الثلاثاء 17 يوليو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تدهور القطاع الصحي »

غلاء أجور الأطباء يدفع العراقيين لاستبدالهم بالمضمدين والصيادلة

غلاء أجور الأطباء يدفع العراقيين لاستبدالهم بالمضمدين والصيادلة

قسم التقارير – العراق

يجمع أغلب المواطنين من ذوي الدخل المحدود؛ على أن اختيار مراجعة المضمدين والصيادلة في الاستشارات الطبية هو الحل الأمثل لهم، وخيار وسط بين تعقيدات مراجعة المستشفيات الحكومية، وسوء الخدمات المقدمة فيها من جهة، وهربًا من الأسعار الفلكية التي يفرضها الأطباء من جهة أخرى ، وسط تحذيرات من خطورة الظاهرة واتهامات مقابلة للمسؤولين بملاحقة المضمدين والتضييق عليهم لصالح مافيات العيادات الخاصة.

وبالرغم من أن ظاهرة عيادات المضمدين التي تقدم جميع أنواع الخدمات الطبية كان يقتصر تواجدها في الماضي على القرى والأرياف والأحياء الشعبية والمناطق البعيدة عن مراكز المدن؛ إلا أن الوقت الحالي بات يشهد تواجدًا مكثفًا لمثل هذه العيادات في معظم مناطق المحافظات العراقية بما فيها العاصمة بغداد، فيما باتت النسبة الأكبر من أصحاب الصيدليات يمارسون مهام الطبيب في الكشف وصرف العلاج والتداوي.

دوامة المستشفيات الحكومية

الحاج (حسن عاتي الفرطوسي) يواظب منذ 10 سنوات على مراجعة المضمد في منطقته بحي البياع “جنوب غرب بغداد”، ويستشيره في كل شكوى طبية من أمراض الأنفلونزا إلى المفاصل، وحتى ضغط الدم والسكر، حيث يقوم المضمد بمراقبة التطورات في حالته، ومن ثم يغير له الأدوية وفق التحاليل والقياسات التي يجريها في العيادة، أو بالاستعانة بمختبر مجاور يملكه قريب له.

الفرطوسي البالغ من العمر 69 عامًا يثق بصديقة المضمد ثقة تامة، وحتى عندما نصحه بإجراء أشعة ملونة في المستشفى التخصصي؛ استغرب من الحاجة إلى المستشفى ولماذا لا يعملها في عيادته، قبل أن يوضح له أنها تتم باستخدام جهاز متطور لا يتوفر سوى في عدد محدد من المستشفيات الحكومية والعيادات التجارية.

ويبين الحاج الستيني في حديث لـــ”وكالة يقين“، أنه اضطر لمراجعة المستشفى أثناء ذهاب صديقة المضمد إلى العمرة، ولاقى صعوبة كبيرة تمثلت في انتظار أكثر من 3 ساعات لرؤية الدكتور الاستشاري الذي كان يعاين كل أربعة مرضى دفعة واحدة ولدقائق معدودة، في وقت استغرق عمل تحليل السكر أكثر من ساعة لغرض السحب وذات المدة لاستلام النتيجة، وعندما عاد كان الدكتور قد انتهى دوامه وخرج؛ بينما عاد هو إلى بيته خالي الوفاض، وعازمًا على عدم زيارة المستشفى وانتظار عودة زميلة المضمد، والذي يقول: إنه بخبرته المستمدة من الخدمة العسكرية الطويلة والممارسة المهنية بعدها؛ تؤهله ليكون أذكى طبيب ، بحسب تعبيره.

ويمارس أغلب المضمدين “معاونو الأطباء” تخصصات محددة في عياداتهم، ومنها قياس الضغط ونسبة السكر في الدم وزرق الإبر وعلاج الجروح والحروق البسيطة، فضلًا عن تخصص بعضهم في العلاج الطبيعي أو في ختان الأطفال، فضلًا عن تخصص الولادة الذي تمارسه القابلات المأذونات، واللواتي يكن في الغالب من الكبيرات في السن، وصاحبات خبرة عملية طويلة في هذا المجال.

لهيب العيادات الخاصة

من جهته يحمل (علاء خليل الدليمي) “42 عامًا” شعورًا سلبيًا تجاه أغلب الأطباء الذين يديرون العيادات الخاصة، ويحيلون كل مرضاهم -بغض النظر عن حالاتهم- إلى مختبر التحليلات والأشعة، ومن بعدها يصرفون لهم أدوية بشرط صرفها من الصيدلية التابعة للعيادة؛ ليجد المريض نفسه قد أنفق مبلغًا كبيرًا لقاء استشارة لم تستمر أكثر من 10 دقائق في أحسن الأحوال، مع طلب بتكرارها كل أسبوعين أو شهر.

الدليمي الذي يعمل أستاذًا في مدرسة متوسطة ويسكن منطقة العامرية “غرب بغداد” قال لــ”وكالة يقين”: إنه زار أخصائي باطنية في حي الحارثية المشهور بكثرة العيادات التجارية، ودفع 30 ألف دينار ثمن الاستشارة، و35 ألفًا من أجل إجراء تحليلات عدد 2 وقياس للضغط، و40 ألفًا ثمن أشعة السونار، و30 ألفًا ثمن الدواء ، مبينًا أن الدكتور طلب منه أن يعود بعد شهر واحد، ورفض إعفاءه من دفع ثمن الاستشارة التي وضح أنها ستكون أقل بشيء بسيط عن الاستشارة الأولى.

“خياطة الجروح والتي يمارسها المضمدون من دون إشراف من قِبَل جراح متخصص، وتؤدي في حالة الجروح البليغة إلى توقف الأصابع عن الحركة”

ومع يقين الأستاذ الدليمي بأن الصحة هي أغلى ما يملك الإنسان؛ إلا أن راتبة والتزاماته العائلية  لا يمكنانه من دفع 135 ألف دينار شهريًا من أجل مراجعة هذا الطبيب ، موضحًا أنه ذهب بعد انقضاء الشهر إلى مجمع صحي قريب من منزله ومشهور بالكادر الطبي المتميز، وفي مقدمته مضمد صرف له علاجًا بسيطًا ورخيصًا لمعالجة القولون العصبي، وأنه يشعر بالارتياح والاستقرار الآن بعد أن تلاعب الطبيب بأعصابه، ورفض أن يخبره بماهية حالته؛ مبررًا أنه سيرى الأمر في الزيارات القادمة ويتخذ الرأي المناسب.

ويتقاضى أغلب المضمدين أقل بكثير من ربع الثمن الذي يدفعه المريض في العيادات المتخصصة، ففي الوقت الذي تكلف مجموعة خدمات تتضمن تحليل السكر وقياس الضغط وزرق الإبرة مبلغ 25 ألف دينار في عيادات منطقتي المنصور والحارثية في بغداد؛ فإن ذات المجموعة يمكن الحصول عليها بثمن 3 آلاف دينار في أي عيادة مضمد، والأمر ينطبق على الإسعافات والعمليات الصغرى  والختان وغيرها.

جراح: هذه أخطاء المضمدين وقانونهم

ولا يرغب الدكتور الجراح (هادي الجشعمي) بالانتقاص من كفاءة المعاون الطبي “المضمد” وقدرته، ولكنه يصر على أن عمله محدد في زاوية واختصاص معين، ولا يمكن أن تصل به الحال أن يأخذ دور الطبيب الأخصائي ، مستشهدًا بعشرات المراجعين الذين يزورونه مشتكين من الأخطاء الطبية التي ارتكبها بحقهم مضمدون يديرون عيادات متخصصة في العمليات الصغرى، أو حتى أكبر منها.

“يجمع أغلب المواطنين من ذوي الدخل المحدود؛ على أن اختيار مراجعة المضمدين والصيادلة في الاستشارات الطبية هو الحل الأمثل لهم”

ويشير الجراح الجشعمي في حديثة لـــ”وكالة يقين” إلى حالات معينة، ومنها خياطة الجروح والتي يمارسها المضمدون من دون إشراف من قِبَل جراح متخصص، وتؤدي في حالة الجروح البليغة إلى توقف الأصابع عن الحركة، أو حدوث تشوهات جلدية غير قابلة للشفاء بمرور الزمن ، لافتًا إلى أن البعض يستهين حتى بزرق الإبرة، ولم يسمع عن أخطاء فاضحة تصل إلى زرق الإبرة في الوريد بدلًا من العضلة أو العكس، وهو ما يرتكبه بعض الذين يدعون المعرفة بعلم الطب عبر الممارسة.

ويلفت الدكتور الجشعمي إلى أن تعليمات ممارسة المهن الصحية في العراق الصادرة من أكثر من نصف قرن، والتي من المفترض أن العمل بها سارٍ حتى الآن؛ تشير بوضوح إلى أن المضمد لا يستطيع ممارسة مهنته في مكان خاص به، ويجب أن يكون عمله في عيادة طبيب مجاز وتحت إشرافه ومسؤوليته ، مستدركًا بأن التعليمات ذاتها لا تجيز للمضمد أن يقوم بزرق الحقن الوريدية إلا في مؤسسة صحية حكومية أو أهلية بأشراف طبيب .

مسؤول: نراقب ونفتش ونغلق

إلى ذلك يدعو مدير المؤسسات غير الحكومية في وزارة الصحة الدكتور (جعفر ستار شياع) إلى التفريق بين العيادات المجازة والمرخصة لغرض عمليات التداوي البسيطة، والتي يديرها متخصصون تتم إجازتهم بشكل رسمي، ويخضعون للرقابة والجولات التفتيشية في معظم الأوقات، وآخرون لا يمتلكون هذه المؤهلات ويقومون بـإدارة مؤسسات صحية وهمية تحت لافتة العيادات الطبية.

ويؤكد الدكتور شياع في بيان -اطلعت “وكالة يقين” على نسخة منه-: إن فرقهم التفتيشية تعمل على مدار الساعة في مراقبة المؤسسات الصحية غير الحكومية من عيادات ومختبرات وصيدليات ومذاخر أدوية ومحلات ذوي المهن الصحية للتأكد من استيفائهم الشروط الخاصة بممارسة المهنة، وتقوم بالتحذير أو فرض الغرامة المالية أو الغلق المؤقت لصاحب المحل المخالف ، مشددًا على أن الأمر يختلف مع أصحاب الأماكن الوهمية، والذين يديرون عيادات أو صيدليات ومذاخر من دون توفر شرط الاختصاص والمؤهل، حيث يتم اللجوء إلى الغلق الفوري وإحالة مرتكب المخالفة إلى القضاء.

وبحسب الإحصاءات المتجمعة لدى الدكتور شياع؛ فإن فرق التفتيش التابعة لوزارة الصحة قامت خلال العام الماضي 2016 بتفتيش 14018 مؤسسة غير حكومية، وأغلقت 2739 مكانًا يتوزع بين صيدلية ومذخر ومختبر ومستشفى ومركز ومحل لبيع المستلزمات الطبية ومحلات علاج بالأعشاب.

اتهامات لوزارة الصحة تعمل بالازدواجية وعدم مراعاة الفقراء

من جانبه يشن المضمد (أبو حوراء) هجومًا عنيفًا على المسؤولين في وزارة الصحة، متهمًا إياهم بمحاربة المضمدين الذين يقدمون خدمة إنسانية لجمهور أغلبه من الفقراء مقابل أجور رمزية، في وقت تغض النظر عن الأجور الفاحشة في العيادات الخاصة، والتي يرتبط أغلب من يملكونها بعلاقات مميزة مع القائمين على الوزارة، ووفق مبدأ الفائدة المتبادلة بين الطرفين، بحسب تعبيره.

ويبين المضمد أبو حوراء -والذي يمارس عمله في مدينة الصدر “شرق بغداد” منذ 14 عامًا- أن الوزارة -وبدلًا من مراقبة الأسعار وتحديدها خدمةً للمواطن وحمايةً له من استغلال المافيات الطبية-؛ فإنها تقوم بتعقيد الإجراءات والخطوات اللازمة للحصول على رخصة ممارسة للمضمد، مضيفًا بأن الرقابة والمتابعة التي تغفل عن الأسعار الفلكية نجدها في الوقت ذاته نشيطة وفعالة ضد مهنة المعاون الطبي، الذي يسترزق من محل صغير يقدم خدمات طبية أولية وبأسعار شبه رمزية .

ويؤكد أبو حوراء لـــ”وكالة يقين”، أن سجله المهني حتى الآن نظيف، ولا يحتوي على أي ممارسة غير قانونية، ولم يُسَجَّل عليه أي خطأ طبي من قبل، في وقت لم يتورع بعض الأطباء المعروفون عن ارتكاب كل المخالفات المشينة بحق مرضاهم، حتى وصل بهم الأمر إلى سرقة الأعضاء الطبية والمتاجرة بها ، مستدركًا بأنه لا يبرئ المضمدين بمجملهم، ولا يتهم كل الأطباء، ولكنه يدعو المسؤولين إلى النظر بموضوعية وعدالة إلى هذا الملف، وان ينصفوا ويدعموا المسعفين الفقراء؛ بدلًا من محاربتهم وملاحقتهم في أرزاقهم البسيطة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات