الأربعاء 17 يناير 2018 | بغداد 9° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

دجلة.. شريان العراق مهدد بالتحول إلى بركة آسنة

دجلة.. شريان العراق مهدد بالتحول إلى بركة آسنة

قسم التقارير – بغداد

حَذَّر مختصون في شؤون البيئة من تحول نهر دجلة في العاصمة بغداد إلى بركة من المياه الآسنة؛ بسبب كثرة النفايات ومياه الصرف الصحي التي تصب بشكل مباشر في مجرى النهر ، وسط اتهامات للدوائر الرسمية بكونها المتسبب الأول لهذه الكارثة عبر المخلفات التي تقوم برميها من دون معالجة ، في وقت رأى مسؤول في أمانة بغداد أن الموضوع يتطلب تدخلًا من أعلى السلطات في البلاد لحل المشكلة بصورة جذرية.

بعد 7 سنوات قضاها في مهنة صيد الأسماك بنهر دجلة؛ اضطر الأربعيني (مهدي حسن الزويني) إلى تحوير مهنته، وجعلها نقل الركاب بين جانبي الكرخ والرصافة، بعد أن أوشك النهر على الخلو من الثروة السمكية، واستمرار الشكاوى من زبائنه بخصوص تلوث المتبقي من الأسماك ، مبينًا أنه اتخذ قراره بعد مجادلة مع زبون انتهت بأن ألقى بوجهة سمكة اشتراها منه و كانت رائحة النفط تفوح منها.

الصيادون يهجرون النهر

“أقل أنبوب للصرف واصل إلى نهر دجلة يرمي 25 ألف لتر من المياه الملوثة في الثانية”

وقال الزويني لــ”وكالة يقين”: إنه أهدى شباكه وأدوات صيد أخرى إلى أحد أقاربه في أهوار مدينة الناصرية “جنوب العراق”، بينما قام بتحوير زورقه، وإضافة مقاعد وتغطيته بسقف بلاستيكي؛ لمنع الحرارة والأمطار عن ركابه الذين يقوم بنقلهم بشكل يومي ومنذ الصباح الباكر وحتى وقت الغروب، مضيفًا أن حجم التلوث وتحول مياه النهر إلى اللونين البني والأخضر أدى إلى ندرة الأسماك فيه، وتغير طعم المتبقية منها، وهي مؤشرات على انتهاء مهنة الصيد فيه وعدم جدواها.

وتابع الصياد الأربعيني انه خلال سنواته التي قضاها متنقلًا بين جنبات النهر؛ أحصى أكثر من 50 أنبوبًا ضخمًا يقوم بصب مخلفات داكنة وذات رائحة نفطية بشكل مباشر في النهر، بالإضافة إلى خمس فتحات ضخمة تقوم بنقل مياه الصرف الصحي، فضلًا عن عشرات الجداول الصغيرة والسواقي التي تنقل الملوثات ذاتها إلى النهر ، مضيفًا أن كل بناية أو مؤسسة تطل بشكل مباشر على دجلة تقوم باستخدامه بمثابة حاوية للتخلص من نفاياتها وأثاثها الزائد المستهلك ، مشددًا على أنه يشاهد هذه المناظر وبشكل يومي.

وبحسب إحصائيات غير رسمية؛ فإن نهر دجلة في بغداد كان -وحتى فترة قريبة- يمثل مصدر رزق لأكثر من 3500 صياد يعملون فيه بشكل مستمر، قبل أن يتركها عدد كبير منهم ويتحولوا إلى مهن أخرى؛ بسبب الشحة الكبيرة في أسماك النهر، وعدم جدوى المهنة وعائداتها المالية الشحيحة ، بحسب الزويني.

دجلة يشهد تلوث 125 ألف لتر ماء في الثانية

وفي محاولة لمنع الكارثة أو تأخيرها فإن الشابة (زينة علي الداغستاني) شاركت مع 50 شابًا وشابة من نشطاء العمل التطوعي في حملة أطلقوا عليها تسمية “أغيثوا نهري دجلة والفرات” واستهدفت تنظيف جانبي النهر من الملوثات، حيث نجحوا في رفع أكثر من 12 طنًا من النفايات خلال فترة 3 أيام، بالرغم من أن أغلب العمل جرى بشكل يدوي.

وتبين الداغستاني لــ”وكالة يقين”، أن الحملة توقفت بعد أيام بسبب انسحاب معظم الدوائر الحكومية منها، والتي كان ممثلوها قد حضروا بشكل مكثف في يوم انطلاق الحملة، وقاموا بتسجيل الكثير من اللقاءات التلفزيونية، وألقوا العديد من الكلمات التي توضح دعمهم للعمل الشبابي، وتحمسهم لتنظيف شريان بغداد من خطر التلوث الذي يستهدفه ، لافتةً إلى أن الفرق التطوعية لم تستطيع أن تستمر في تحمل كلفة التنظيف، ولم تحصل على دعم حقيقي من الجهات ذات العلاقة بهذا الملف.

وأشارت الناشطة البيئية إلى أن عجزهم “في الفرق التطوعية” عن تحمل كلفة التنظيف دفعهم إلى طريق آخر، وهو التوعية بـمخاطر الكارثة المحيقة بنهر دجلة، ومنها التحليلات التي قاموا بها على نفقتهم الخاصة لعينات من مياه النهر، والتي أظهرت نسبة تلوث تفوق بشكل كبير تلك المسموح بها عالميًا.

“الدولة بدوائرها الرسمية، تقوم قبل المواطن بتلويث النهر”

ووفقًا لبيانات جمعتها الداغستاني بشكل موقعي بعد الاستعانة بمختص في مجال التلوث؛ فإن أقل أنبوب للصرف واصل إلى نهر دجلة يرمي 25 ألف لتر من المياه الملوثة في الثانية، وبحساب معروف ينص على أن كل لتر ملوث يقوم بتلويث 5 لترات نظيفة؛ فإن هذا الأنبوب لوحدة مسؤول عن تلويث 125 ألف لتر ماء في نهر دجلة خلال الثانية الواحدة.

وتتابع الشابة الداغستاني أن هذا الأنبوب هو واحد من مئات تصب في نهر دجلة، و تتفاوت في السعة وقدرة الضخ، ولا تتوقف أبدًا “بحسب مراقبتها الميدانية”؛ وإنما تبطئ وتيرة بعضها في أيام العطل، بينما تعتقد أن أكبر الملوثين للنهر هم مشاريع أمانة بغداد للصرف الصحي والمنشآت التابعة لوزارة النفط ومؤسسات تعود لوزارة الصحة، فضلًا عن معامل ومشاريع صناعية تتبع للقطاع الخاص.

وكان مجلس محافظة بغداد قد أكد في تقرير أصدره مؤخرًا تسجيل حالات مرضية ناجمة عن ارتفاع نسب التلوث بنهر دجلة ، موضحًا أن أبرز الجهات المشاركة في تلويث النهر هي دوائر الصحة وبعض المستشفيات في مدينة الطب، وكذلك بعض المصافي والدوائر التابعة لوزارة النفط القريبة من النهر لاسيما مصفى الدورة، إضافة إلى بعض المعامل والمبازل وإلقاء النفايات.

مسؤول: الدولة متهمة بالتلويث قبل المواطن

وفي هذه النقطة يتفق مدير عام دائرة بلدية الكرخ (سلام الشديدي) مع الناشطة الداغستاني، مؤكدًا أن الدولة بدوائرها الرسمية مثل: وزارة الصحة وأمانة بغداد ووزارات أخرى، تقوم قبل المواطن بتلويث النهر ، لافتًا إلى أن أمانة بغداد لوحدها تقوم يوميًا بإلقاء أكثر من مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي في نهر دجلة.

ويبين المسؤول الشديدي في بيان له -تسلمت “وكالة يقين” نسخة منه- أن جهودهم الرقابية مستمرة وبشكل مكثف، لرصد ومتابعة الجهات المتسببة بتلويث مياه نهر دجلة، ولكنهم يحتاجون إلى تنسيق وتعاون فعلي من قبل الجهات الأخرى، وفي مقدمتها دوائر المجاري التي لابد لها من زيادة عدد محطات التصفية والمعالجة، فضلًا عن الحاجة لتوسيع حجم مشاريع التصفية العاملة حاليًا، ومضاعفة طاقتها الإنتاجية .

“المسؤول عن التطبيق هو بالضرورة شخص معين من قبل حزب سياسي ولا يستطيع محاسبة المؤسسة التي تقوم بالتلويث”

ولفت الشديدي إلى أن دائرته متواصلة، وتعمل بالتنسيق مع الدوائر البلدية الأخرى، والوزارات، وأصحاب المصانع والمشاريع التابعة للقطاع الخاص ، مستدركًا بأن أهمية الموضوع تستوجب أن يكون هناك تدخل من قبل الجهات العليا في البلاد، لإصدار قرارات وخطوات تساهم في القضاء وبشكل نهائي على مشكلة التلوث في نهر دجلة .

قانون حماية مع وقف التنفيذ

من جهته يؤكد الخبير القانوني والإداري (فرهاد أكرم الجاف)، أن العراق سبق له وعبر البرلمان أن اقر قانون حماية وتحسين البيئة الذي يحمل رقم 27 لسنة 2009، والذي نص في المادة 14 منه على منع تصريف أية مخلفات سائلة منزلية أو صناعية أو خدمية أو زراعية إلى الموارد المائية، فضلًا عن منع رمي النفايات الصلبة، أو تصريف المخلفات النفطية، أو بقايا الوقود في المياه السطحية.

ويرى الجاف في حديث لــ”وكالة يقين”، أن القانون المذكور نص في المادة 33 منه على إنذار أي جهة تقوم بالتلويث مدة 10 أيام لإزالة عامل التلويث، وبخلافة يمكن إيقاف العمل في المعمل أو المنشأة أو غلقها بشكل مؤقت لمدة 30 يومًا قابلة للتمديد ، مضيفًا أن القانون يضع غرامات مالية تتراوح بين المليون وعشرة ملايين دينار شهريًا على الجهة التي تقوم بالمخالفة، ويتدرج في العقوبات حتى تصل إلى حبس صاحب المعمل أو المنشأة .

ويشدد الخبير الجاف على أن القانون في مجمله جيد، ويضمن معالجة مشكلة التلوث، ولكنه يستدرك بأن المعضلة تكون بالتطبيق، وجدية التعامل معه من قبل الجهات المكلفة بتطبيقه، حيث تظهر مواضيع المحسوبية والانتقائية التي تمثل واحدة من أكبر العقبات ، موضحًا بأن المسؤول عن التطبيق هو بالضرورة شخص معين من قبل حزب سياسي، ولا يستطيع محاسبة المؤسسة التي تقوم بالتلويث إذا كانت تابعة لوزارة هي من حصة الحزب ذاته، والموقف يتكرر مع صاحب المعمل الأهلي الذي يقوم بالتلويث، ولكنه مرتبط بجهة نافذة.

ويخلص الجاف إلى القول بأن القانون لن يرى النور بشكل فعلي قبل القضاء على آفة المحاصصة، ومصيبة الفساد الناجمة عنها، وبانتظار أن تتحقق هذه الأحلام؛ فإن دجلة سيبقى حبيس الملوثات، ويرتوي بالصرف الصحي ليعاد مرة أخرى بشكل مياه للشرب تضخ إلى المواطن المسكين .

المصدر:وكالة يقين

تعليقات
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com