السبت 20 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

النازحون العراقيون في سوريا.. منسيون في عين العاصفة

النازحون العراقيون في سوريا.. منسيون في عين العاصفة

قسم التقارير – العراق

انتهت العمليات العسكرية في محافظة نينوى منذ نحو خمسة أشهر، ولكن معاناة النازحين لم تنتهِ، فهي في تفاقم وتعاظم، وسط عجز وتقصير حكوميين، فضلا عن عجز للمنظمات المحلية والدولية، إضافة للمناكفات السياسية التي تعرقل إعادتهم لأغراض انتخابية ومكاسب شخصية.

بداية القصة

مأساة النازحين العراقيين في المخيمات السورية الحدودية مع العراق، فصلٌ أصيلٌ في سِفر معاناة النازحين، بدأت قصتهم الجديدة أيام كانت المعارك على أشدها بين القوات الحكومية ومسلحي تنظيم الدولة، حيث لم يجد المدنيون الذين بقوا في منازلهم حتى وصلت رحى الحرب إليهم سبيلا للّحاق بإخوانهم في مخيمات النزوح داخل نينوى، أو في أربيل ودهوك وغيرها، فكانت مخيمات النزوح في سوريا هي ملاذهم للنجاة بأرواحهم من جحيم نار مستعرة، ولكنها كانت ملاذا لا يقل قساوة عن الحرب، نتيجة قلة المساعدات وشح الخدمات الضرورية.

حكومتهم أهملتهم

“أسوأ هذه المخيمات الآن هو “مخيم الجدعة”؛ لكونه خاضعا بالكامل لوزارة الهجرة وما تقدمه من خدمات وصفها بـ”السيئة” للنازحين”

الناشط في إحدى المنظمات الإغاثية بمحافظة نينوى (عمر كريم)، ذكر لــ”وكالة يقين”، أن الحكومة العراقية أهملت وتناست النازحين في سوريا، بل لفظتهم وكأنهم ليسوا عراقيين، ولم تتذكرهم حتى حدوث مجزرة في صفوفهم، وكانت بتسلل مجموعة من المسلحين متنكرين على أنهم نازحين إلى مخيم الهول في الجانب السوري على الحدود مع العراق، في شهر آذار من العام الجاري، فقتلوا من النازحين 64 شخصا، وأصابوا نحو 120 آخرين، عندها تحركت “الغيرة” على استحياء، في عروق الحكومة العراقية لتتذكّر أبناءها، بحسب كريم.

وتابع، أن خطوات الحكومة كانت باردة ومتأخرة جدا في قرار إعادتهم حتى شهر أيلول 2017، عندما أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين عن إبرامها اتفاقا مع الجانب السوري، يقضي بـإعادة النازحين للعراق. وبدأت إعادتهم بشكل وجبات بلغت حتى الآن خمس وجبات.

عائدون بلا مأوى

النازح العائد من مخيم الهول في شهر تشرين الأول 2017 (توفيق محمد)، والمستقر في مخيم حمام العليل جنوب الموصل، وصف رحلة العودة بأنها “ذلة ما بعدها ذلة”، حيث قال لـ”وكالة يقين”: تم إخبارنا من قبل إدارة مخيم الهول، أنه سيتم إرجاعنا لنينوى وإسكاننا في مخيمات خصصتها وزارة الهجرة، حيث تم تدقيقنا أمنيا قبل مغادرة المخيم من قبل قوات سوريا الديمقراطية، التي احتجزت مستمسكات بعض النازحين لأسباب، ظاهرها الاستفادة من حصصهم الغذائية التي توزع بموجب تلك المستمسكات.

ويضيف محمد للوكالة: “تم نقلنا بسيارات تابعة لوزارة النقل العراقية، وبعد رحلة عودة طويلة، فوجئنا بأننا وصلنا على مشارف مخيم حمام العليل، وتبين عندها كذب من أخبرنا أننا سنُنقل لمخيمات خُصّصت لنا، وتم صفّنا بطوابير للتدقيق الأمني مرة ثانية أكثر ذلة من سابقتها، والجوع يفتك بالرجال قبل الأطفال والنساء، ولم توزع علينا سوى وجبات خفيفة في طريق عودتنا مع قنينة ماء صغيرة”.

تلكؤ حكومي في إعادتهم

عضو مجلس محافظة نينوى (خلف الحديدي)، وفي تصريح لـ”وكالة يقين”، وصف وضع النازحين العائدين بالمأساوي، وذكر أن الحكومة متلكئة إلى حد كبير في إعادة النازحين من مخيمي الهول وروج آفا في سوريا، وبيّن أن العوائل تُنقل بشكل وجبات عبر باصات تابعة لوزارة النقل، ويتم نقلها عبر منفذ فيشخابور وغيره من المنافذ التي فُتحت بعد سيطرة القوات المشتركة على نينوى، ويتم نقل العائدين إلى مخيم حمام العليل جنوب الموصل، الذي يعد مخيم “ترانزيت” لهؤلاء النازحين لحين تدقيقهم أمنيا، ومن ثم يملأون استمارات لتوزيعهم على باقي المخيمات في نينوى، وهي (مخيم السلامية1، مخيم السلامية2، مخيم الجدعة بأقسامه، مخيم الحاج علي).

“السياسيين العراقيين -ومن نينوى تحديدا- يعملون ضد التيار، ويُعرقلون عملية الإسراع بإعادة النازحين لأغراض انتخابية وسياسية”

وذكر “الحديدي” أن أسوأ هذه المخيمات الآن هو “مخيم الجدعة”؛ لكونه خاضعا بالكامل لوزارة الهجرة وما تقدمه من خدمات وصفها بـ”السيئة” للنازحين، حيث وزّعت أغطية فقط من دون الفرش، والأغطية التي وزعتها رقيقة جدا لا تقي بردا أو تدفع مرضا، فضلا عن انعدام مادة النفط الأبيض لأغراض التدفئة والطبخ، حتى أن قنينة الماء الصغيرة بلغ سعرها في المخيم 2000 دينار عراقي وهم نازحون لا راتب لهم ولا مال، وأضاف “الحديدي” للوكالة أن كثيرا من النازحين فقدوا مستمسكاتهم، أو تم حجزها في مخيم الهول من دون معرفة الأسباب، الأمر الذي فاقم من معاناة النازحين وعدم استطاعتهم الخروج لعمل، أو دراسة إذا كانوا طلابا؛ خوفا من السيطرات الحكومية أو انتهاء بالاعتقال لعدم حمل المستمسكات الثبوتية.

“الحديدي”، وفي تصريحه للوكالة، اتهم أيضا حكومة نينوى، بأنها قد استلمت مليارات لدعم النازحين، ولم يرَ النازحون منها شيئا، ولم يزُرهم لا محافظ نينوى أو نائبه، أو أي مسؤول من حكومة نينوى المحلية، فضلا عن أن الحكومة المركزية لا تأبه بهؤلاء النازحين، وكأنهم ليسوا من مواطنيها ورعاياها.

وقدّر “الحديدي” عدد العائدين حاليا بنحو 14 ألف نازح، فيما بقي بحدود 20 ألف نازح عراقي في المخيمات السورية، وأضاف: إن بعض النازحين مضى على وجودهم في مخيم الهول قرابة السنة ونصف السنة، نزحت الوجبة الأولى منهم في العام الماضي، والبعض الآخر في بداية هذا العام وخلاله.

وشدد عضو مجلس نينوى خلال تصريحه لـ”وكالة يقين“، على تقصير الحكومة المركزية تجاه النازحين عموما، والعائدين من المخيمات السورية خصوصا، مبينا أنها منشغلة باحتفالات النصر وغلق الحدود وتقديم مصلحتها على مصلحة آلاف المدنيين المُحتاجين ومصيرهم، وأوضح أن العوائل تواجه أزمة إنسانية حقيقية مع فصل الشتاء وقدوم البرد، ولا توجد منظمات إنسانية سوى منظمة “آيشو”، ولم تُقدم لهم سوى بطانيات وأغطية خفيفة لا تقاوم برد الشتاء، فضلا عن شح المواد الغذائية، وانتشار الجوع والمرض بين صفوف النازحين.

واتهم “الحديدي” مرة أخرى وزارة الصحة لتقصيرها وإهمالها مخيمات النازحين في نينوى، وعدم توفيرها الخدمات الطبية اللازمة، حتى بعد ما سيطرت القوات المشتركة على كامل نينوى وفتح الطرق وتأمينها.

مصالح سياسية شخصية تعرقل إعادتهم

مدير مكتب المنظمة العالمية لحقوق الإنسان في سوريا (فرحان صالح التركي)، وهو مقيم في العراق وعضو في فرع المنظمة بالعراق، نظرا لعمله في مخيم الهول، أكد في تصريحه لـ”وكالة يقين”، أن السياسيين العراقيين -ومن نينوى تحديدا- يعملون ضد التيار، ويُعرقلون عملية الإسراع بإعادة النازحين لأغراض انتخابية وسياسية، حيث كلما يستحصل أحدهم على الموافقات اللازمة لإعادة وجبة من النازحين؛ يُعرقلها صاحبه لأغراض شخصية وانتخابية، والظهور أمام النازحين بأنه صاحب فضل عليهم، وأضاف: “على الرغم من تصويت البرلمان العراقي بإعادة النازحين العراقيين بالخارج وتحديدا في سوريا، لكنّ القرار لم يُنفذ إلا بعد مدة طويلة؛ بسبب عرقلة السياسيين له، وحدوث مساومات بينهم على حساب معاناة الناس”.

“الحكومة العراقية غير آبهة بالمناشدات المتكررة من المنظمات المحلية والدولية في إنهاء معاناتهم وإعادتهم، متحجّجة بالزخم الحاصل في المخيمات داخل العراق”

وبشأن مخيمات النازحين العراقيين في الجانب السوري، حيث النازحون فيها غالبيتهم من محافظة نينوى، وقلة منهم من محافظات أخرى، أوضح “التركي” أنها أربعة مخيمات هي (مخيم الهول، مخيم روج آفا، مخيم المبروكة، مخيم نوروز)، وبيّن أن مخيم ” نوروز” يحوي نحو 700 شخص من الطائفة اليزيدية، نزحوا من مدينة سنجار، ومخيم “روج آفا” يحوي نحو 1300 شخص، نزحوا من مناطق ربيعة وزمار وبعض قرى نينوى، فيما يحوي مخيم المبروكة حاليا على 300 عائلة، وهو مخيم صغير ملاصق للحدود العراقية السورية، ويتم وضع النازحين فيه مؤقتا، لحين نقلهم للمخيمات الثلاثة الأخرى، أما مخيم “الهول” فهو أكبر المخيمات من حيث عدد اللاجئين، حيث يحوي نحو 36 ألف شخص، غالبيتهم نازحون عراقيون، مع عدد قليل من اللاجئين السوريين، ويقع على الشريط الحدودي مع سوريا، ويتبع لمحافظة الحسكة السورية، ويبعد عن قضاء سنجار العراقي قرابة 35 كم.

ووصف “التركي” وضع مخيم الهول بـ”المزري”، من حيث قلة الخدمات وانعدام المساعدات، سوى ما تقدمه الأمم المتحدة من إغاثة محدودة جدا، تتمثل بحصة غذائية كل شهرين لكل شخص، فضلا عن شح المواد الوقودية والأغطية ومتطلبات فصل الشتاء، إضافة إلى قلة الخِيام حيث تسكن أحيانا كل ثلاث عوائل في خيمة واحدة، وبعض العوائل حفرت حفرا بالأرض وغطّتها بالبطانيات للسكن فيها، وأوضح أن مخيم الهول هو في أرض ترابية صحراوية وغير محصن بسياج أو سور، ويتم حمايته من قبل قوات سوريا الديمقراطية.

وأضاف “التركي” للوكالة، أن المطلب الرئيسي للنازحين في المخيمات السورية؛ هو إعادتهم للعراق بعد انتهاء العمليات العسكرية في مناطقهم، وأشار إلى أن الحكومة العراقية غير آبهة بالمناشدات المتكررة من المنظمات المحلية والدولية في إنهاء معاناتهم وإعادتهم، متحجّجة بالزخم الحاصل في المخيمات داخل العراق، وعدم وجود أماكن لإيوائهم واستقبالهم، في حين أن واجبها حكومةً حفظ أبنائها وتوفير الرعاية لهم باعتبارهم مواطنين عاديين لهم حقوقهم، فما بالك وهم مواطنون نازحون يقاسون أشد الظروف، ومرارة العيش، وانعدام الوسائل الضرورية لمواصلة حياتهم بكرامة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات