الأربعاء 17 يناير 2018 | بغداد 9° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

ميسان .. شحة المياه تدفع الفلاحين إلى الهجرة

ميسان .. شحة المياه تدفع الفلاحين إلى الهجرة

قسم التقارير – ميسان

تهدد الهجرة المستمرة للفلاحين من المناطق الزراعية في محافظة ميسان “جنوب العراق” بسبب الأزمة المتفاقمة في المياه بخسارة منطقة الريف، التي تميزت حتى وقت قريب بوفرة المحاصيل وتربية المواشي والثروة السمكية، فيما حمل مسؤول في المحافظة الحكومة المركزية ووزارة الموارد المائية المسؤولية عن الكارثة التي توشك أن تحل بهذه المناطق في حال استمرار الحصة المائية المخصصة لها على وضعها الحالي.

وحتى عام 2003 كانت محافظة ميسان تضم أكثر من 20 ألف فلاح مسجل ضمن إحصاءات الجمعيات الفلاحية ووزارة الزراعة، بينما تشكل الرقعة المزروعة نسبة ثلثي مساحة المحافظة البالغة أكثر من 16 ألف كيلومتر مربع، مما جعلها منطقة مثالية لتربية المواشي بمختلف أنواعها فضلًا عن احتفاظها لفترة طويلة بالمرتبة الأولى في إنتاج الأسماك وتصديرها، والتي باتت مؤخرًا تستوردها من المحافظات الأخرى أو الخارج.

جمعية للحصول على ماء الشرب

في ناحية العدل “جنوب مدينة العمارة” يقضي (جاسب مزهر الفرطوسي) معظم يومه في نقل المياه الصالحة للشرب من منطقة المجر، وذلك باستخدام مقطورة حوضية قام هو وجيرانه بشرائها، ويتناوبون على ربطها بسياراتهم يوميًا من أجل نقل المياه لأكثر من عشرة منازل، بعد أزمة عطش غير مسبوقة ضربت منطقتهم منذ ثلاثة اشهر، ولا يعرفون متى أو كيف ستحل أو تنتهي.

ومن مجموعة الحمولة التي ينقلها الفرطوسي أو جيرانه؛ تكون حصته اليومية أقل من برميل ماء صافٍ يستخدمونه في الشرب وصنع الطعام، وذلك بعد توقف مشاريع الإسالة عن العمل في منطقتهم منذ أربعة اشهر؛ بسبب الانخفاض غير المسبوق في نهر دجلة، والذي أدى إلى شحة كبيرة أو جفاف أغلب فروعه، ومنها النهر الذي يغذي ناحية العدل.

ويوضح الفرطوسي لـــ”وكالة يقين”، أن تركيزهم الحالي ينصب على تأمين ماء الشرب فقط لهم وللمواشي، بعد أن تركوا أراضيهم الزراعية التي فشلت جميع المحاولات في تزويدها بالماء من الآبار التي قاموا بحفرها، وتبين أنها ذات نسبة عالية جدًا من الأملاح والشوائب، ولا تصلح لأي استخدام، مضيفًا أن كلفة حفر هذه الآبار ضاعفت من خسائرهم المالية للعام الحالي الذي يصفه بالأصعب عليهم منذ 10 سنوات.

ويعتقد الفرطوسي أن عامهم الحالي ربما يكون الأخير في ناحية العدل، وأن احتمال الرحيل عنها قائم بالنسبة له وللكثير من جيرانه، خصوصًا وأن العديد من المعارف والأقارب رحلوا إلى مدينة العمارة، وبعضهم ذهب إلى بغداد، بعد فقدانهم الأمل في إصلاح الحال، وعدم رؤيتهم لأي تحرك رسمي لإنهاء معاناتهم المتكررة منذ عدة سنين.

أمراض للبشر ونفوق للمواشي

“الحكومة المركزية ووزارة الموارد المائية، يتحملان المسؤولية عن الأوضاع المأساوية في ميسان”

ولا تختلف الصورة في منطقة “أم البطوط” التابعة لناحية المشرح عن غيرها من الأراضي الزراعية في ميسان، حيث تمتد أمام الناظر مساحة غير منتهية من الأراضي الخراب، التي يؤكد الفلاح (رضا حميد النوري) أنها كانت قبل سنوات تعد مثالية لزراعة الحبوب والمحاصيل الزراعية، ونافست باقي مناطق المحافظة في كمية المنتج منها، حتى أصابتها لعنة العطش.

ويبين النوري البالغ من العمر “50 عامًا” لـــ”وكالة يقين”: إن منطقتهم الممتدة من المشرح وحتى حدود مدينة العمارة “مركز محافظة ميسان”، تضم أكثر من 140 قرية، ويسكنها قرابة الـــ4500 نسمة، جميعهم يعيشون على زراعة الحبوب والمحاصيل وتربية المواشي، مستدركًا أن أغلبهم اليوم عاطلون عن العمل؛ بسبب انعدام الماء وجفاف نهرهم، ويسعون إلى الهجرة بحثًا عن الوظيفة الحكومية أو أي فرصة عمل في المدن.

ولا يستغرب النوري من خطوة الهجرة التي قام بها العديد من معارفه، وخصوصًا بعد تفشي الأمراض الجلدية بين الأطفال، جراء استعمال الماء الملوث الذي يجلبونه من بواقي الجداول والمبازل، مبينًا أنهم يتقاسمون الماء الصالح للشرب الذي يشترونه، أو ينقلونه من أماكن بعيدة مع مواشيهم التي انخفضت أسعارها بشكل مضاعف عن السنة الماضية.

ويشير الفلاح النوري إلى أن معنوياتهم ارتفعت قبل شهرين، حين زارهم برلماني يصر على ارتداء العقال العربي، وتحدثوا له مطولًا عن معاناتهم الحياتية وخراب مصدر رزقهم جراء أزمة الماء، واستمعوا منه إلى وعود بحلول عاجلة وفاعلة من بغداد، لافتًا إلى أنهم أيقنوا بأن كلامه لا يعدو كونه دعاية انتخابية رخيصة، ولكنهم يستغربون ممن يرتدي ملابس العرب ولا يتحلى بصفاتهم، وفي مقدمتها الوفاء بالوعود.

مسؤول: الهجرة ستولد آثارًا كبيرة

وغير بعيد عن أم البطوط، وفي قضاء الكحلاء تحديدًا؛ يؤيد رئيس المجلس المحلي (ميثم الصبيح) وجود هجرة غير قليلة من عموم الأرياف باتجاه المدينة، وذلك بسبب أزمة شحة مياه الشرب والزراعة، محذرًا من تأثيرات اقتصادية واجتماعية كبيرة تترتب على عموم المناطق في ناحية الكحلاء جراء هذه الهجرة.

“إلغاء موسم الزراعة الشتوي في معظم مناطق المحافظة -ولأول مرة- منذ سنوات؛ بسبب مستوى الجفاف غير المسبوق”

وأوضح الصبيح في تصريح لــ”وكالة يقين“، أن حصتهم المائية القادمة من سدة الكوت قليلة جدًا، ولا تتناسب مع أعداد الساكنين في القضاء، مما أدى إلى جفاف عدد كبير من الأنهار، بينما أصبح الباقي منها مجرد سواقي صغيرة مهددة بالاختفاء في أي وقت، مع استمرار الوضع الحالي لحصتهم المائية.

ووفقًا لعضو مجلس محافظة ميسان (علي حسن الغانمي)؛ فإن الأزمة لا تختص بمنطقة معينة؛ وإنما تشمل معظم مناطق المحافظة التي يؤكد أنها باتت على شفا كارثة بيئية، إن لم يكن هناك تحرك سريع وفاعل من قبل الحكومة المركزية لتلافيها.

ويلفت الغانمي في حديث لـــ”وكالة يقين” إلى أن الحكومة المركزية ووزارة الموارد المائية، يتحملان المسؤولية عن الأوضاع المأساوية في ميسان، وذلك بسبب عدم إطلاق الحصة المائية الحقيقية لمناطق المحافظة، مضيفًا بأن عدم التزام المسؤولين في المحافظات، وخصوصًا واسط بإطلاق حصتنا المائية؛ ضاعف من الأزمة التي بلغت ذروتها في العام الحالي.

الأزمة تؤدي إلى إلغاء الموسم الزراعي

من جانبه يكشف عضو اتحاد الجمعيات الفلاحية في ميسان الشيخ (هلال شمخي الساعدي)، عن إلغاء موسم الزراعة الشتوي في معظم مناطق المحافظة -ولأول مرة- منذ سنوات؛ بسبب مستوى الجفاف غير المسبوق فيها، مبينًا أن هذا الإلغاء شمل زراعة الحبوب مثل الحنطة والشعير التي تستهلك كميات كبيرة من المياه غير المتوفرة في الوقت الحالي، بينما اكتفى بعض الفلاحين بزراعة كميات محدودة من المحاصيل على أمل إروائها بماء الآبار والأمطار.

وقال الساعدي لـــ”وكالة يقين”: إن أغلب الفلاحين في المشرح والكحلاء والعزير وقلعة صالح وعلي الغربي والشرقي وكميت قاموا بتحضير أراضيهم، ووفروا البذور والأسمدة من أجل الموسم الشتوي، ولكن تفاقم أزمة المياه وعدم وجود حلول سريعة لها؛ جعلهم يعيدون النظر في الزراعة لهذا الموسم، مضيفًا أن الخسائر المالية ستكون كبيرة، وخصوصًا في التجهيزات والمواد القابلة للتلف، ولا تتحمل الخزن لفترات طويلة.

ويلفت الساعدي إلى أن محافظة ميسان كانت طيلة الأعوام الماضية تتنافس بقوة مع باقي المحافظات في مجال إنتاج الحبوب، وأحرزت في السنة الماضية المرتبة الثانية في زراعة الشعير، وموقعًا متقدمًا في زراعة الحنطة، غير أن الشيخ الساعدي لا يتوقع مثل هذه النتائج في الأعوام المقبلة إذا بقيت الأزمة الحالية، أو تفاقمت في ظل كلام ووعود كثيرة من قبل المسؤولين في الحكومتين المحلية والمركزية، وأفعال لا وجود لها على أرض الواقع.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com