الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

فلسطينيو العراق.. ضحايا سطوة الميليشيات وتلاعب الأحزاب السياسية

فلسطينيو العراق.. ضحايا سطوة الميليشيات وتلاعب الأحزاب السياسية

قسم التقارير- العراق

تساوى الشعب العراقي مع الجالية العربية المقيمة بالعراق في الإقصاء والتهميش، ونهب حقوق أبناء البلد وممتلكاتهم من الشمال إلى الجنوب، وتوحد العرب في بلاد الرافدين بما يتعرضون له من ويلات ونكبات التلاعب السياسي.

الجالية الفلسطينية كانت الأكثر ضررًا بعد تسلط الأحزاب وميليشياتها، ومصادرة جميع الحقوق التي كان يتمتع بها اللاجئ الفلسطيني في العراق، بل كان العراق يعد من أحسن البلدان التي ضمنت حقوقهم وساوتهم في الحقوق مع العراقيين من خلال ما نصت عليه قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل رقم ٢٠٢ لسنة ٢٠٠١، والذي أعطى اللاجئ الفلسطيني كافة الحقوق والامتيازات باستثناء الحصول على الجنسية العراقية، فقد كفلت الدولة حقوق اللاجئين الفلسطينيين من خلال حقهم في التعيين وحقهم في التعليم الإلزامي، والدخول إلى الجامعات والكليات، وإعفاء الطلبة من رسوم سمات الدخول إلى العراق، وإرسال الفلسطيني في البعثات الدراسية، وحقه في الحصول على الإجازات الدراسية، والتأمين الصحي والعلاج المجاني في مستشفيات الدولة، كما كفلت له المصاهرة والزواج من العراقيات وكثيرًا من الحقوق التي تحفظ كرامته.

لكن اليوم لا حقوق ولا أمان للاجئ الفلسطيني الذي عانى من سطوة المليشيات، وقد سجلت العاصمة بغداد حالات خطف واعتقال وقتل بحق الفلسطينيين، واعتبارهم مساندين للنظام السابق.

الحاج (أبو يمان) رجل سبعيني من اللاجئين الفلسطينين الذين قصدوا العراق في أوائل السبعينات من القرن الماضي، يسكن منطقة الصالحية في بغداد، تحدث لــ”وكالة يقين” قائلًا: إنهم كانوا يسكنون بغداد معززين مكرمين، ويتمتعون بكافة الحقوق التي يتمتع بها الفرد العراقي، من تعليم وصحة وحتى البطاقة التموينية والمفردات الغذائية التي كانت تصرف للمواطن العراقي، وكانوا يعيشون بسلام ووئام لغاية احتلال البلد من قبل القوات الأمريكية، وظهور الأحزاب، وسطوة مليشياتها التي أخرجتهم بالقوة من بيوتهم ومحالهم، بل هناك الكثير منهم قُتِلَ وخُطِفَ، والقسم الأكبر تم تهجيره إلى خارج العراق، ويضيف الحاج أبو يمان، أن اثنين من أبنائه تزوجوا من عراقيات من قبيلة “العبيد”، ولولا وقوف العشيرة معهم لكانوا الآن في أعداد الموتى، ويشير الحاج أبو يمان إلى الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين التي تركت العراق، وقصدت بلادًا أخرى، مثل: سوريا والأردن ودول الخليج ومصر، وضياع كل حقوقهم.

السلطات الحكومية هجّرت الفلسطينيين من الأنبار

“العراق همّش أبناء شعبه، فكيف بالجالية الفلسطينية الذي تعرضوا لأبشع الجرائم والقتل والاختطاف في العاصمة والمحافظات العراقية التي عاشوا فيها”

ليس ببعيد عن العاصمة بغداد التي كانت تعد قبلة للاجئين الفلسطينيين، فـالأنبار كبرى محافظات العراق، والتي تقدر مساحتها بثلث مساحة العراق تقريبًا، احتضنت الكثير من اللاجئين الفلسطينيين ومدينة الفلوجة ومنطقة السيسي في قضاء الخالدية وحي التأميم جنوبي الرمادي، عاش فيها المئات من العوائل الفلسطينية منذ الثمانينات، ولكن هاجر عدد كبير منهم إلى خارج البلاد بعد عام 2005، بعد مطاردتهم وقتل أبنائهم من قبل المليشيات المدعومة حكوميًا.

الحاج (أيوب المعاضيدي)، والبالغ من العمر 58 عامًا من أهالي الفلوجة، يقول: إخواننا من فلسطين عاشوا معنا منذ سنوات عدة، ولم يتبقَ منهم إلا الذكرى، وبعض المعالم التي لم تزل موجودة في الفلوجة، ومنها محل أحذية فلسطين القريب من جسر الحديدي القديم، حيث كان صاحبه فلسطينيًا معروفًا لدى أهل المدينة، واسمه كنعان أبو هدى، تزوج من امرأة فلوجية، وكان معروفًا بالأخلاق والعلم والدين.

الحاج المعاضيدي تحدث لــ”وكالة يقين”: إن “الحكومة والأحزاب لم تفرق بين عراقي وعربي في حربها ضد الأمن والاستقرار، وعملها على تخريب كل البنى التحتية والثقافة العربية، ومنذ عام 2005 هَجَّرَت الحكومة العراقية العرب من الفلوجة، ومنهم الجالية المصرية والفلسطينية، وحتى العوائل الكردية، ومن تبقى منهم يخضع للتهميش وسرقة الحقوق والامتيازات للعروبة الضائعة”.

الحاج المعاضيدي توقف قليلًا عن الحديث؛ ليجفف الدموع التي خنقت أنفاسه، بعد التذكر بأن مشروع العروبة دُمِّر من قبل الأحزاب العراقية التي لم تعطِ للشعب العراقي، ولا من عاش معنا أيّـًا من الحقوق القانونية في احترام الجالية ودعم عوائلهم، بدلًا من سرقتهم وقتلهم.

“حي الأكراد” الواقع على الجهة الثانية من نهر الفرات ما بين الجسرين؛ عاش فيه العشرات من الأُسَر الفلسطينية، فيما ترعرع قسم كبير منهم في منطقة التأميم جنوبي الرمادي، وكانوا يعملون في مِهَن وحِرَف مختلفة، فمنهم صائغو الذهب، وقسم آخر امتهن بيع القماش.

كيف همشت الحكومة الجالية الفلسطينية؟

اللواء الركن المتقاعد (محمود الحديثي) -أحد ضباط الجيش السابق-: العراق همّش أبناء شعبه، فكيف بالجالية الفلسطينية الذي تعرضوا لأبشع الجرائم والقتل والاختطاف في العاصمة والمحافظات العراقية التي عاشوا فيها، حتى وصل الحال إلى تجريد العوائل الفلسطينية من الحقوق والامتيازات، ومنعهم من الحصول على الجنسية العراقية؛ رغم زواجهم بالعراقيات، وطردهم خلال محاولتهم الحصول على بيت يأوي أُسَرَهم.

وقال الحديثي -الذي تجاوز الخمسين من عمره لــ”وكالة يقين”-: إن الحكومة العراقية منعت أبناء الفلسطينيين من الحصول على وظائف، ومنعهم من تسجيل العقارات بأسمائهم، وتهديد من تبقى منهم بالملاحقة والقتل وتفجير منازلهم .

وأضاف الحديثي: إن “القضاء والقانون العراقي ضعيف في حماية الشعب والدفاع عن حقوقهم التي سلبها الساسة وتجار الحروب، حتى بات المواطن مُهَجَّرًا في بلده، مستضعفًا في دياره، بين قانون الغاب والميليشيات، التي تحكم العباد بالقتل والإبادة الجماعية التي يتعرض لها سكان المحافظات العراقية المنكوبة، ومنها الأنبار والموصل وديالى وتكريت.

مجازر دموية بحق الفلسطينيين ومصادرة لحقوقهم

منطقة “السيسي” في قضاء الخالدية، والتي تُوصَف بالعراق المُصَغَّر، عاش فيها العرب من الجالية المصرية والفلسطينية، ولم تتبقَّ منهم إلا ذكريات؛ حدثنا عنها الشيخ (عواد عبيس الخليفاوي) -أحد وجهاء قضاء الخالدية- قائلًا: “شارك في بناء المجمعات السكنية والشقق والمباني العسكرية المحيطة بالقاعدة البريطانية في السيسي عدد كبير من الجالية الفلسطينية الذين كانوا يجيدون البناء والنجارة والحدادة ومنهم من عاش في منطقة أبو فليس في الخالدية واستقر فيها مع أبنائه، الذين تزوجوا من نساء أنباريات، وبناته تزوجوا من رجال الدليم”.

“وتيرة التضييق على اللاجئين الفلسطينيين بدأ في عهد حكومة ابراهيم الجعفري وازدادت في عهد حكومة نوري المالكي عبر فرض إجراءات تتعلق بالإقامة القانونية”

وقال الخليفاوي والبالغ من العمر 49 عامًا متحدثًا لــ”وكالة يقين“: إن “الحروب والظروف الأمنية والسياسية التي قلبت العراق رأسًا على عقب؛ جعلت من الجالية الفلسطينية -وأنا لا أحب قول كلمة “الجالية” وأفضل إخوتنا- في صراع، بين حماية أنفسهم، والبحث عن مستقبل يعينهم على العيش في بلاد الرافدين الضائعة”.

وأوضح الخليفاوي، “هناك منازل وقطع أراضٍ وممتلكات للجالية الفسلطينية في العراق، وخصوصًا في بغداد التي انتقل إليها عدد كبير منهم بعد عام 2004، وهناك شركات ومصانع ومعامل ومحال تجارية ملك لشخصيات معروفة من الجالية الفلسطينية، لكنهم اليوم من دون حقوق وحماية قانونية.

واستذكر الخليفاوي” أحداثًا دموية ومجازر ارتُكِبَت ضد الجالية الفلسطينية في بغداد في عام 2006، حين قُتِلَ العشرات من أبنائهم الأبرياء من قبل المليشيات التي نهبت منازلهم وسرقت أموالهم، تحت صمت الحكومة والأجهزة الأمنية التي لم تحرك ساكنًا”.

حافظ أهالي الأنبار على المعالم العربية التي مازالت آثارها في الفلوجة والرمادي، ومنها محل فلسطين وصياغة القدس في الرمادي، ومقهى حيفا في قضاء هيت، وشارع فلسطين في الرمادي الذي لم يُغَيَّر اسمه من قبل الأهالي في حقوق وطنية للجالية العربية، والتي لم تمنحها الحكومة التي تجرد العرب من امتيازاتهم الدستورية.

أوضاع الفلسطينيين قبل احتلال العراق وبعده

يقول المحامي المتقاعد والمحلل السياسي (خالد العكاشي) من الأنبار: الحكومة العراقية قبل عام 2003 كانت تعطي الحقوق والامتيازات للجالية العربية، وتدعم حَمَلة الشهادات العلمية، وتوفر لهم فرص عمل واهتمام بالغ لنقل صورة جميلة عن الشعب العراقي في البلدان العربية الأخرى.

ويضيف العكاشي لــ”وكالة يقين”: إن “الحكومات الحالية أقصت الجالية الفلسطينية وجردتهم من الحقوق والامتيازات، حتى بات الفلسطيني العربي غريبًا في بلاد النهرين، ضاع حقه ودُمِّرَ مستقبله، وكان لهم النصيب الأكبر من التشرد والنزوح، حالهم كحال المواطن العراقي المنكوب”.

وتابع العكاشي: إن” جامعة الدول العربية لم تناقش يومًا في اجتماعاتها أوضاع الجالية العربية في العراق، ولم تدقق في الجرائم التي يتعرضون لها والابتزاز والتهديد، رغم وجود السفارات الفاشلة في عاصمة الرشيد التي لم تغنِ من جوع عربي مغترب بعيدًا عن دياره “.

فلسطينيو العراق يعانون من ظروف قاسية

الأستاذ (عمر الفرحان) -من المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب– يصف حال الفلسطينيين في العراق بأنهم “يعيشون في  مخيمات وبيوت قديمة، وبظروف قاسية للغاية، تكاد تنعدم فيها الخدمات الأساسية اللازمة للحياة”.

“بعد مصادقة السلطات العراقية على القانون الجديد، سيواجه فلسطينيو العراق مرحلة جديدة من المعاناة التي بدأوا في مواجهتها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق”

ويضيف الفرحان لــ”وكالة يقين”، أن وتيرة التضييق على اللاجئين الفلسطينيين بدأ في عهد حكومة إبراهيم الجعفري، وازدادت في عهد حكومة نوري المالكي عبر فرض إجراءات تتعلق بالإقامة القانونية، ومطالبتهم بتجديد إقامتهم كل ثلاثة شهور، وسط تعقيدات ومماطلات أدت إلى توقيف الكثير من اللاجئين؛ بحجة الإقامة غير القانونية في البلاد”.

وأوضح أن القرار الجديد “ستكون له عواقب وخيمة على الفلسطينيين، خصوصًا الأطفال والنساء بسبب سلبهم حقوقًا طبيعية كانوا يحصلون عليها، و اليوم بات الحصول عليها يحتاج إلى إجراءات وأموال، لاسيما أن أفقر الجاليات الفلسطينية في العالم هي الموجودة في العراق منذ احتلاله عام 2003″.

واستدرك قائلا: “الحكومة العراقية بدلا من أن تضطلع بمهامها في حماية اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في العراق من الانتهاكات اليومية التي يتعرضون لها، وتحسين الأوضاع المعيشية والإنسانية لهم؛ تقوم بإصدار قرارات سيكون لها وقع كارثي على حياة هؤلاء اللاجئين، إنه لأمر مشين يجب أن يتوقف، وهذا ما يخالف القانون الدولي في ما يخص حقوق اللاجئين”.

وانتهى بالقول “إن التضييق الذي عاشه اللاجئون الفلسطينيون منذ عام 2003 في العراق دفع معظمهم للجوء مرة ثانية إلى دول أوروبا، ليتبقى فقط قرابة 7 آلاف فلسطيني من أصل 40 ألفًا كانوا يعيشون في العراق؛ جراء السياسات التبعية للولايات المتحدة الأمريكية وإيران، مع ظهور الميليشيات التي زادت من هذه الانتهاكات”.

نائب: نأمل أن يشرع قانون لضمان حقوق الفلسطينيين

(سالم مطر العيساوي) عضو البرلمان عن ائتلاف العربية قال بدوره لــ”وكالة يقين”: نأمل أن يشرع قانون لضمان حقوق الفلسطينيين فيما تبقى من الفترة القانونية لعمل مجلس النواب العراقي الذي تغاضى عن حقوق الفلسطينيين، تلك الشريحة التي وقع عليها من الحيف الكثير، ومورست بحقهم انتهاكات كبيرة من قتل وخطف وتهجير ومصادرة للأموال، والمعروف لدى الجميع أن الفلسطينيين كانوا يتمتعون بحقوق كثيرة أيام النظام السابق، الذي كفل لهم العيش بكرامة مع التمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطن العراقي، ما عدا منحهم الجنسية العراقية وذلك للحفاظ على القومية وعدم ضياع هويتهم الفلسطينية.

ويضيف العيساوي، أنه لا يخفى على أحد بما كان يتمتع به الفلسطينيون في العراق من تجارة ورؤوس أموال وعقارات في كل محافظات العراق وأهمها العاصمة بغداد، فهم كانوا يشغلون مناطق مهمة من بغداد، مثل منطقة البلديات والكرادة داخل وشارع حيفا والمنصور والصالحية.

ويلفت النائب إلى أن مجلس النواب لم يتطرق يومًا إلى سن وتشريع قانون يكفل حقوق الفلسطينيين في العراق، مشيرًا إلى ضرورة إثارة زوبعة إعلامية كبيرة وثورة مثقفة تضغط على البرلمان بالإسراع بسن القوانين التي تنصف الأخوة الفلسطينيين، وأن مجلس النواب لا توجد فيه المقومات الحقيقة لتسريع هكذا قوانين إذا لم تكن هناك وقفة حقيقية .

91% من الفلسطينيين غادروا العراق

يذكر أن المنظمة العربية لـحقوق الإنسان في بريطانيا أصدرت مؤخرًا تقريرًا أكدت فيه أنه “بعد مصادقة السلطات العراقية على القانون الجديد، سيواجه فلسطينيو العراق مرحلة جديدة من المعاناة التي بدأوا في مواجهتها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حيث تعرض اللاجئون الفلسطينيون في العراق لعملية اجتثاث منظمة من قبل قوات الاحتلال الأمريكي والحكومات العراقية المتعاقبة والميليشيات الطائفية التابعة لها، وكانت أبرز مظاهر ذلك الاجتثاث: القتل والتهجير والاعتقال التعسفي والتعذيب والأحكام الجائرة بموجب ملفات حوت تهمًا ملفقة، ما أدى إلى تقليص عددهم من 40 ألفًا إلى 3500 تقريبًا”.

وأكدت المنظّمة أن هذا القانون يجرّد من تبقى من الفلسطينيين على الأراضي العراقية من الحقوق الممنوحة، حيث سيحرمون من حقهم بالتعليم والسكن والصحة المجانية، بالإضافة إلى وقف إصدار بطاقات غذائية لهم، وسيضطرون لدفع أموال مقابل الحصول على تلك الحقوق، وهو ما سيعجز الكثيرون منهم عن فعله، لضعف القدرات المالية لديهم، وفقًا للتقارير والإحصاءات، خصوصًا بعد أن يتم إبعاد الموظفين منهم من دوائر الدولة ومؤسساتها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات