الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » انتهاك حقوق المرأة في العراق »

الفقر والنزوح واعتقال المعيل.. ثلاث صور عن مأساة المرأة العراقية في سوق العمل

الفقر والنزوح واعتقال المعيل.. ثلاث صور عن مأساة المرأة العراقية في سوق العمل

قسم التقارير – العراق

لم يمنع تباعد المسافات الجغرافية من اجتماع أغلب النساء العراقيات المنخرطات في مجال الأعمال البسيطة والمذلة على مجموعة أسباب دفعت بهن إلى هذا الميدان وأبرزها النزوح وفقدان المعيل والفقر المدقع، في وقت لفتت ناشطة في مجال حقوق المرأة إلى غياب هذه المآسي عن اهتمام أصحاب القرار في العراق وفي مقدمتهم المؤسسة التشريعية المنشغلة بإقرار قانون تزويج القاصرات وتقسيم الشعب على أسس مذهبية بغيضة.

وبالرغم من تقدمها بالسن واقترابها من عامها السبعين؛ إلا أن ظروف النزوح والعيش في مخيم قوشتبه في أربيل دفعت بـ(فخرية علي القيسي) إلى العمل في بيع بعض الاحتياجات البسيطة من ملابس وحلويات واحتياجات الأطفال على منضدة صغيرة تضعها أمام باب خيمتها، مستعينة بأصغر أبنائها، وأربعة من أحفادها في تأمين البضاعة من خارج المخيم وبيعها على العوائل الساكنة فيه، والتي ينتمي أغلبها إلى محافظات صلاح الدين ونينوى .

أربيل: مسنات يعملن في مخيمات النزوح

“سكان قضاء بيجي بلغ عددهم 173 ألف نسمة في عام 2013، ولم يسمح لأي شخص منهم بالعودة إلى منزله بعد أكثر من عامين على استعادتها”

وتؤكد القيسي أنها كانت تمتلك بيتًا كبيرًا في حي المصافي بقضاء بيجي “محافظة صلاح الدين”، ولديها ثلاثة من الأبناء: أحدهم موظف؛ والباقون يعملون في مهن حرة تدر عليهم دخلًا جيدًا وتضمن لهم حياة الثراء قبل اندلاع المواجهات في منطقتهم بين عناصر (تنظيم الدولة) والقوات المشتركة المعززة بميليشيات الحشد، والتي انتهت بتسوية أغلب المنازل بالأرض، وصنعت من منطقتهم مدينة أشباح.

وتوضح القيسي لــ”وكالة يقين” أن خروجهم المفاجئ والمستعجل من منطقتهم منعهم من حمل شيء يذكر من الأثاث أو المقتنيات، باستثناء بعض المدخرات المالية التي أنفقوها خلال سنتين وباتوا يعيشون أقرب إلى المتسولين، في ظل عجز أبنائها عن الحصول على فرصة عمل أو تحصيل ديونهم المترتبة في ذمة شركائهم السابقين في العمل، مبينةً أنها لم تجد وسيلة سوى أن تبيع هذه الأشياء البسيطة إلى أهالي المخيم “الفقراء أصلًا” من اجل الحصول على مبالغ ضئيلة لا تكفي لشراء كيلو واحد من اللحم أسبوعيًا.

وتختصر القيسي أحلامها حاليًا بالسماح لها ولعائلتها بأن يعودوا إلى منزلهم، مبدية استعدادها أن تسكن في المتبقي منه وسط الأنقاض، وأن تأكل من حشائش الأرض مقابل أن تمضي الأيام المتبقيات لها من عمرها في المنطقة التي عاشت وتزوجت وربت أبنائها فيها، مستغربة أن يكون هذا الحل مستحيلًا وصعب التنفيذ في ظل تبريرات وحجج واهية تحول بينها وبين حلمها الأخير في الحياة .

ووفق التقديرات الرسمية فإن سكان قضاء بيجي بلغ عددهم 173 ألف نسمة في عام 2013، ولم يسمح لأي شخص منهم بالعودة إلى منزلة بعد أكثر من عامين على استعادتها، والذي أعلن عنه في بيان عسكري بتاريخ آب/ أغسطس من عام 2015 .

بغداد: اعتقال المعيل يدفعهن إلى العمل

وفي العاصمة بغداد، وتحديدًا منطقة أبو غريب؛ تجلس (أم وضاح) منذ ساعات الصباح الأولى لبيع الخضروات في السوق الشعبي من أجل تأمين العيش لأربعة من أبناء ولدها الوحيد، والمعتقل منذ أكثر من 8 سنوات في قضية تؤكد أنها كيدية، ولفقها أحد المخبرين بسبب عداء شخصي، ولم تفلح إلى الآن في إثبات براءته برغم النفقات الهائلة على المحامين والضباط والتي دفعتها إلى بيع منزلها الفخم في شارع الزيتون، والانتقال إلى آخر بالإيجار في حي السكلات الفقير.

ووسط نحيبها ومحاولات منع الدموع من التسارع في الانهمار تقدم (أم وضاح) إلى مراسل “وكالة يقين” صورة ابنها المعتقل مؤكدةً أنه تم نقله من سجن إلى آخر، وأستقر قبل سنة ونصف في سجن البصرة من دون أن تكون هناك أي إثباتات ضده أو شهود، وإن السبب الوحيد لتوقيفه هو رواية المخبر السري، والذي يعرف كل جيرانها أنه كان على خلاف شخصي مع ابنها، وأستغل عمله الأمني لتوقيفه وإيداعه السجن.

وتبين المرأة البالغة من العمر 63 عامًا أن سنها لا يسمح لها بمزاولة عمل غير بيع الخضروات، وتتمنى لو كانت تمتلك القوة والصحة للعمل في خدمة المنازل، أو المال لافتتاح محل من أجل تأمين العيش لأربعة من أبناء ولدها، بعد أن تركتهم أمهم والتحقت بأهلها، مضيفةً أن زيارات ابنها في البصرة، وتأمين بعض المستلزمات الضرورية له من ملابس وطعام يحتاج إلى مصاريف إضافية تعجز عنها ويساعدها بعض الأقارب فيها.

وأنفقت أم وضاح أكثر من 120 مليون دينار “اقل من 100 ألف دولار” منذ عام 2009 في دفع أتعاب محامين ووسطاء مع ضباط تحقيق ومشرفين على مراكز الاحتجاز لإثبات براءة ابنها، ولكنها كانت تتعرض للنصب والاحتيال في كل مرة ، مشيرةً إلى أنها دفعت 20 مليون دينار “يقارب 15 ألف دولار” في أيام التوقيف الأولى من أجل منع التعذيب اليومي عن ابنها، وإنهاء حالة التعليق بالسقف والتي تسمى بمصطلحات التحقيق “عملية التنشيف”.

وكانت منظمة العفو الدولية قد أكدت في وقت سابق أن السلطات العراقية تحتجز عشرات الآلاف من المعتقلين من دون محاكمة بينما يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة ، مشددةً على أن قوات الأمن العراقية مسؤولة عن انتهاكات منهجية لحقوق المعتقلين، وقد سمح لها بأن تقوم بذلك دونما خشية من عقاب ، فيما وثقت المنظمة العديد من حالات الوفاة الناجمة عن التعذيب وظروف الاحتجاز السيئة.

كربلاء: التفتيش عن الرزق وسط القمامة

من جهتها فإن (بدرية صالح زبون) الساكنة في حي الشهداء بمحافظة كربلاء “جنوب العراق” لا تشكو من النزوح، وليس لديها موقوف في السجون أو مفقود، ولكنها تلجأ إلى سوق العمل المهين نفسه، وتقضي أغلب يومها في مكب النفايات جنوب المحافظة من أجل الحصول على مبلغ عشرة آلاف دينار “8 دولارات” تستخدمها لشراء الطعام، وعلبة دواء أسبوعي، وآخر شهري لزوجها الراقد في الفراش منذ 5 سنوات .

وتوضح بدرية ذات الـــ49 عامًا لــ”وكالة يقين” أنها لم تختر العمل وسط النفايات القذرة والروائح العفنة، ولكنها اضطرت إليه بعد العجز التام عن الحصول على راتب الرعاية الاجتماعية لها أو لزوجها الذي أصيب بجلطة دماغية تركته عاجزًا عن النطق الصحيح والمشي السليم ، مضيفةً أنها وأمام هذه الظروف لم يكن لديها من حل سوى التسول أو العمل في أي مهنة حلال، حتى لو كانت وسط القاذورات، وهو ما اختارته لعدم تحملها ذل السؤال والطلب من الآخرين.

وتشترك زبون مع خمسة من النساء الأخريات في ثمن الأجرة للسيارة التي توصلهم إلى مكب القمامة في جنوب كربلاء وتعود بهن بعد العصر إلى محلات تشتري منهن حصيلة القمامة من العلب المعدنية ويرجعن في وقت الغروب إلى منازلهن، حيت تنصرف بدرية إلى شراء الخضروات من أجل إعداد وجبة كبيرة يأكلون منها في العشاء، ويدخر الباقي منها إلى اليوم الثاني ، مستدركة بأنها تحتاج إلى علبتين أسبرين أطفال وحبوب الضغط شهريًا من أجل زوجها المريض.

ناشطة: مليونين أرملة و51% نسبة المرأة من النازحين

المرأة العراقية تحملت نصيبها الكامل من عملية النزوح، حيث شكلت وفقًا لأرقام وإحصاءات بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) نسبة 51% من أعداد النازحين”

إلى ذلك تصر الدكتورة (سوزان رجب) وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة وعاملة في منظمة (حواء) على أن قصص هؤلاء النسوة هي عينة من واقع الحياة اليومية في العراق، وحصيلة طبيعة لطوفان الإرهاب والفساد الذي ضرب البلد من دون وجود تحرك حقيقي لإصلاح أوضاع المرأة وكشف الضرر عنها .

وتتابع رجب أن العراق يضم حاليًا أكبر مأساة نسوية في العالم مع وجود ما يقارب المليونين أرملة ومطلقة، وأعداد أخرى من النساء اللواتي يفقدن المعيل بسبب الاختطاف والتغييب القسري ، مؤكدةً أن هذه الحالات تكون عادة مصحوبة بالفقر والعوز اللذان يدفعان النساء إلى سوق العمل البسيط أو المهين، وهي في العموم مهن لا تتجاوز البيع على الأرصفة او الخدمة في المنازل فضلًا عن جمع القمامة والتسول.

وتلفت الدكتورة إلى أن المرأة العراقية تحملت نصيبها الكامل من عملية النزوح، حيث شكلت وفقًا لأرقام وإحصاءات بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) نسبة 51% من أعداد النازحين الذين فروا من منازلهم وباتوا يسكنون في مخيمات، أو لدى أقاربهم ومعارفهم ويعتمدون في حياتهم على مساعدات المنظمات الاغاثية .

وتنتقد الناشطة النسوية معظم المؤسسات الحكومية التي لم تقدم شيء حقيقي للمرأة واكتفت باحتفالات ساذجة وديكورية “على حد تعبيرها”؛ بمناسبة عيد المرأة ويومها العالمي ، فيما تسخر من أداء المؤسسة التشريعية الأولى في البلد وهي البرلمان الذي تقول أنه ترك المجزرة الحاصلة على أرض الواقع للنساء العراقيات، وانشغل بتحشيد التأييد لمشروع زواج الفتيات القاصرات وتشكيل محاكم الأحوال التي تقسم أبناء الشعب الواحد على أسس مذهبية بغيضة.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات