الثلاثاء 16 يناير 2018 | بغداد 18° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

الناصرية.. شبح الجفاف يهدد باختفاء الزراعة والاهالي يجوبون الطرقات وراء قطرة ماء

الناصرية.. شبح الجفاف يهدد باختفاء الزراعة والاهالي يجوبون الطرقات وراء قطرة ماء

قسم التقارير – ذي قار

بالرغم من كون مشكلة شحة المياه تعد القاسم المشترك بين معظم المحافظات الجنوبية في العراق، إلا أن أقضية مدينة الناصرية ونواحيها في ذي قار باتت الضحية الأكبر لهذه المعضلة، التي أجبرت العديد من السكان على التفكير الجدي بالهجرة بعد موت المحاصيل الزراعية والمواشي، وانعدام التحرك الرسمي لإنقاذهم، فيما يؤكد مسؤول محلي أن حجم الكارثة يفوق قدراتهم ويتطلب تحركًا عاجلًا من أعلى المستويات.

وبات منظر تشقق الأراضي الزراعية وجفاف السواقي وتفرعات الأنهار وقنوات الري والعثور على الحيوانات النافقة من المشاهد المألوفة في عموم الأقضية والنواحي التابعة لمدينة الناصرية “مركز محافظة ذي قار” والتي أيقن أهلها بعدم الجدوى من التظاهرات والاعتصامات وقطع الطرق، وغيرها من وسائل الاحتجاج التي يقومون بها منذ أكثر من ثلاث سنوات، فضلًا عن تشكيل الوفود العشائرية لمقابلة المسؤولين، ابتداء من المحافظة وأعضاء مجلس المحافظة وقيادة العمليات ودوائر الري.

الفلاحون يبيعون ممتلكاتهم

بعد فقدانه الأمل من التحرك الرسمي لعلاج كارثة الجفاف التي أصابتهم يحاول (خضر فاضل سيد جمعة) “53 عامًا” التركيز على تصفية أكبر قدر من ممتلكاته في قريتي المياحية والفريحات “جنوب الناصرية”؛ وذلك للتقليل من الخسائر المتلاحقة التي مني بها على مدى عامين في مجالي الزراعة وتربية المواشي، مستعينًا بمجموعة من المعارف الذين يعملون في المجال ذاته في محافظات واسط وأطراف كربلاء .

“كانت السلطات المحلية في محافظة ذي قار قد أعلنت في مطلع عام 2015، أن جنوب الناصرية مناطق منكوبة بعد تعرضها للجفاف نتيجة شح المياه”

ويوضح سيد جمعة لــ”وكالة يقين” أن خسائره في العام الماضي بلغت أكثر من 50 مليون دينار “ما يقارب الــ40 ألف دولار”، ذهبت ثمنًا لشراء البذور والأسمدة وأدوية مكافحة الآفات الزراعية، فضلًا عن خسارة فادحة في المواشي حين نفقت لدية خمسة أبقار من النوع الممتاز، مضيفًا أن الانقطاع التام للمياه الواصلة إلى مزارعه عبر نهرهم المحلي اضطرته إلى شرائها بواسطة السيارات الحوضية قبل أن يكتشف أنها مالحة، وأدت إلى ضرر مضاعف على المحاصيل والحيوانات.

ويتابع سيد جمعة أن الوعود التي سمعها من المسؤولين، والأخبار التي تناقلها سكان المنطقة دفعته إلى تكرار الخطأ مرة ثانية في العام الحالي، والذي شهد السيناريو ذاته من الجفاف الممزوج بالأكاذيب الرسمية “وفق تعبيره”، والنتيجة خسائر مضاعفة يحاول تفاديها عبر بيع المخزون لدية من الأسمدة وأدوية المكافحة وعدد من الأبقار الناجية من الكارثة، والتي يقول أنه اضطر إلى بيعها بثلث سعرها الذي كانت تباع به قبل كارثة الجفاف.

رحلة يومية للبحث عن الماء

وإذا كان سيد جمعة يبحث عن الماء للزراعة والمواشي؛ فإن (ميثم صيهود الإبراهيمي) “28 عامًا” يقضي ساعات من النهار في التجول بين المناطق المحيطة بقضاء سيد دخيل “جنوب شرق الناصرية”؛ طمعًا بالحصول على عدة لترات من ماء الشرب يعود بها إلى عائلته لتروي ظمأهم، وكذلك جمع قدرًا من مياه الآبار وبقايا السواقي لاستخدامها في أغراض الاغتسال الشخصي وتنظيف المنزل، ولتشغيل المبردات الهوائية في فصل الصيف.

ويشير الإبراهيمي لــ”وكالة يقين”، أنه يقوم بتعبئة سيارته الحمل بالبراميل والخزانات المختلفة في ساعات الصباح، قبل الانطلاق في رحلة تشمل مجموعة من القرى المحيطة بهم، ومشاريع الإسالة ومواقع الآبار الأهلية من أجل جمع المياه؛ وذلك بسبب انقطاع أصحاب السيارات الحوضية عن القدوم إلى منطقتهم، والتي كانوا يبيعون الماء فيها خلال الفترة الماضية قبل أن يعجز هؤلاء أيضًا عن الحصول على المياه.

“أزمة المياه تفوق قدرات وإمكانيات الحكومة المحلية، ووزارة الموارد المائية تتحمل المسؤولية الكاملة عنها”

ويلفت الشاب الإبراهيمي إلى أن أزمة الجفاف كانت تتفاوت شدتها في منطقتهم خلال السنوات الماضية، ولكنها سجلت في العام الحالي أقسى صورها بعد الجفاف التام لنهر آل إبراهيم الذي يغذي ناحية سيد دخيل وعشرات القرى التابعة لها بالمياه، والتي يسكنها أكثر من 28 ألف نسمة، متهمًا وزارة الموارد المائية بالتسبب بكارثة كبرى بحق أهالي هذه المناطق حين عمدت إلى تنفيذ مشروع لتبطين النهر وبمواصفات هندسية رديئة أدت إلى احتباس الماء في الجزء الأول منه، وتعذر وصوله إلى منتصفه، والجريان بشكل طبيعي بسبب الارتفاع التدريجي في الخرسانة المستخدمة في التبطين .

وكانت السلطات المحلية في محافظة ذي قار قد أعلنت في مطلع عام 2015، أن جنوب الناصرية مناطق منكوبة بعد تعرضها للجفاف نتيجة شح المياه، وانخفاض منسوب نهر الفرات، مما أدى إلى توقف العشرات من مجمعات مياه الشرب، وتسجيل مئات الإصابات بأمراض جدري الماء، ونفوق كميات كبيرة من الثروة السمكية والمواشي، فضلًا عن انتشار العطش بشكل عام في المنطقة .

الحكومة المحلية: الأزمة تفوق قدراتنا

من جانبه يقر رئيس اللجنة الزراعية العليا في مجلس محافظة ذي قار (عادل الدخيلي)، بأن أزمة المياه تفوق قدرات وإمكانيات الحكومة المحلية، محملًا وزارة الموارد المائية المسؤولية الكاملة عنها، باعتبارها الجهة المسؤولة عن توفير المياه وتوزيع حصصها بين المحافظات.

وأوضح الدخيلي في تصريح لــ”وكالة يقين”، أن الحكومة المحلية في ذي قار باشرت منذ فترة بتشكيل خلية أزمة يرأسها المحافظ وممثلون عن وزارة الموارد المائية، وقيادة عمليات المحافظة، ومعظم الدوائر الرسمية ذات العلاقة، فضلًا عن مجلس المحافظة، متابعًا أنهم باشروا برفع عدد كبير من التجاوزات الحاصلة على الحصة المائية في داخل المحافظة، بالإضافة إلى كري الأنهار الأساسية، وتحويل مجرى بعضها، وحفر عدد كبير من الآبار؛ وذلك للتخفيف من الأزمة التي أكد أن أساسها يكمن في التجاوز الحاصل على حصتهم من المحافظات الأخرى.

ولفت الدخيلي إلى تواصلهم المستمر مع الحكومات المحلية في المحافظات المتجاوزة على حصة ذي قار المائية، وفي مقدمتها محافظتا المثنى وواسط، مؤكدًا أن العمل المستمر معهم أسفر عن وصول كميات لا بأس بها من المياه، وخصوصًا من محافظة واسط، مبينًا أنهم في الحكومة المحلية بمحافظة ذي قار ينتظرون من وزارة الموارد المائية أن ترتقي بخطواتها العملية، وبما يناسب حجم الكارثة التي تجتاح المحافظة.

النهر الجاف موقع للاحتجاج

من جهته لا يعبأ الوجيه العشائري والديني (حيدر مهدي الموسوي) “49 عامًا”  بتصريحات المسؤولين المتكررة بشأن الأزمة، ويفضل  أن يحضر بشكل يومي إلى موقع النهر الجاف في شرق الناصرية، والذي يؤكد أنه أصبح يمثل لهم مكانًا للاحتجاج والتظاهر، وهو بمثابة ساحة  التحرير الموجودة في العاصمة بغداد، لافتًا إلى قيامهم بتنظيم جلسات شبه يومية على قاع النهر، فضلًا عن دعوة الأطفال إلى لعب الكرة إلى جوارهم، في محاولة للفت انتباه المسؤولين في الحكومة إلى مأساتهم، ومن أجل التعريف بحجم المعاناة في مناطقهم.

ويشير الموسوي إلى أنهم فعلوا كل شيء من أجل تغيير الوضع من تشكيل الوفود، ومقابلة المسؤولين، وكتابة بيانات المناشدة، والاحتجاج إلى التظاهرات والاعتصامات، وقطع الطرق بدون جدوى، وفضلوا بعدها أن يعتمدوا على أنفسهم،  وقاموا بحفر عشرات الآبار -وبمبالغ كبيرة جدًا- ولم تسفر الجهود عن الحصول على الماء الصالح للشرب الذي باتوا مؤخرًا يشترونه من أصحاب السيارات الحوضية، والذين بدورهم يعانون من صعوبة الحصول عليه.

ويتهم الموسوي في حديث لــ”وكالة يقين” المسؤولين في المحافظة بالعجز التام عن التحرك، وتفضيلهم الاختباء وراء كلام جاهز عن التجاوزات التي تقوم بها المحافظات على الحصة المائية لذي قار، مبينًا أنه في الوقت الذي ينتظر الأهالي من المحافظ أن يقدم على موقف لمساعدتهم في محنتهم؛ نجده يدعونا إلى المسارعة في تحديث سجلاتنا الانتخابية؛ من أجل ضمان المشاركة في الانتخابات المقبلة .

ويواصل الموسوي هجومه، ويستهدف هذه المرة 19 نائبًا من المفترض أنهم يمثلون أهالي محافظة ذي قار في البرلمان، ويعملون على حل مشاكلهم وإيصال صوتهم إلى أعلى مراكز صنع القرار في بغداد، ولكنهم في الحقيقة لا يتذكرون أهالي المحافظة إلا مع اقتراب موعد الانتخابات، مستدركًا -بلهجة ساخرة-: ممثلونا  يتنعمون بالرواتب والامتيازات والسفرات والأملاك الداخلية والخارجية، ولا يشربون حتى المياه المعدنية المعبئة في العراق؛ خوفًا على أنفسهم من المرض.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com