الثلاثاء 22 مايو 2018 | بغداد 16° C
الرئيسية » أزمة الأدوية »

المؤسسات الطبية في الأنبار.. واقع مرير وإجحاف بحق الكفاءات

المؤسسات الطبية في الأنبار.. واقع مرير وإجحاف بحق الكفاءات

قسم التقارير – الأنبار

مستشفيات ومراكز طبية هدمت بسبب الحرب، وكفاءات علمية هجرت إلى بلدان أخرى؛ تعدت الأسباب: ما بين سطوة المليشيات المسلحة، والأحكام العشائرية التي صارت هي الأخرى تهدد حياة الأطباء، عيادات أغلقت أبوابها، ومراكز متخصصة نقلت إلى دول أخرى لتحرم أبناء الأنبار من خدماتها.

فالمحافظة تشهد نقصًا كبيرًا وواضحًا في الكوادر الطبية والعلاجية جراء هجرة الأطباء الماهرة، والجراحين الأَكْفِياء، وسط صمت حكومي إزاء ما تتعرض له هذه الشريحة المهمة.

فالإحصاءات الرسمية سجلت تراجعًا كبيرًا في الواقع الطبي في عموم البلد.

محافظة الأنبار خسرت ثلثي أطبائها ومنشآتها الصحية

“أغلب أقضية الأنبار أُعلِن عن حالها مدنًا منكوبة، ومنها الرمادي والفلوجة التي دمر فيها المستشفى التعليمي، وجميع المراكز التخصصية التي تعرضت لدمار كبير جدًا”

خسرت محافظة الأنبار نحو ثلثي كوادرها الطبية ومنشآتها الصحية، وهذا ما أكده المحلل الأمني (حامد الفلاحي)، فالمحافظة بحاجة إلى دم جديد للمنشآت الطبية وكوادرها، في الوقت الذي كشف فيه عن حاجة المستشفيات والمراكز الصحية في أقضية المحافظة ونواحيها إلى كوادر طبية بكافة الاختصاصات؛ لمعالجة المرضى وتقديم الخدمات العلاجية، فأهالي الأنبار ما زالوا يعانون من تبعات الحروب والنزوح القسري.

ويبين الفلاحي في تصريحه لــ”وكالة يقين”: إن”التهديدات الأمنية في العراق، ومنها الأنبار التي تعيش أوضاعًا صعبة في الجانب الأمني والاقتصادي؛ أدت إلى تزايد حالات الهجرة للكفاءات والأطباء إلى خارج العراق، مما أدى إلى تناقص الخبرات الطبية والعلاجية التي تحتاجها مستشفيات العلاج ومراكزها في الأقضية والنواحي في الأنبار”.

مضيفا أن” العناصر المسلحة بكافة تسمياتها تستهدف جميع الفئات، وخصوصًا الأطباء الذين تعرضوا للتهديد والخطف والقتل، مما ساهم بهجرة أعداد كبيرة إلى بلاد عربية وأجنبية، وتخوف من بقى منهم من العمل مجددًا”.

وحذر من كارثة أخرى يعيشها الشارع الأنباري ، وهي تدمير المستشفيات والمراكز الصحية جراء العمليات المسلحة التي رافقت تحرير مدن الأنبار، وخلفت وراءها دمارًا كبيرًا في البنى التحتية، وعلى صعيد إعمار تلك البنى؛ فإن المشاريع الوهمية زادت من تردي الواقع الصحي وارتفاع نسب التلوث البيئي في الأنبار.

وتابع المحلل قائلًا: “إن إعادة الكفاءات -ومنهم الأطباء- إلى البلاد يتطلب جهودًا حكومية بتوفير البيئة الأمنية الملائمة للعيش المستقر في العراق عمومًا، والأنبار تحديدا في ظل الانفلات الأمني، وبقاء السلاح بيد العناصر المسلحة والمليشيات، مشددًا على بقاء السلاح بيد الدولة حصرًا، وتهيئة حماية للمستشفيات والمراكز الصحية، ومنع التجاوزات على الأطباء من المسلحين وعصابات الخطف، ويجب أن تأخذ الجهات الأمنية دورها الحقيقي لحماية هذه الشريحة المهمة، ومحاسبة من يتورط في ضرب الكوادر الطبية، والتعدي عليهم خلال ممارستهم لعملهم الإنساني.

عمليات جراحية كبرى بين الأنقاض والركام

ويؤكد الدكتور (أحمد الدليمي) أحد الأطباء من الرمادي لــ”وكالة يقين”: إن جميع المستشفيات والمراكز الصحية في الأنبار تحتاج إلى كوادر إضافية بسبب اتساع الرقعة الجغرافية، وزيادة النسب السكانية للأقضية والنواحي، مع ضرورة رفد المستشفيات النسائية والأطفال بكوادر طبية نسوية لتقديم الخدمات للأسرة والطفل.

مبينًا أن هناك عشرات الأطباء يجرون عمليات جراحية كبرى وسط الأنقاض وركام المستشفيات المهدمة، كما أن وجود العناصر المسلحة والمليشيات ساهم في تدني الواقع الصحي، وتزايد هجرة الأطباء في الأنبار بشكل خطير، وهناك حالات مرضية باتت تُعالَج في مستشفيات عربية، وفي إقليم كردستان؛ لعدم وجود أطباء اختصاص، وفقدان أجواء مستقرة لإجراء عمليات جراحية حديثة، مما دفع الأهالي للبحث –مضطرين- عن العلاج في بلدان أخرى تكلف المريض أموالًا طائلة، وتعكس صورة سلبية عن إمكانية أطباء المحافظة وكفاءتهم.

لا أمل يلوح في الأفق لتغيير الواقع الصحي في الأنبار

من جهته، حذر عضو مجلس محافظة الأنبار (فهد الراشد) من استمرار النقص الحاصل في الأطباء الاختصاص، مع دعوة الحكومة المركزية إلى ضرورة إعادة الكفاءات التي هاجرت منذ سنوات إلى خارج العراق بسبب المضايقات، وعوامل أخرى كانت سببًا رئيسًا في هجرة الأطباء.

وأوضح الراشد لــ”وكالة اليقين”: إن أغلب أقضية الأنبار أُعلِن عن حالها مدنًا منكوبة، ومنها الرمادي والفلوجة التي دمر فيها المستشفى التعليمي، وجميع المراكز التخصصية التي تعرضت لدمار كبير جدًا؛ جراء العمليات العسكرية، وهجرة أعداد من الأطباء خلال فترات النزوح القسري، وبقائهم خارج البلد حتى بعد انتهاء العمليات.

مستدركًا أن “مساحة الأنبار تعد ثلث مساحة العراق، ومناطقها متباعدة، مع وجود كثافة سكانية في القرى والأرياف، مما يتطلب إنشاء مراكز علاجية وطبية تتوفر فيها أطباء من مختلف الاختصاصات، مع توفير الأدوية اللازمة للأمراض المزمنة التي توقف العمل فيها منذ عام 2014 ولغاية الآن، مما أثقل كاهل أصحاب الأمراض المزمنة في تحمل تكاليف العلاجات في الصيدليات، حيث إن أثمانها شكل مبالغ كبيرة لا يقوى المريض على شرائها.

في الوقت الذي أغلقت المراكز الصحية التخصصية بالأمراض المزمنة أبوابها بوجه المرضى، الذين لا يتمكنون من شراء العلاجات من الصيدليات الخارجية.

(كبار السن) الشريحة الأكثر تضررا من هجرة الأطباء

“شريحة الأطباء باتت أضعف شريحة بالمجتمع، فلا قانون يحميهم ولا تُتَّخَذ إجراءات رادعة ضد من يعتدي عليهم، وهذا من جملة أسباب أدت إلى مغادرة الكثير من الكفاءات الطبية إلى خارج البلد”

اعتاد الحاج (عباس حمادي الجميلي) -رجل خمسيني من أهالي قضاء الكرمة في الأنبار- مراجعة أحد الأطباء الاختصاص، فالحاج عباس يعاني من أمراض ارتفاع ضغط الدم والسكري المزمنين.

فبعد هجرة طبيبه الذي اختطف من قبل عصابة مسلحة دخلت عيادته، وهددته بالسلاح، واقتادته إلى جهة مجهولة، وبعد أيام من اختطافه طالبوا ذويه بدفع فدية مالية تقدر ب 100 ألف دولار.

تم دفعها وإطلاق سراحه، وعلى الفور هاجر هذا الطبيب البلد، ولم يعد إليه إلى الآن، تاركًا عيادته ومرضاه، ومن بينهم الحاج عباس، الذي يأمل أن يعود طبيبه الذي كان يصف له العلاج المناسب، بحسب قوله.

ويلفت الحاج عباس أن الكثير من المراجعين يفتقدون لخدمات هذا الطبيب، الذي كان يتعامل معهم بإنسانية كبيرة قل نظيرها، وهو الآن ومعه الكثير من المرضى يعانون من الحصول على أدوية العلاجات المزمنة، التي تكلفهم أموالًا كثيرة لا يملكونها، وباتوا يستلفون هذه المبالغ للحصول على علاجهم.

(مسلحو العشائر) حلقة من سلسلة تهديدات للأطباء

“الأطباء وقع عليها الحيف الأكبر، وبات كل طبيب غير مؤمن على حياته، لأن عدم تفعيل قانون حماية الأطباء -رغم تشريعه- جعل منهم لقمة سائغة لعصابات الخطف والمساومة”

ويقول الأستاذ (ناظم الحديدي) -مسؤول العلاقات والإعلام في مستشفى الفلوجة التعليمي- في حديثه لــ”وكالة اليقين“: إن المستشفيات في الأنبار تشهد اعتداءات متكررة تكاد أن تكون يومية، لما تحمله محافظة الأنبار من طابع عشائري، ودائمًا ما يتعرض الأطباء من اعتداء على يد أبناء العشائر الذي انخرط أغلب أبنائها في الحشد العشائري، وصاروا يحملون السلاح في المؤسسات والدوائر الرسمية من دون أي رادع من قبل الحكومة المركزية، فالاعتداءات ضد الأطباء باتت تتكرر، وآخرها كان اعتداء على الكادر الطبي الخفر في مستشفى الفلوجة بسبب وفاة امرأة مسنة فارقت الحياة أثناء إجراء العملية .

مبينًا أن ذوي المرأة وقَّعوا على إجراء العملية وتحمل كافة التبعات التي تترتب عليها خطورة العملية. فبعد هذا الحادث أضرب الأطباء عن العمل لمدة يومين، لكن من دون جدوى، فلم يُتَّخَذ أي إجراء قانوني ضد المعتدين على الكادر الطبي.

ويلفت الحديدي إلى أن شريحة الأطباء باتت أضعف شريحة بالمجتمع، فلا قانون يحميهم ولا تُتَّخَذ إجراءات رادعة ضد من يعتدي عليهم، وهذا من جملة أسباب أدت إلى مغادرة الكثير من الكفاءات الطبية إلى خارج البلد، وعدم وجود البدلاء؛ مما سجل تراجعًا كبيرًا في الواقع الصحي.

تجاهل السلطات المعنية في تفعيل قانون حماية الأطباء؛ سبب آخر لهجرتهم

من جانبه أعرب الدكتور (كمال رجا الحداد) عن قلقه، حيث قال لــ”وكالة اليقين”: إن شريحة الأطباء وقع عليها الحيف الأكبر، وبات كل طبيب غير مؤمن على حياته، لأن عدم تفعيل قانون حماية الأطباء -رغم تشريعه- جعل منهم لقمة سائغة لعصابات الخطف والمساومة، والمليشيات السائبة التي استهدفت الكثير من الكفاءات العلمية، من بينها الكثير من الأطباء؛ بل وصل الأمر إلى التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهدر دمهم، والتشهير بسمعتهم، ناهيك عن الاعتداءات المتكررة، فالأطباء في العراق يعملون في ظروف استثنائية وصعبة للغاية.

وبإمكانات بسيطة لا ترتقي إلى مستوى حاجة المواطن الذي دفع فاتورة السياسات الخاطئة، والحروب المتكررة، التي خلفت جيشًا من المعاقين الذين يحتاجون إلى مراكز تخصصية، وعلاجات مختلفة، تعجز الدولة العراقية عن توفيرها.

ويشير الدكتور كمال -اختصاص الأمراض القلبية والصدرية والباطنية- والذي يعمل طبيبًا استشاريا في مستشفى الفلوجة، ولديه عيادة خاصة وسط المدينة؛ أن الأطباء يعملون من دون أي حماية، وهم عرضة إلى الاعتداءات اليومية التي تحصل حتى من قبل الأجهزة الأمنية، التي كان من المفترض أن تقوم هي بتوفير الحماية.

مطالبًا في الوقت ذاته بتفعيل قانون حماية الأطباء، وتوفير الأجواء الملائمة لممارسة مهنتهم الإنسانية، بعيدًا عن الضغوطات والتهديدات التي تواجه عملهم، فالطبيب يجب أن تتوفر له الظروف الملائمة والإمكانات الطبية، ليقدم خدماته إلى المرضى، وإلا سيكون الحل البديل هو الهجرة إلى بلدان أخرى تحترم اختصاصه وعلمه وكفاءته.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات