الإثنين 19 فبراير 2018 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

حملات الإعدام بالعراق.. محاكمات موجزة ورقصٌ على الأشلاء

حملات الإعدام بالعراق.. محاكمات موجزة ورقصٌ على الأشلاء

قسم التقارير – العراق

قد تعني حملات الإعدام التي تُنفذها الحكومة العراقية بين الفينة والأخرى للبعض انتصارًا للمظلوم وانتصافًا من الظالم، وقد يحسبه الأهالي أخذًا بحق ذويهم، وانتقامًا ممن تسبّب بمقتلهم، ومن جهة أخرى فإن الموضوع أخذ أبعادًا سياسية، وأصبحت حملات الإعدام وسيلة من وسائل الترويج الانتخابي لهذا الحزب أو ذلك المسؤول. ويبقى الأمر بالنسبة للغالبية العظمى استهتارًا بالدماء، وأحكامًا قضائية جائرة دانتها وندّدت بها المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان قبل المحلية المُنصِفة منها.

غايات سياسية ودعايات انتخابية

أخذت حملات الإعدام في العراق -والتي كان أحدثها في منتصف الشهر الماضي: إعدام 38 “مُدانًا بالإرهاب” بحسب وزارة العدل- بُعدًا جديدًا من خلال استغلالها لأغراض سياسية وانتخابية، وصفها مراقبون بأنها رقصٌ على أشلاء من نُفّذ بحقهم حكم الإعدام، لاسيما مع قرب موعد الانتخابات البرلمانية مطلع العام المقبل.

“إن وزير العدل الحالي حيدر الزاملي شخصية طائفية بامتياز، وهو خَلَف سيئ لسلف أسوأ وهو حسن الشمري”

ومما أثار الاستغراب في حملة الإعدامات الأخيرة هو مراسِم غير قانونية رافقت الإعدامات، من خلال حضور شخصيات سياسية ودينية، وعوائل لضحايا تفجيرات، أو حتى عمليات عسكرية لا يمتّون بصلة للقضايا التي يُعدم بسببها المُدانون، وكذلك ما رافق عمليات الإعدام من هتافات طائفية وانتقامية للحاضرين، لا تحمل سوى الشماتة بالأموات.

ناشطون وحقوقيون استهجنوا واستغربوا تلك الممارسات غير القانونية، عادّين إياها خروجًا عن العرف والقانون، ولا تندرج إلاّ ضمن الحملات السياسية لأغراض دعائية وانتخابية، “بُغية الظهور أمام عوائل الضحايا بمظهر الحامي لدماء أبنائهم والآخذ بالثأر لهم”، كما عبّر بذلك المحامي “محمود العيسى” في حديثه لـ”وكالة يقين”، والذي أضاف في تعليقه على ممارسات وزير العدل، وبثّه مقاطع فيديوية مصورة على صفحته الشخصية في فيس بوك لحملة الإعدامات الأخيرة: “إن وزير العدل الحالي حيدر الزاملي شخصية طائفية بامتياز، وهو خَلَف سيئ لسلف أسوأ وهو حسن الشمري، ولا يُفكّر الزاملي سوى بالحظوة عند حزبه -حزب الفضيلة- وطائفته التي ينتمي لها، بل إن وزير العدل لا يمت تخصصه للعدل والقانون بصلة، فهو خريج كلية الهندسة، وحتى موضوع الترفيعات لموظفي العدل لا يحصل عليها بسهولة سوى المنتمين لحزب الفضيلة، وبالتالي فإنه ليس من المستغرب أن تصدر منه هكذا تصرفات لا تمتّ للعدل وإنصاف المظلومين ومراعاة حقوق الإنسان بصلة من قريب أو بعيد”.

محاكمات موجزة وقتلٌ عمد

وبحكم مهنته وقربه من المحاكم والقضايا الجنائية، أكد (العيسى) للوكالة، أن المحاكمات التي تسبق أحكام الإعدام موجزة، ولا ترقى لمستوى الحكم الذي خرجت به، وفاقدة لكثير من شروط هكذا محاكمات، فهي تستند غالبًا لإفادات المخبرين السريين، الذين أثبتت التجارب العملية والواقعية أنهم يُدخلون مشاكلهم الشخصية مع المُدانين في تلك الإفادات، أو يُلفقّون الإفادات للحصول على الأموال من عائلة المُعتقل وغيرها، وأضاف، أن تلك المحاكمات أيضًا تعتمد على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، أو في حالة إغماء أو إعياء يوقّع المُعتقل على تلك الاعترافات، أو أنه يوقّع لغرض إيقاف التعذيب أو تخفيفه عنه.

وفي تصريحات مثيرة لمحافظ ذي قار “يحيى الناصري”، قال فيها: إن “الحكومة المحلية لن تسمح بعد اليوم ببقاء إرهابي محكوم بالإعدام يومًا واحدًا في سجن الحوت بالناصرية” وأضاف، “ذي قار طالبت رئيس الوزراء بسرعة المصادقة على قرار حكم الإعدام بحق الإرهابيين النزلاء في سجن الناصرية المركزي”. إضافة لتصريحات سابقة للمحافظ ذاته، طالب فيها بالإسراع في تنفيذ الإعدامات خوفًا من اقتحام الميليشيات للسجن وقتل المُعتقلين.

“مشكلة المخبر السرّي لا تزال سارية المفعول، لاسيما في المناطق المستعادة حديثا من سيطرة تنظيم الدولة”

مُعلقًا على تصريحات محافظ ذي قار تلك، قال المحامي لـ”وكالة يقين”: تصريحات المحافظ تدل على عقليته الميليشياوية، وهي أشبه بقدح فكرة أو تصريح لتلك الميليشيات أنْ “تعالَوْا واقتحموا السجن، واقتلوا من فيه وأنتم في مأمن، ولن يوقفكم أحد”، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تصريحاته تلك هي “إهانة للدولة وأجهزتها الأمنية، بأنكِ يا حكومة عاجزة عن حماية السجن، بل عاجزة أمام تلك الميليشيات تمامًا”.

من جهة أخرى يرى أحد العاملين في “المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب” وفضّل عدم ذكر عن اسمه، أن المؤسسة القضائية والنظام القضائي في العراق يفتقر للكثير من المهنية، ولا يمتُّ للعدالة بصلة، فالاعتقالات العشوائية هي خارج إطار القانون، حيث لا يمرُّ المعتقل بالإجراءات الرسمية والمعروفة عند الاعتقال، لذلك يُعد تنفيذ حكم الإعدام بحق هؤلاء المعتقلين قتلًا عمدًا؛ لأن ظروف اعتقالهم ومحاكماتهم لم تكن قانونية أصلًا، وتابع في حديثه لـ”وكالة يقين”، أن المؤسسة القضائية العراقية تُعدّ من أفسد المؤسسات على مستوى العالم وأقلها مهنية ونزاهة، فطريقة الاعتقال فاسدة وطريقة التحقيق كذلك، انتهاء بطريقة الإعدام.

وفي تعليق له على إحدى حملات الإعدام في العراق، صرّح المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة “الأمير زيد بن رعد الحسين”، أن “إعدام هؤلاء السجناء في يوم واحد في سجن بمدينة الناصرية كان مروّعا، معتبرا أن الأحكام نُفذت في غياب للإجراءات القضائية النزيهة على الأرجح، منتقدًا الكيفية التي تستخدم بها بغداد قانون مكافحة الإرهاب لتطبيق عقوبة الإعدام”،  وعبّر “ابن الحسين” عن قلقه من تقارير تفيد بأن السلطات العراقية ربما تخطط للتعجيل بعملية إعدام السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، وقال: إن ذلك قد يؤدي إلى مزيد من الإعدامات واسعة النطاق في الأسابيع المقبلة.

مأساة من حملة الإعدامات الأخيرة

تلقّت “أم أسامة” اتصالًا هاتفيًا يخبرها بأن تأتي لاستلام ابنها الذي لقيَ حكمًا بالإفراج بعد سجنٍ دام سبع سنوات، تنقّل خلالها بين معتقلات بغداد ليستقرَّ به المقام في سجن الناصرية المركزي. حَمَلت أم أسامة جسدها الناحل وروحها المتعبة والشوق يحدوها للقاء ابنها أسامة، وبعد رحلة سفر متعِبة من بغداد إلى الناصرية؛ وصلت هناك لتُصعق بالخبر المفاجئ، وهو أن ابنها قد حُكم عليه بالإعدام لا الإفراج.

ويصف “محمود النعيمي” في حديثه لــ”وكالة يقين” عن قصة قريبته “أم أسامة”، أنها تعيش الآن حالة صحية متدهورة منذ فجعها بابنها، وتنفيذ حكم الإعدام بحقه منتصف الشهر الماضي، وعن قصة اعتقال أسامة، قال النعيمي: إنه اعتُقل مطلع العام 2010 من إحدى مناطق بغداد جانب الرصافة حيث يسكن هناك، ويعمل نهارًا عاملًا في محل للتسوّق، ومساءً عاملَ تشغيل في مولّدة أهلية، وهو أبٌ لبنتين، صاحب خلق دمث ومعاملة حسنة، اعتُقل بسبب وشاية من المخبر السرّي وبتهم ملفقة لا أصل لها، وعانى أشد أنواع التعذيب في فترة اعتقاله؛ ليُجبر تحت سطوة التعذيب أن يوقّع على اعترافات وجرمٍ لم تقترفه يداه، ولأن عائلته وحالته المادية لا تسعفه على دفع مالٍ كبيرٍ لمحامٍ أو رِشًا لهذا الضابط أو ذاك؛ فقد فاضت روح أسامة على حبل المشنقة بعد أشهر من توقيعه على اعترافات لقضايا جنائية لا ناقة له فيها ولا جمل.

مخبرون كاذبون.. يُؤخذ بشهادتهم!

أكدت عضو اللجنة القانونية البرلمانية “فرح السرّاج” في تصريحها لــ”وكالة يقين“، أن السلطة القضائية أقرّت بوجود 480 مخبرًا سريًا كاذبًا، وتم إلقاء القبض على كثير منهم، متسائلة لماذا لم تتم إعادة محاكمات من أُخِذوا بشهادة الزور هذه، داعية جميع المنظمات الدولية لمراقبة نتائج قرارات المحاكم العراقية لوجود أخطاء جسيمة.

“خطورة الأمر هذه المرّة هو تحوّل الإعدامات إلى كونها إحدى وسائل الدعاية الانتخابية؛ لكسب أصوات عوائل الضحايا، وهو ما يُثير احتمالية تنفيذ حملات إعدام أخرى قبل الانتخابات المقبلة”

وبشأن قانون العفو العام وإمكانية تطبيقه، أوضحت السرّاج، أن المشكلة الحقيقية هي في تطبيق القانون وليس في القانون نفسه، فهناك ستُّ لجان تنظر في الدعاوى المقدّمة إليها للنظر فيمن يُشمل بالعفو، وإحدى هذه اللجان هي “لجنة إعادة المحاكمات” وقد تسلّمت هذه اللجنة خلال الأشهر الأخيرة 3600 طلب لإعادة المحاكمات في دعاواهم، ولم توافق اللجنة سوى على إعادة محاكمة 10 قضايا فقط، وأغلب القضايا هي عن طريق المخبر السرّي.

وحول كيفية النظر في الدعاوى أشارت السرّاج إلى أن القُضاة يُعيدون فقط تلاوة الدعوى من دون استدعاء الشهود والمخبر السرّي مرة أخرى، فالأمر هو مجرد إعادة التحقيق نفسه، وبالتالي الوصول للحكم السابق ذاته.

وتابعت عضو اللجنة القانونية النيابية: حاولنا مع القضاء أكثر من مرة، واستقدمنا رؤساء اللجان القانونية الستّ المخوّلين بدراسة قانون العفو العام ومتطلباته، لكنّ مبدأ الدستور العراقي هو الفصل بين السلطات، ونحن باعتبارنا سلطة تشريعية عندما شرّعنا قانون العفو العام؛ ليس لدينا قدرة حقيقية أن نتدخل في عمل السلطة القضائية، ونقول لهم كيف تتعاملون مع مخبرين سرّيين، وأنتم باعتباركم سلطة قضائية قلتم أن هناك 480 مخبرًا سريًا كاذبًا، وتم إلقاء القبض على كثير منهم، كيف لا تُعيدون محاكمات من شهد عليهم هؤلاء المخبرون الكاذبون؟

ولفتت السرّاج في حديثها للوكالة، إلى أنّ “مشكلة المخبر السرّي لا تزال سارية المفعول، لاسيما في المناطق المستعادة حديثا من سيطرة تنظيم الدولة، واليوم في المناطق هذه كثير من المعتقلين والمختطفين لا يُعرف مصيرهم، وتُهمهم قد تكون تشابه أسماء فقط، أو أنّ المعتقل كان في المكان الخطأ لحظة الاعتقال”، وخلصت بالقول: إن موضوع المعتقلين في العراق يحتاج لإعادة النظر فيه بشكل كامل، من لحظة الاعتقال لغاية حبل الإعدام.

الإعدامات في تصاعد

لا توجد حتى الآن إحصائيات رسمية مُحدّثة عن أعداد المعتقلين المحكومين بالإعدام في عموم السجون العراقية، إلاّ أن عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق “علي البياتي” كشف في تصريح لوكالة “سبوتنيك”، عن وجود 1800 سجين محكوم بالإعدام، حتى منتصف عام 2016، مبينا أن 25 امرأة محكومات بالإعدام، ضمن عدد المحكومين المذكور، مشيرا إلى عدم وجود تحديث بإحصائيات السجناء الصادرة بحقهم أحكام إعدام منذ منتصف العام الماضي، ويضيف البياتي أن عدد الإعدامات التي نفذتها وزارة العدل العراقية بحق المحكومين بلغ 26 عملية خلال عام 2015، و88 إعداما في عام 2016، و111 عملية إعدام في عام 2017.

من جهته صرّح عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق “هيمن باجلان”، بأن الحكومة قد منعت المفوضية من اللقاء بالمقرر الخاص للأمم المتحدة لشؤون الإعدام خارج نطاق القضاء، “اكنسكالامورد”. وكشف عن أن اللجنة الحكومية المشرفة لاستقبال المقرر الخاص قد برّرت رفضها بلقاء المقرر الخاص لأسباب ترجع إلى ضيق وقت جدول أعمالها، معربًا عن استيائه الشديد لمنع المفوضية من ممارسة دورها الحقيقي، ومؤكدًا في الوقت ذاته أن المفوضية لديها رؤيا مختلفة عن الحكومة العراقية، وتقارير ميدانية وإحصائيات دقيقة ومقترحات لمنع ظاهرة الإعدام خارج نطاق القضاء.

أخيرًا، فإن قضية الإعدامات والمحاكمات غير العادلة في العراق والقضاء المُسيّس؛ ليست بحاجة إلى كثير عناء أو بذل جهد لإثبات فسادها، ودانتها المنظمات الدولية المعتبرة كالأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، قبل المحلية المُنصفة منها. لكنّ خطورة الأمر هذه المرّة هو تحوّل الإعدامات إلى كونها إحدى وسائل الدعاية الانتخابية؛ لكسب أصوات عوائل الضحايا، وهو ما يُثير احتمالية تنفيذ حملات إعدام أخرى قبل الانتخابات المقبلة.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات