الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

لغز الكتب المدرسية.. مفقودة وقديمة في المدارس ومتوفرة بكثرة على أرصفة الباعة

لغز الكتب المدرسية.. مفقودة وقديمة في المدارس ومتوفرة بكثرة على أرصفة الباعة

قسم التقارير – العراق

عادت أزمة المناهج المدرسية للظهور في العام الدراسي الحالي، مع  شكاوى أولياء الأمور من اختفائها وغلاء أسعارها على أرصفة الباعة من جهة، وتأكيدات وزارة التربية على عدم وجود أزمة حقيقية أو إلقاء اللوم على نقص التخصيصات المالية من جهة أخرى، لتستمر الجدال والنقاش وتبادل الاتهامات، ويبقى الطالب هو الضحية الأكبر والمتضرر الأبرز منها.

ويقر الموظف في وزارة الاتصالات (حسن هلال الدليمي) -وهو أب لثلاثة تلاميذ- بتقصيره الشخصي المتكرر كل عام حين يستمع إلى تطمينات وزارة التربية بشأن توفير الكتب الدراسية والقرطاسية وعدم قيامه بشرائها من الأسواق في بداية العام الدراسي قبل أن ترتفع الأسعار مع المباشرة بالدراسة، ومعرفة أن هذه الوعود كانت مثل سابقاتها .

شراء الكتب يرهق كاهل أولياء الأمور

ويبين الدليمي أنه وبعد مرور أسبوعين على بداية العام الدراسي اضطر إلى شراء كتب وقرطاسية لأولاده الثلاثة بمبلغ 200 ألف دينار، وهو ثمن يعتبره باهظًا بالنسبة لموظف بسيط ويسكن دارًا مستأجرة، ويحتاج إلى مبالغ أكبر من أجل الملابس المدرسية والحقائب وخطوط النقل، فضلًا عن مستلزمات المعيشة.

“يوضح البهادلي لـ”وكالة يقين” أن الكتب التي يشتريها لأقاربه تتنوع بين كونها كتبًا أصلية وغير مستعملة يتم تسريبها من مخازن وزارة التربية إلى باعة الأرصفة”

الدليمي أوضح لـ”وكالة يقين” أن أولاده استلموا كتبًا مدرسية كاملة العدد، ولكن المشكلة تتمثل في أن أكثر من نصفها كان تالفًا وبحالة لا تصلح حتى لمسح الزجاج “بحسب تعبيره”، بينما اشتملت القرطاسية القليلة جدًا على دفاتر من نوعية سيئة، ولا ترتقي أبدًا إلى مستوى مثيلاتها الموجودة في الأسواق، والتي تباع بأسعار عالية جدًا.

ويعد شارع المتنبي في جانب الرصافة من العاصمة بغداد وسوق السراي الملاصق به، هو المكان الأمثل للحصول على الكتب والدفاتر والقرطاسية المدرسية وبأسعار الجملة، وخصوصًا لأصحاب العوائل التي تضم عددًا كبيرًا من التلاميذ، وهو مكان بات يرتاده (كامل مكطوف البهادلي) بشكل متكرر؛ لتلبية حاجة العديد من الأقرباء الساكنين في المحافظات، والذين يعانون بشكل مضاعف من معضلة الكتب المدرسية.

البهادلي -وهو موظف متقاعد- تلقى اتصالًا هاتفيًا من أحد أبناء عمومته الساكنين في مدينة الناصرية “جنوب العراق”، يستعين به من أجل شراء مجموعة من الكتب الدراسية غير المتوفرة لديهم، وخصوصًا لمراحل الابتدائية والمتوسطة، وهو الأمر الذي تكرر لاحقًا ومن قبل أكثر من شخص من الأقرباء والعشيرة، حيث يقوم بعملية الشراء لأكبر عدد من التوصيات، ويبعثها بريدًا مع سيارات الأجرة المنطلقة من كراج العلاوي باتجاه الناصرية.

ويوضح البهادلي لـ”وكالة يقين” أن الكتب التي يشتريها لأقاربه تتنوع بين كونها كتبًا أصلية وغير مستعملة يتم تسريبها من مخازن وزارة التربية إلى باعة الأرصفة، وأخرى مستعملة ومسربة من مخازن المدارس ونوع ثالث وهي الكتب المستنسخة بالألوان، و يتم تجليدها بشكل سريع؛ لمواجهة الطلب المتزايد عليها، وهي مهنة باتت تلاقي رواجًا وازدهارًا في الأسواق خلال السنوات الأربع الأخيرة .

وشهدت بعض محافظات العراق -ومع بداية العام الدراسي الحالي- تنظيم تظاهرات منددة بتقاعس وزارة التربية عن توفير الكتب المدرسية، والفشل في التخفيف من الزخم الموجود في الصفوف؛ وذلك بالتزامن مع دعوة برلمانية لإقالة الوزير الحالي.

ازدهار تجارة المستنسخ

من جهته يعد الشاب (علاء حمزة) عمله في مجال استنساخ الكتب المدرسية بأنه مساعدة وتسهيل أمر لأولياء الطلبة الذين يعانون من تأخر استلام الكتب أو انعدامها، بالإضافة إلى مشكلة الكتب التالفة ، مبينًا أن هذه الطريقة ساهمت في مساعدة آلاف الطلبة على الانتظام في دروسهم، وجنبتهم مشاكل الرسوب والتعثر في حياتهم الدراسية ، بحسب تعبيره.

ويشير حمزة في حديث لـ”وكالة يقين” أنه كان سابقًا يعمل في مجال بيع الكتب الأدبية والعلمية المستعملة على أرصفة شارع المتنبي في أيام الجمعة حصرًا، ولكنه -ومنذ سنتين- قام بالدخول شريكًا في مشروع استنساخ وتجليد الكتب المدرسية مع أحد أصدقائه؛ حيث قاموا بشراء 10 طابعات صغيرة وماكنة تجليد يدوية، ويقومون باستكمال العمل في بيته، وينقلون البضاعة إلى المتنبي، حيث يعملون بشكل مستمر، خصوصًا في الأشهر الثلاثة الأولى من بداية العام الدراسي.

ويؤكد حمزة، أنه يقوم سنويًا بالحصول على نسخة من كل كتاب مدرسي، ويباشر بعمل آلاف النسخ منه قبل شهر واحد من بداية العام الدراسي، مضيفًا أن عملهم هذا أسهم في تخليص أولياء الأمور من غلاء الكتب الجديدة وشحتها، وبات بإمكانهم أن يشتروا أي كتاب مدرسي مستنسخ ومجلد وبأسعار زهيدة تتراوح بين (3 و5) آلاف دينار، في وقت يباع الكتاب الأصلي والجديد بسعر 10 آلاف دينار .

وفي إشارة إلى حجم أزمة توفير الكتب المدرسية فقد أطلقت “منظمة اليونسكو” التابعة للأمم المتحدة موقعًا الكترونيًا متخصصًا بتحميل نسخ الكترونية من المناهج الدراسية الموجودة في العراق، في خطوة منها لمساعدة الطلبة الذين لم يتمكنوا من الحصول على كتب التعليم الأساسي.

التربية ترد وتتهم

“يجب أن يوفر التعليم  مجانًا في مرحلتيه الابتدائية والأساسية، ويكون التعليم الابتدائي إلزاميًا، ويكون التعليم المهني والفني متاحًا للعموم”

وفي بيانها الرسمي؛ قالت وزارة التربية -وعلى لسان المتحدث الرسمي (سلامة الحسن)-: إنهم أكملوا الاستعدادات ووفروا المستلزمات الفنية واللوجستية للطلبة في مدارس بغداد والمحافظات، وتم تجهيز المدارس الابتدائية بـ75 بالمائة من الكتب ذات الطبعة الجديدة، و25 بالمائة من الكتب القديمة، بينما جهزت المدارس المتوسطة والإعدادية بـ50 بالمائة من الكتب ذات الطبعة الجديدة، والـ50 بالمائة الأخرى ذات الطبعة القديمة.

وذهبت الوزارة في بيانها الذي تسلمت “وكالة يقين” نسخة منه إلى أبعد من ذلك، حيث أكدت إرسال جميع الحصص المدرسية للطلبة في المناطق المحررة من كتب وقرطاسية وأثاث مدرسي.

وكانت المتحدثة السابقة باسم وزارة التربية (هديل العامري) قد اتهمت أصحاب المطابع الأهلية الذين قدموا عروضًا لا تتناسب مع مواصفات وزارة التربية؛ بأنهم يقفون وراء الحملة الإعلامية التي تستهدف وزارة التربية بخصوص نقص الكتب المدرسية .

التعليم المجاني حبر على ورق

إلى ذلك أوضح الخبير القانوني والإداري (أكرم فرهاد الجاف)، أن موضوع بيع الكتب المدرسية هو أمر ممنوع بنص الدستور العراقي، الذي كفل مجانية التعليم وفق الفقرة ثانيًا من المادة 34، والتي تنص على أن ” التعليم المجاني حقٌ لكل العراقيين في مختلف مراحله”، بينما اعتبرت ذات المادة من الدستور أن “التعليم عاملٌ أساس لتقدم المجتمع وحقٌ تكفله الدولة”.

وأضاف الجاف في حديث لـ”وكالة يقين”، أن العراق سبق العديد من الدول في المصادقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948، والذي ينص في المادة 26 منه على أن “لكل شخص حق في التعليم، ويجب أن يوفر التعليم  مجانًا في مرحلتيه الابتدائية والأساسية، ويكون التعليم الابتدائي إلزاميًا، ويكون التعليم المهني والفني متاحًا للعموم، ويكون التعليم العالي متاحًا، تبعًا لكفاءاتهم ” .

لكن الجاف يقر بأن النصوص المكتوبة شيء والواقع الموجود في القطاع التعليمي شيء آخر، لافتًا إلى أن العراق الذي وصل عام 1977 إلى مستوى تعليمي، وصفته منظمة اليونسكو بأنه الأفضل على مستوى الشرق وينافس الدول الاسكندينافية؛ بات اليوم خارج مؤشر جودة التعليم العالمي وهو تصنيف يخص الدول التي لا تتوفر فيها أبسط معايير الجودة في التعليم.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات