الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » الفقر في العراق »

تنامي ظاهرة التسول في العراق.. الفساد والعنف أبرز الأسباب

تنامي ظاهرة التسول في العراق.. الفساد والعنف أبرز الأسباب

قسم التقارير – العراق

أكد مراقبون أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تضخمًا مخيفًا في ظاهرة التسول بالعراق والتي باتت تضم شرائح وأعمارًا؛ بل وحتى جنسيات مختلفة تتخذ من كل شارع وسوق وحي سكني ومؤسسة حكومية مكانًا لممارسة عملها وبأساليب مختلفة ، في وقت يؤكد مسؤول حكومي وجود خطة للحد من الظاهرة ومعالجتها ، بينما يشكك مختص في حقوق الإنسان بوجود أي جهد حكومي أو حتى إحصائية تمهد للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة.

ويشير (أحمد رضا العقابي) -صاحب محل لبيع الأقمشة في شارع النهر ببغداد- إلى أنه مقابل كل 5 إلى 10 زبائن يدخلون إلى محله يوميًا هناك أكثر من 25 متسولًا يطلبون منه مساعدتهم بأي مبلغ مالي ، موضحًا أن أعمار هؤلاء المتسولين تبدأ من الطفل الصغير، مرورًا بالصبيان والشباب والكهول، فضلًا عن النساء اللواتي يمثلن نصف عدد المتسولين الذين يلتقي بهم على مدار ساعات اليوم.

دورة التسول اليومية

“أكثر من ربع العراقيين باتوا يعيشون دون خط الفقر، وهي نسبة يستغربها الخبراء، خصوصًا وأن العراق من البلدان النفطية”

ويضيف العقابي في حديث لـ”وكالة يقين”: إنه ومنذ ساعات الصباح الأولى يطرق باب منزله في حي الغدير “شرق بغداد” عدد من الصبيان و النساء طلبًا للمعونة المالية، ويستمر المشهد في الشوارع والإشارات المرورية أثناء إيصال أطفاله إلى المدرسة، وبعدها ذهابه إلى العمل، ويتواصل على طول ساعات العمل، وفي طريق العودة منه، وفي السوق أثناء شرائه لاحتياجات المنزل، وبعد العودة إليه.

ويحصي العقابي أكثر من 10 وسائل للتسول يشاهدها يوميًا، ومنها غسل زجاج السيارات، أو بيع البضائع الرخيصة؛ مثل: المناديل والحلوى في الإشارات المرورية، وعرض الوثائق و الشهادات التي تثبت أن حاملها بحاجة إلى العلاج أو العمليات الجراحية، واصطحاب الأطفال المعوقين، فضلًا عن روايات النزوح، أو وفاة معيل الأسرة، وحتى يصل الأمر إلى وجود متسولين من جنسيات مختلفة بينها السورية والبنغلاديشية وغيرهم.

متسولة: العوز دفعني لهذا الطريق المذل

وفي الطريق المؤدي إلى سوق الشورجة ببغداد؛ تفترش عشرات المتسولات الرصيف، وتعرض كل منهن دليلها الذي يثبت حاجتها من المال، ومن هؤلاء (كميلة شرجي) البالغة من العمر 53 سنة، التي تنشر عباءتها لتوفر الظل لاثنين من أطفالها النائمين، بينما تضع أمامها أوراقًا رسمية تثبت أن زوجها مفقود منذ 5 سنوات؛ لإثبات حاجتها إلى المساعدة المالية التي تطلبها بشكل كلمات استعطاف، ودعاء مطول لكل من يلقي لها بورقة نقدية .

وفي حديثها لـ”وكالة يقين” تشرح ظروفها حيث تسكن بغرفة واحدة مع أطفالها الأربعة في غرفة عشوائية بمنطقة المعامل، بعد فقدان زوجها وعدم عثورها على أي دليل إليه، مضيفةً أنها تأتي يوميًا إلى هذه المنطقة المزدحمة، وتغادرها بعد صلاة العصر، وقد جمعت مبلغًا يتراوح بين 25 و30 ألف دينار، تنفقها في المواصلات وشراء الطعام لأولادها الذين لا يزيد عمر أكبرهم عن 6 سنوات.

وتنفي شرجي أن يكون عملها المهين وسيلة للتربح أو جمع المال، ولكنها اضطرت إليه بعد الفشل في العثور على أي مهنة، ومنها الخدمة في المنازل وغسل الملابس وجمع العلب المعدنية، مؤكدة استعدادها لترك هذا العمل المذل فورًا لو حصلت على أي عمل أو معونة مالية حكومية، وبأي مبلغ كان.

وكانت التقديرات الخاصة بوزارة التخطيط العراقية قد أشارت إلى ارتفاع نسبة الفقر في البلاد إلى 30% خلال العام الماضي 2016، وبما يعني أن أكثر من ربع العراقيين باتوا يعيشون دون خط الفقر، وهي نسبة يستغربها الخبراء، خصوصًا وأن العراق من البلدان النفطية، ويحتل المرتبة الرابعة عالميًا بين الدول المنتجة له.

باحثة اجتماعية: الفساد والعنف هما المسؤولان

“المسؤولية الحكومية في هذا الملف تتوزع على جميع الوزارات، سواء كانت التربية أو العمل أو الداخلية، وبلا استثناء، ولابد من تحرك عاجل في الحد من ظاهرة وإعداد المتسولين”

من جهتها تستغرب الباحثة الاجتماعية (سناء اللامي) الترويج المستمر لموضوع عصابات التسول، والمبالغ الخيالية التي تدرها هذه المهنة، مستدركة بأن هناك من يمتهن التسول لأغراض الربح السهل، ولكن هؤلاء يبقون نسبة قليلة بين جيش المتسولين، والذين ذهبوا إلى هذا الطريق بعد العجز التام عن الحصول على لقمة العيش عن طريق المهن الكريمة.

وتبين الباحثة اللامي لـ”وكالة يقين”، أن دوامة العنف التي دخلتها البلاد بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 واستشراء الفساد المالي في عموم المؤسسات الحكومية المسيطر عليها من قبل الأحزاب خلفت أعدادًا كبيرة جدًا من المواطنين، شكلوا الطبقة المعدمة التي لا تجد قوت يومها، ويصابون بأمراض سوء التغذية وفقر الدم وغيرها، متابعة بأن هؤلاء حين يعجزون عن الحصول على لقمة  العيش، فإنهم -وبشكل منطقي- يلجأون إلى أسهل المهن وأكثرها بدائية، وهي التسول .

وكانت بعثة الأمم المتحدة في العراق “يونامي”؛ قد انتقدت في بيان لها وجود ستة ملايين عراقي يعيشون تحت مستوى الفقر، في وقت يعد العراق  بلدًا غنيًا بالموارد الطبيعية والبشرية، فهو ينتج ثلاثة ملايين برميل من النفط يوميًا، ويحظى أطباؤه ومهندسوه بالاحترام في مختلف أنحاء المنطقة، بحسب بيان البعثة.

مسؤول حكومي: وضعنا خطة

إلى ذلك كشف الناطق باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية (عمار منعم)؛ عن تشكيل لجنة مشتركة من وزارتي الداخلية وحقوق الإنسان ووزارتهم؛ لدراسة ظاهرة التسول وتأثيراتها على الواقع الحضاري والأمني، وحتى الاجتماعي، مبينًا توصلهم إلى خطة من ثلاثة محاور تهدف إلى الحد من الظاهرة.

وبحسب بيان للناطق باسم وزارة العمل -اطلعت “وكالة يقين” على نسخة منه- فإن المحور الأول للخطة يشير إلى أن تردي الوضع الاقتصادي؛ هو السبب الرئيس لانتشار ظاهرة التسول، ويتم التعامل مع هذا المحور بواسطة تحديد إعانة الحماية والقروض، مضيفًا أن المحور الثاني يتمثل بعمل مشترك بين الصحة وحقوق الإنسان والتربية، والعمل من أجل إدخال المتسولين إلى مركز تأهيلي؛ وذلك تمهيدًا لإخضاعهم إلى برنامج نفسي وصحي وتربـوي وتعليـمي ومهني؛ لإعادة الاعتبار النفسي، وإدماجهم في المجتمع، بحسب تعبيره.

ويشمل المحور الثالث من خطة وزارة العمل “بحسب الناطق” على تفعيل الإجراءات القانونية التي يتضمنها قانون العقوبات، وهي المواد ( 390_391_392) والتي تتضمنها المادة (111) من القانون، والتي تعتبر التسول جريمة، وتحدد الإجراءات القانونية التي يجب اتخاذها للحد منها.

ناشط حقوقي: الحكومة لا تعرف حجم الظاهرة

غير أن عضو المركز العراقي المختص بشؤون حقوق الإنسان (عمر الفرحان)؛ يرى أن الجهد الحكومي في مجال مكافحة ظاهرة التسول لم يصل حتى الآن إلى الخطوة الأولى، وهي إجراء مسح ميداني أو خطة حكومية لمعرفة حجم الظاهرة؛ تمهيدًا لإعداد إستراتيجية مناسبة للتصدي لها ومن ثم القضاء عليها.

ويوضح الفرحان في تصريح لـ”وكالة يقين”، أن المسؤولية الحكومية في هذا الملف تتوزع على جميع الوزارات، سواء كانت التربية أو العمل أو الداخلية، وبلا استثناء، ولابد من تحرك عاجل في الحد من ظاهرة وإعداد المتسولين، و خصوصًا الأطفال، لافتًا إلى أن الطفل المتسول ليس له مستقبل، سوى البقاء في المهنة حتى الكبر والشيخوخة، أو التحول إلى مجرم، وبهذا يكون الطفل المتسول عبارة عن قنبلة موقوتة تهدد المجتمع.

ويعرب الفرحان عن أسفه لعدد منظمات المجتمع المدني وحجمها التي يعج بها العراق، ويقتصر دورها على ورش العمل والندوات والاجتماعات، وغيرها من النشاطات الشكلية، ولم تصل إلى مرحلة التماس مع واقع المشكلات التي يعاني منها المجتمع، ومنها ظاهرة تسول، أو عمالة الأطفال، أو غيرها من الظاهر الخطيرة.

ويشدد الفرحان على أن انتشار ظاهرة التسول واستفحالها بهذا الشكل الذي يمكن لأي مواطن ملاحظاته بوضوح وبكل سهولة؛ هو دليل صريح على فشل حكومي في التعامل معها، وأصبح التعامل معها يجري باعتبارها إحدى أساليب كسب العيش في العراق.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات