الثلاثاء 20 فبراير 2018 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » الأزمة السياسية في العراق »

حلّ ميليشيا الحشد الشعبي.. أسخن الملفات قبل الانتخابات

حلّ ميليشيا الحشد الشعبي.. أسخن الملفات قبل الانتخابات

قسم التقارير – العراق

مثل كرة ثلج تتدحرج أزمات العراق لتلد أحداها أخرى، كما هو الحال المتواتر في عراق ما بعد ألفين وثلاثة وحتى الآن، واليوم وبعد إعلان حكومة العبادي استعادة السيطرة على جميع المدن العراقية، وتزامناً مع قرب موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة؛ تبرز أزمة جديدة تجتاح الأوساط السياسية في العراق، ألا وهي حلُّ ميليشيا الحشد الشعبي ونزع سلاحها، خصوصاً بعد انتفاء الحاجة التي شُكّلت من أجلها وهي محاربة، مع تصاعد الدعوات المحلية والدولية بضرورة حصر السلاح بيد الدولة وحل تلك الميليشيات التي تعتبرها الأوساط المحلية والدولية خارج الدولة وقواها الرسمية.

رفض شيعي خفي لميليشيات الحشد

“ميليشيا الحشد تُجسّد الجهود الايرانية والشيعية لممارسة سياسة الغَلَبَة والفوقية في العراق”

بعد انهيار الأجهزة العسكرية الحكومية بالتزامن مع دخول تنظيم الدولة مدينة الموصل منتصف العام 2014 وأصبح أكثر من ثلث العراق تحت سيطرته؛ اجتاحت السلطة الحاكمة في بغداد مخاوف حقيقية من احتمال إطباق مسلحي التنظيم السيطرة على العاصمة ودخول المنطقة الخضراء حتى، وبعد مباحثات واستغاثات محلية ودولية، تقرّر الاستعانة بقوات من خارج القوات الحكومية الرسمية للسيطرة على الوضع، وليس أفضل لتلك المهمة من الميليشيات، والتي يُقدّر عددها بالعشرات الرسمية منها ولها مسمّيات معروفة، وبالمئات من لم تنتشر مسمّياتها.

وبحكم الأدلجة الدينية والطائفية لتلك الميليشيات؛ كان أنسب شيء لانصياعها هو فتوى تُجمّعها، فكانت ما تمسى فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الشيعي “علي السيستاني”، فوُلِدت ميليشيات الحشد الشعبي، وعلى الرغم من أن عدد مسلحيها غير مُحدد حتى الآن ولا توجد إحصاءات رسمية لذلك، إلاّ أن مصدراً حكومياً قدّر عدد عناصرها 60 ألف مسلح، بينما صرّح الناطق السابق باسم الحشد أحمد الأسدي بأن الحشد كان يضم نهاية عام 2016 نحو 142 ألف مقاتل.

هذا العدد الهائل من المسلحين المؤدلجين دينياً أصبح رُعباً ومُشكلة حقيقية تُهدد الحياة السياسية والأمنية في العراق، وهو مدعاة انقسام بين من يراه بأنه “مُقدّس” وقدّم تضحيات وأسهم في استعادة السيطرة على المدن والقرى من سيطرة تنظيم الدولة، وبين من يراه عبئاً ثقيلاً وميليشيات طائفية ارتكبت أبشع الجرائم بحق أبناء المُدن التي دخلتها، ولم تخضع إلى أي مساءلة لا من دولة أو قانون، وفي أكثر من مرة كشفت تقارير منظمتي “هيومان رايتس ووتش” و “العفو الدولية” عن ارتكاب ميليشيات الحشد جرائم حرب في المدن التي دخلتها بحجة محاربة تنظيم الدولة.

علاوةً على ذلك، فإن ميليشيا الحشد تُجسّد الجهود الإيرانية والشيعية لممارسة سياسة الغَلَبَة والفوقية في العراق، فهي تُدين بالولاء لإيران كما معروف، فقاسم سليماني ظهر مع ميليشيا الحشد في أغلب المناطق التي دخلتها، فضلاً عن المستشارين الإيرانيين المرافقين لتلك الميليشيا تخطيطاً وتنفيذا.

وبهذا تحوّلت ميليشيات الحشد إلى مُشكلة بعد أن كانت حلاً -من وجهة نظر من يراها كذلك- لمواجهة تنظيم الدولة، ويدخل العراق اليوم في أزمة حول كيفية التعامل مع تلك الميليشيات.

الانتخابات.. وحلُّ ميليشيا الحشد

“الجزء الأخطر في موضوع سلاح ميليشيا الحشد هو ما بعد الانتخابات، وما ستأتي به من نتائج سيكون مفصليا في عموم العراق وجنوبه على وجه الخصوص”

كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية ازدادت مسألة حلّ ميليشيا الحشد سخونة، فحُمّى الانتخابات تجعل المشهد السياسي يسخن أكثر، وملف نزع سلاح ميليشيات الحشد من أسخن الملفات قبل الانتخابات، وذلك لسببين، كما يرى الباحث والمحلل السياسي (محمد صادق أمين) في حيثه لــ”وكالة يقين”، أولاهما: الخوف من القوة السياسية لتلك الميليشيات، بعد أن تحولت في نظر الأوساط الشيعية الشعبية لرمز بطولي، والإعلام شكّل جزءاً كبيراً من ذلك، من خلال تصويره القوات الحكومية عاجزة عن مُجاراة تنظيم الدولة وحدها، فتقوم تلك الميليشيات باستعادة السيطرة على المدن وتسليمها للقوات الحكومية الرسمية، أو على الأقل كما يُصرَّح أو يُشاع. ثانيهما: الخوف من قوة ميليشيا الحشد العسكرية لاسيما في بغداد، فتلك الميليشيات واسعة النفوذ في ظل ضعف الدولة، وهي قوة قادرة على فعل الكثير على الساحة، ومن الممكن أن تؤثر حتى في صناديق الاقتراع من خلال التزوير بقوة السلاح، ولعلّ ذلك من أبرز مخاوف رئيس وزراء الحكومة “حيدر العبادي”، لهذا يسعى العبادي لإيجاد التأييد لنزع سلاح ميليشيا الحشد كمرحلة أولى، ثم محاولة تحييد قيادات الميليشيات عن المشاركة بالعملية السياسية كمرحلة ثانية، لأن تحويل هذا الجهد القتالي إلى مخرج سياسي يتحكم بالانتخابات، ومن الممكن ان تجتاح ميليشيا الحشد انتخابيا حزب الدعوة وتحيُّده، لاسيما مع وجود خلاف حادّ وصل حدّ الانشقاقات داخل الحزب من جرّاء الصراع بين قطبيه نوري المالكي وحيدر العبادي.

أمر آخر يضيفه (أمين)، وهو تخوّف مقتدى الصدر وتياره من الشعبية الكبيرة التي حازتها ميليشيا الحشد، لهذا يعتبر الصدريون الحشد “ميليشيا”، وعبّر عنها زعيمهم مقتدى الصدر أكثر من مرة بـ”الميليشيات الوقحة“، وطالب الصدر مرارا وتكرارا بنزع سلاح الحشد ومنع قياداته من ممارسة العمل السياسي، لعِلمه أن الحشد أصبح قوة سياسية وعسكرية وشعبية قادرة على شقّ الصف الشيعي واكتساح الانتخابات.

هل ستقبل ميليشيا الحشد بحلِّ نفسها؟

أدركت قيادة تلك الميليشيات المدعومة إيرانياً خطورة حلّ نفسها، وفهِمت ما يحوكه لها شركاؤها الشيعة، فاتخذت خطوة استباقية بتصريح قادتها بتسليم السلاح للدولة، وذلك محاولة لإبعاد تحييدها عن الساحة السياسية والانتخابات، لأنهم مدركون أنهم أصبحوا مؤثرين سياسيا وشعبيا في الوسط الشيعي بالعراق.

وفي هذا الصدد أكد الباحث والمحلل السياسي (محمد صادق أمين) أن الحشد لن يتخلّى عن سلاحه حقيقةً، وإنما سيتخلى عنه تكتيكياً لإيقاف الجدل حول موضوع السلاح من جهة، ولتهيئة المساحة والأجواء لدخول العملية السياسية من جهة أخرى، وبعد الانتخابات فإن العودة إلى السلاح أمر سهل جدا، فهي ليست مسألة سلاح، فالسلاح متوفر بالعراق قبل تنظيم الدولة وبعده، وهو أمر شكلي، وربما على غرار تسليم ميليشيا “جيش المهدي” سلاحه في وقت مبكر من عمر الاحتلال الأمريكي للعراق، خصوصاً إذا ما بقيت الهيكلة التنظيمية لميليشيا الحشد.

وتابع (أمين) أن الجزء الأخطر في موضوع سلاح ميليشيا الحشد هو ما بعد الانتخابات، وما ستأتي به من نتائج سيكون مفصليا في عموم العراق وجنوبه على وجه الخصوص، لأن تلك الميليشيات مرشحة لأن تحوز الصف الأول في أوساط الجمهور الشيعي، فالتيار الصدري الذي كان يُعدُّ التيار الأقوى من حيث الحشد الجماهيري، الآن بدت ميليشيات الحشد موازية لتلك القوة إن لم تفُقْها ربما، فضلاً عن أن حزب الدعوة يمر بمرحلة التشظي انتخابياً وشعبياً.

“السيستاني” أملُ “العبادي” الوحيد لرفع الحرج عنه

“ميليشيات الحشد مشكلة كبيرة تهدد العراق عموماً والشيعة على وجه الخصوص”

يواجه رئيس وزراء الحكومة “حيدر العبادي” مأزقاً حقيقياً أمام سلاح ميليشيا الحشد وهيكلتها، فهو مطالب شعبياً ودولياً بحل الحشد وحصر السلاح بيد الدولة، لا سيما بعد الإعلان عن استعادة السيطرة على كافة المدن، وأشدُّ المطالبات الدولية بنزع سلاح مليشيات الحشد وأوضحها جاءت من فرنسا على لسان رئيسها “إيمانويل ماكرون”، بل حتى من الولايات المتحدة نفسها.

ولأنّ العراق تسوسُهُ حكومة دينية وليست حكومة وطنية لها سيادتها، فأمر حلّ ميليشيا الحشد ليس بيد العبادي، وإنّما بيد المرجع الشيعي (علي السيستاني)، فحلُّ تلك المليشيات لا يمكن أن يكون إلاّ بفتوى جديدة من السيستاني تنقض فتوى الجهاد الكفائي التي أُوجدت ميليشيات الحشد بموجبها، كما يرى الكاتب في الشأن السياسي (جاسم الشمري) في تصريحه لــ”وكالة يقين”، والذي أضاف، أن رئيس الوزراء حيدر العبادي إن لم تُنقذه المرجعية فهو في مأزق كبير، وهو عاجز أمام ميليشيا الحشد ومواجهتها لوحده.

في المقابل يرى النائب البرلماني عن ائتلاف دولة القانون (إسكندر وتوت) في تصريحه لــ”وكالة يقين” أنه “لولا الحشد الشعبي لما استعاد العراق السيطرة على المناطق من تنظيم الدولة، وأن الحشد باقٍ وسيبقى كما هو، ولا يُمكن لأحد حلّه، وهو قوة رسمية تابعة مباشرة لرئاسة الوزراء”، على حد تعبيره.

نائب: لا خيار سوى حلّ فصائل الحشد

أمّا عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية (حامد المطلك) فيعتقد أنه لا تستقيم الأمور حتى تكون للدولة مؤسسات أمنية رسمية يُحصر فيها السلاح ويُطبق القانون، وأضاف في حديثه لــ”وكالة يقين” أن “الضرورة لها أحكامها، وسيطرة تنظيم الدولة على مناطق واسعة من العراق كان ضرورة لوجود الحشد وإسناده القوات الحكومية -وفق تعبيره-، أمّا الآن وبعد استعادة السيطرة على المناطق، فلا خيار سوى حلّ فصائل الحشد وحصر السلاح بيد أجهزة الدولة الرسمية”.

وبيّن (المطلك)، أن “وجود فصائل مسلحة لها تنظيمات مستقلة وموازية للأجهزة الحكومية الرسمية هو أمر خطير جداً، ويجب أن يأخذ رئيس الوزراء دوره بحصر السلاح بيد الدولة”، وبحسب النائب، فإن “الجهات التي لا تريد للحشد أن يُحلّ فهي تسعى لأن تُحافظ على مصالحا ومكانتها بالاستفادة من وجود الحشد على ما هو عليه”.

وهكذا باتت ميليشيات الحشد مشكلة كبيرة تهدد العراق عموماً والشيعة على وجه الخصوص، فكثير من الذين عدّوه رصيداً أمنياً ومُنقذاً في خضم المعركة ضد تنظيم الدولة؛ باتوا اليوم يعتبرونه عبئاً وتهديداً للوضع السياسي والأمني للعراق، وربما سيكون باباً لقتال شيعي – شيعي إذا ما شاركت قيادات ميليشيا الحشد بالانتخابات واكتسحت أصوات الشارع على حساب القوى الشيعية الأخرى.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات