدام التخصيصات المالية هو أمر غير واقعي ويتناقض تمامًا مع فتح مقابر سبايكر والتعرف على ضحاياها قبل وقت قريب ، معربًا عن يقينه بأن التأخير الحالي في هذا الملف الخطير والحساس يعود لاعتبارات سياسية بحتة.

ويقترح الفرحان على الجهات الحكومية  تخصيص جزء بسيط من موازنات الاحتفالات والولائم التي يقيمونها ليتم صرفه في جهود فتح المقابر الجماعية والتعرف على ضحاياها وإنصاف ذويهم، مضيفًا بأن التذرع بالحاجة للخبراء الأجانب هو أمر سهل، فمثلما جلبت الحكومة عشرات الخبراء والمدربين لتعزيز القدرات العسكرية للقوات المشتركة؛ يمكنها أيضًا أن تستعين بخبرات مماثلة، ولكن في مجال الكشف عن المقابر والتعرف على هوية ضحايا الإبادة الجماعية التي مورست في العديد من مناطق العراق.

وبخصوص أعداد هذه المقابر؛ فأن الفرحان يؤكد لــ”وكالة يقين”، أنها لن تقل عن 200 مقبرة جماعية موزعة في محافظات الأنبار وصلاح الدين وكركوك ونينوى، فضلًا عن ديالى ومناطق حزام بغداد التي يشدد على أنها صاحبة الرقم الأكبر في عدد المقابر الجماعية منذ عام 2003.

ويرى الفرحان أن التعامل الأمثل مع فاجعة المقابر الجماعية يكون عن طريق تدويل هذا الملف، وتشكيل هيئة مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن، على أن تباشر عملها في جميع مناطق العراق من أجل مسح مواقع هذه المقابر والكشف عن هوية الضحايا، ويصار بعدها إلى الكشف عن المتسببين بها سواء كانوا من تنظيم الدولة أو الميليشيات أو حتى الأطراف الحكومية؛ تمهيدًا لمحاكمتهم والقصاص منهم بشكل عادل، وهو أقل واجب يمكن تقديمه لذوي الضحايا الذين ينتظرون هذا اليوم على أحر من الجمر.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات