الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

كربلاء.. سكان التجاوز يستغيثون من تحول مناطقهم الى مكبات للقمامة

كربلاء.. سكان التجاوز يستغيثون من تحول مناطقهم الى مكبات للقمامة

قسم التقارير – كربلاء

يتفق أغلب سكان مناطق التجاوز في محافظة كربلاء “جنوب العراق” بأن وعود المسؤولين يتم تطبيقها بشكل معكوس تمامًا على أرض الواقع، حيث استمعوا إلى تعهدات بتمليك الأراضي وإيصال الماء والكهرباء والخدمات البلدية إليهم ، ولكنهم حصلوا على تنفيذ من نوع آخر حين تحولت مناطقهم إلى مكبات القمامة التي يتم تجميعها من أحياء المحافظة، في وقت أكد مسؤول محلي حاجتهم إلى قانون من الحكومة المركزية يضمن العيش الكريم لهؤلاء السكان.

وتضم محافظة كربلاء عشرات الأحياء العشوائية التي يطلق عليها تسمية التجاوز، وهي في أغلبها مناطق كانت تضم مباني ومنشآت تعود للدولة قبل الاحتلال الأمريكي في عام 2003، بينما شهدت المحافظة توسعًا كبيرًا في هذه الأحياء بعد تحويل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى أحياء سكنية تغيب عنها معظم الخدمات الأساسية، ولا وجود للمؤسسات التعليمية والصحية فيها.

متعهدون يفرغون القمامة في أحياء الفقراء

“أغلب سكان مناطق التجاوز في كربلاء هم من الفقراء والبسطاء والمعدمين الذين لا يملكون النفوذ الحزبي والعسكري”

يشكو (عباس خلف السهلاني) “48 عامًا” من التزايد المخيف في كميات القمامة والأنقاض التي بدأت بالاقتراب من منزله في منطقة شهداء سيف سعد “جنوب غرب كربلاء”، والتي يقول إنها تُرمى بعد منتصف الليل ومن قِبَل متعهدين للتنظيف، حيث يقومون باختصار المسافة إلى مقلع القمامة في المدينة، ويقومون بإفراغ حمولتهم على مقربة من أحياء التجاوز أو حتى داخلها.

ويوضح السهلاني لــ”وكالة يقين”، أن المتعهدين العاملين مع البلدية يجمعون أكوام القمامة والأنقاض من مختلف أحياء كربلاء، ويقوم عدد منهم بتفريغها بجوار مناطقنا؛ وذلك لتوفير مبالغ الوقود التي تحتاجها سياراتهم للوصول إلى المقلع الرئيس للقمامة “جنوب المدينة”، وكذلك للعودة والحصول على أكثر من حمولة في الليلة الواحدة، ومضاعفة الأرباح على حساب صحة سكان المنطقة وراحتهم، والتي باتت مرشحة للتحول إلى مكب ثانوي لقمامة المدينة.

ويعزو السهلاني هذه الظاهرة؛ لكون أغلب سكان مناطق التجاوز في كربلاء هم من الفقراء والبسطاء والمعدمين الذين لا يملكون النفوذ الحزبي والعسكري اللذين يجعلان مناطقهم بمعزل عن هذه التجاوزات المهينة ، بينما يقارن بين وعود بالجملة سمعوا عنها من مسؤولين محليين وبرلمانيين بتحسين أحوال مناطقهم وإمدادها بكل أنواع الخدمات، وحقيقة يشاهدونها اليوم بشكل تلال من النفايات تزكم أنوفهم بفعل الروائح المنبعثة منها.

وبحسب دراسة صادرة سنة 2014 من كلية العلوم السياحية في جامعة كربلاء؛ فإن محافظة كربلاء تعاني من ارتفاع واضح في نسب معدلات التلوث، بينما تؤشر إلى أن النفايات العضوية “القمامة المنزلية” تأتي في مقدمة أسباب التلوث في المحافظة.

وعود حكومية للمتجاوزين: قطع أراضٍ بحسب الرغبة

وبخصوص الوعود؛ فإن الحاج (زاير حسين الإبراهيمي) “61 عامًا” استمع بشكل شخصي إلى كلمة مطولة قبل سنتين من أحد أعضاء مجلس محافظة كربلاء، أكد فيها أن الأيام المقبلة ستشهد مباشرة شركات أجنبية ببناء منازل واطئة الكلفة لجميع سكان أحياء التجاوز في كربلاء، مع التشديد على إنجاز هذه البيوت بفترة قياسية وتسليمها إلى مستحقيها، على أن يكون نظام تسديد الثمن بالتقسيط المريح جدًا للمواطن.

ويلفت الإبراهيمي في حديث لـــ”وكالة يقين” إلى أنه -وبدلًا من مشاهدة أبنية المشروع وهي ترتفع- شاهد جبال الأنقاض والقمامة تنتشر على مقربة من داره في حي الرسالة “جنوب كربلاء” ، مشيرًا إلى أن هذا الوعد ليس الأول، فقد سبق له أن استلم استمارة في عام 2013 وطُلِبَ منه أن يقوم بملئها من أجل الحصول على قطعة أرض يختارها بنفسه في مناطق الخيرات والجدول والهندية، ولكنه نادم الآن على تكلفه عناء الذهاب إلى جيرانه الأستاذ من أجل تعبئة بيانات الاستمارة التي يقول: إنه متأكد بأنها مرمية في إحدى تلال النفايات القريبة منه.

“العراق ماعدا محافظات -اقليم كردستان- يضم 3687 تجمعًا سكنيًا عشوائيًا”

ويضيف الإبراهيمي للوكالة بأنه لا يرغب بمنزل أو شارع؛ لأنه مقتنع بغرفتين ومطبخ يسكنهما مع عائلته حاليًا، ولكنه يطالب بعيادة طبية ومدرسة ليس من أجله، فهو عاش بما فيه الكفاية، ولكن من أجل مئات الأطفال في هذا الحي، والذين يستحقون كذلك ماءً نظيفًا للشرب، وعددًا معقولًا من ساعات الكهرباء الوطنية في اليوم ، مستغربًا أن يكون هذا حلمًا في بلد يزعم المسؤولون فيه أنهم ينفقون سنويًا مليارات الدولارات من أجل تحسين معيشة المواطن.

ووفقًا للمسح الذي أجرته وزارة التخطيط مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في شهر آب/ أغسطس الماضي؛ فإن العراق -ماعدا محافظات إقليم كردستان– يضم 3687 تجمعًا سكنيًا عشوائيًا، ويعيش فيها 3 ملايين و 300 ألف نسمة، وبما يعادل نسبة 13% من سكان العراق.

تطور ظاهرة التجاوز في المحافظة

من جهته يؤكد المهندس في بلدية كربلاء (كاظم البديري) عدم وجود رقم محدد لعدد مناطق التجاوز في المحافظة؛ بسبب الانتشار الكبير والمتسارع لهذا النوع من المناطق، والتي بدأت مع الأيام الأولى لسقوط النظام السابق وتوافد عدد كبير من سكان باقي المحافظات الذين يريدون العيش في كربلاء، حيث ظهرت الأحياء الكبرى مثل النقيب والأمين والهيابي 1 والهيابي 2، والتي تعد الأعلى من حيث الكثافة السكانية بين هذه الأحياء.

ويبين البديري في تصريح لــ”وكالة يقين” أن عام 2009 شهد حالة فوران في أحياء التجاوز، وظهرت مناطق كثيرة جدًا، ومنها الغدير والرسالة والموظفين وسيف سعد وشهداء سيف سعد والأطباء، بينما تطور الموضوع بعدها لتصبح المناطق تحمل أرقامًا فقط مثل منطقة تجاوز1 وتجاوز 2 وتجاوز 3 وهكذا، لافتًا إلى أن أغلب هذه المناطق لا تصل إليها الخدمات النظامية؛ لكونها خارج التخطيط والإنفاق الأساسيين لأحياء محافظة كربلاء.

مسؤول: نحتاج إلى قانون خاص

إلى ذلك يعزو رئيس مجلس محافظة كربلاء (نصيف جاسم الخطابي) تنامي ظاهرة العشوائيات السكنية إلى عدم تخصيص الأراضي وتوزيعها على المواطنين من ذوي الدخل دون المتوسط؛ مما اضطرهم إلى اللجوء إلى السكن في مناطق التجاوز المفتقرة إلى الخدمات الحقيقية.

“أغلب مناطق التجاوز في كربلاء وخصوصًا الجديدة منها تتحول إلى مستنقعات مع أول زخات المطر”

ويقر الخطابي في حديث لـــ”وكالة يقين” بأن هذه المناطق لا تليق بمواطني كربلاء؛ لافتقارها إلى خدمات الماء والكهرباء، فضلًا عن التعليم والرعاية الصحية، مما يجعل العيش فيها صعبًا، في وقت تعاني المحافظة من ظلم وغبن واضحين على مستوى التخصيصات المالية المقررة لها في معظم الموازنات المالية .

ويرى الخطابي أن الحل الجذري لمشكلة مناطق التجاوز يكمن في تشريع وإقرار قانون من الحكومة المركزية يتضمن تخصيص قطع أراضٍ للمواطنين الذين لا يملكون السكن ، مشددًا على أن مثل هذا القانون يشكل الحل الأمثل لسكان العشوائيات في محافظة كربلاء وعموم مناطق العراق، ويضمن للمواطن حق العيش الكريم.

مواطن : فصل الشتاء هو الأصعب

ومع دخول فصل الشتاء والذي يشكل معاناة حقيقية لسكان التجاوز؛ فإن عامل البناء (كريم عريبي المنصوري) والبالغ من العمر 36 عامًا لا يريد من كل المسؤولين في المحافظة أو بغداد، سوى تبليط الطرق داخل هذه المناطق حتى يتسنى لساكنيها الخروج منها ومزاولة أعمالهم ، مبينًا أن الأهالي لا يحلمون بتبليط حقيقي لشوارعهم، ويرغبون فقط بفرش مادة السبيس فيها.

ويوضح المنصوري لــ”وكالة يقين”، أن أغلب مناطق التجاوز في كربلاء وخصوصًا الجديدة منها تتحول إلى مستنقعات مع أول زخات المطر، وتجبر الأهالي على عدم الخروج من البيوت؛ مما يضطرهم إلى إنشاء طرق بديلة باستخدام كميات كبيرة من الأنقاض، والتي لا تجدي نفعًا عندما تكون معدلات الأمطار مرتفعة وتستمر لعدة أيام ، مشيرًا إلى مخاطر أكبر تتمثل في انهيار منازل التجاوز جراء الأمطار، مثلما حصل في حي الصمود “غرب كربلاء” .

ووفقًا لتصورات المنصوري وقناعاته؛ فإن كربلاء تضم أكبر تناقض في العراق، فهي تحتوي على أكبر عدد من المسؤولين قياسًا بالمحافظات الأخرى، وأكبر عدد من الأثرياء وأكبر عدد من أصحاب النفوذ غير الحكومي، وهو أمر يفهمه -بحكم الظروف-؛ ولكنه لا يستطيع معرفة السبب في أنها تحتوي أكبر عدد من الفقراء والمسحوقين، والذين تشهد خارطة التجاوز العملاقة على أنهم أصبحوا يشكلون شعبًا كاملًا داخل المحافظة، بحسب وصفه.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات