الجمعة 16 نوفمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الاقتصاد العراقي 2018 »

أربيل.. الأزمة الاقتصادية تساهم بانتعاش سوق المواد المستعملة

أربيل.. الأزمة الاقتصادية تساهم بانتعاش سوق المواد المستعملة

قسم التقارير – أربيل

أجمع العديد من المختصين على وجود تغيير كبير في النمط الاستهلاكي في عموم مدن شمال العراق جراء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها المواطنون هناك، والتي ساهمت بازدهار سوق المواد المستعملة والرخيصة بكل أنواعها ، فيما يرى محلل اقتصادي أن استمرار هذه الأزمة وتفاقمها أدى إلى دخول أعداد كبيرة من المواطنين و الموظفين منهم على وجه الخصوص إلى هذه الأسواق وبصورة باعة وزبائن.

وبالرغم من معاناة السكان في شمال العراق من أزمة تذبذب الرواتب منذ فترة طويلة تزيد على السنتين، إلا أن التطورات التي تلت تنظيم استفتاء استقلال الإقليم الكردي في أيلول/ سبتمبر الماضي، ودخول القوات المشتركة إلى محافظة التأميم، وقطع الإمدادات النفطية وغلق المطارات؛ ساهمت بشكل كبير في تطور الأزمة الاقتصادية التي يصفها السكان هناك بأنها لا مثيل لها.

سوق الجمعة يتمدد في قلب أربيل

“انعدام الرواتب وتناقص فرص العمل في مدينة أربيل، دفع بأعداد كبيرة من الأهالي إلى دخول السوق بصورة باعة يقومون بالتجول في المناطق والأحياء السكنية لشراء الأثاث والأجهزة الكهربائية المستعملة”

في سوق الجمعة القريب من قلعة أربيل التاريخية يعمل (كاوه فاضل البرزنجي) “34 عامًا” بائعًا لمختلف الأثاث المنزلي المستعمل منذ 10 سنوات، وهو على يقين بأن الفترة الحالية هي الأكثر ازدهارًا في عملهم بعد أن أصبح السوق المقصد الأساسي لكل مواطني مدينة أربيل وأقضيتها ونواحيها، حيث يمكنهم هنا الحصول على أي شيء وبأسعار مناسبة ومعقولة، وتتماشى مع الدخل المالي المتردي لمعظمهم.

ويبين البرزنجي لــ”وكالة يقين”، أن السوق في السنوات الماضية كان أغلب زبائنه من النازحين العرب، وتحديدًا من محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين، وعمله كان يزدهر فقط في يوم الجمعة ، مستدركًا بأنه وفي الوقت الحالي تناقص عدد النازحين مقابل أهل المدينة الذين باتوا يرتادونه بكثرة، وفي جميع أيام الأسبوع، مما ساهم بتمدد السوق داخل الأزقة والشارع الرئيس، حتى بات يقترب من سوق شيخ الله للمواد الغذائية.

ويضيف البائع البرزنجي، أن انعدام الرواتب وتناقص فرص العمل في مدينة أربيل، دفع بأعداد كبيرة من الأهالي إلى دخول السوق بصورة باعة يقومون بالتجول في المناطق والأحياء السكنية لشراء الأثاث والأجهزة الكهربائية المستعملة، وتصليحها وإعادة بيعها في هذا السوق، مشيرًا إلى أن الحاجة هنا تباع بربع سعر مثيلتها الجديدة وربما أقل، وهي أسعار تلائم دخل الطبقة المتوسطة والفقيرة، التي يقول إنها باتت تمثل الأغلبية في المدينة.

ويحتوي السوق على أقسام خاصة بالأثاث المنزلي المستعمل، والأجهزة الكهربائية، وأغراض المطبخ بكل أنواعها، وينقسم الباعة فيه إلى أصحاب محال ثابتة أو بسطيات متنقلة، فضلًا عن مواطنين يقومون ببيع أغراضهم بأنفسهم ، بحسب البرزنجي الذي يلفت إلى أن عودة النازحين إلى مدنهم ساهمت بدورها في زيادة عدد المعروضات داخل السوق، حيث يفضل النازح بيع أغراضه بشكل متكامل، على تحمل كلفة نقلها المرتفعة ماديًا، والتي تحتاج إلى موافقات خاصة من الجهات الحكومية؛ لغرض نقلها إلى منطقته العائد إليها.

سوق البالة هو المفضل لأصحاب العوائل الضخمة

“لا يقتصر رواج سوق المستعمل على الملابس والأثاث والأجهزة، ولكنه يشمل أيضًا سوق السيارات وتحديدًا غير القانونية منها”

وفي المنطقة المحصورة بين شارعي 100 و40 في أربيل، يتواجد أكبر سوق للملابس المستعملة “البالة” داخل مدينة أربيل، حيث يتواجد محل ضخم لبيع الحقائب المستعملة يملكه الشاب (هيوا حسن) “27 عامًا”، والذي يتحدث إلينا بعد أن انتهى من بيع حقيبة مستعملة إلى أمرأة كبيرة بالسن ، مؤكدًا أن هذا السوق كان في الماضي مقصدًا للباحثين عن الماركات الأجنبية المشهورة في الملابس والأحذية والحقائب، ولكنه الآن هو المفضل للعوائل في شراء الملابس الرخيصة، وخصوصًا رب الأسرة الذي لدية عدد كبير من الأطفال.

ويضيف البائع الشاب في حديث لــ”وكالة يقين“، أن هذا السوق كان سابقًا هو الوحيد من نوعه في مدينة أربيل ولا يوجد غيره، ولكن تدهور الحالة الاقتصادية ساهم بظهور أكثر من 10 نسخ كبيرة منه في مدن أربيل وعدد آخر أصغر بات يتواجد في معظم الأقضية والنواحي، وحتى القرى التابعة للمدينة ، مبينًا أن ازدهار العمل بتجارة المستعمل أوجد -وللمرة الأولى- سوقًا مختصًا ببيع الكميات الكبيرة “الجملة” من الملابس المستعملة، ويتواجد على شارع 60 قرب منطقة الإسكان، وبإمكان أي شخص أن يشتري من هناك حمولات ضخمة جدًا من هذه البضاعة التي تنقسم أسعارها بحسب المنشأ القادمة منه.

ويبين (هيوا حسن)، أن عموم الأهالي هنا وأصحاب العوائل الكبيرة منهم لم يعودوا مهتمين بالماركات والموضة في سوق المستعمل، ولكنهم يركزون على شراء أكبر كمية من الملابس بأقل الأسعار ، مشيرًا إلى أن صاحب الأسرة الذي لدية 3 أطفال في المدرسة يحتاج في بداية العام الدراسي إلى مبلغ لن يقل عن 600 ألف دينار، “أقل من 500 دولار”؛ لشراء الملابس والأحذية والحقائب من سوق الجديد، ولكن لن يدفع أكثر من 250 ألف دينار “200 دولار” في شراء الكمية ذاتها من سوق المستعمل.

ويقر حسن بأن هذا التوجه كان ينحصر سابقًا في أوساط الفقراء، فيما يرفض الأغلبية أن يشتري لأولاده الملابس من سوق المستعمل، ويعتبره نوعًا من الانتقاص الاجتماعي بحقهم ، متابعًا بأن التدهور المستمر في الأحوال الاقتصادية ساهم في تراجع أو اختفاء هذه النظرة، وباتت الأغلبية ترتاد هذا السوق لشراء كل احتياجاتها.

رواج سوق السيارات غير القانونية

ولا يقتصر رواج سوق المستعمل على الملابس والأثاث والأجهزة، ولكنه يشمل أيضًا سوق السيارات وتحديدًا غير القانونية منها، و التي يتم تداولها في “سوق العلوج” جنوب أربيل، وهو تجمع ضخم لبيع السيارات غير المسجلة في قاعدة البيانات التابعة لمديرية المرور في مدينة أربيل.

ويمكن للمرء أن يشتري من سوق العلوج سيارة جيدة وبسعر مناسب، ولكن لن يستطيع تسجيلها في المرور بسبب افتقارها إلى الأوراق الأصولية؛ لأن أغلب الموجود في هذا السوق هو سيارات تم نهبها من مخازن الوزارات والمؤسسات الحكومية لدى دخول قوات الاحتلال الأمريكي إلى العراق عام 2003، وبعضها مسروق من المحافظات الوسطى والجنوبية، وقسم آخر تم إدخالها إلى العراق بصورة غير قانونية، وهي غير مطابقة لشروط الاستيراد.

ويوضح (فريدون مام سيني)، وهو من المتعاملين في السوق بأن الزبون يمكنه شراء سيارة يابانية الصنع من طراز 2003 بمبلغ ألفي دولار فقط، ولكن بشرط أن يستخدمها ضمن حدود مدن أربيل والسليمانية ودهوك، ولا يذهب بها إلى مناطق أخرى؛ لأنها من الممكن أن تكون مسجلة هناك مفقودة أو مسروقة، ولا خوف منها إذا كانت تابعة لدوائر الحكومة السابقة؛ لأنها جميعًا سجلت خسائر لدى دخول القوات الأمريكية.

“اغلب الموظفين باتوا زبائن دائمين لكل أسواق الأشياء المستعملة في أربيل، وإن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 1700 موظف يعملون في مهن مرتبطة سوق الجمعة”

ويوضح مام سيني لـــ”وكالة يقين”، أن مثل هذه السيارة لو كانت أصولية فإن سعرها لن يقل عن 4500 دولار، وهذا ما يجعل سيارات العلوج مرغوبة –وبشدة- من ذوي الدخل المتوسط أو المنخفض ، مبينًا أنه شخصيًا يقوم بأكثر من عمليتي بيع في الأسبوع الواحد، وأحيانًا أكثر، وهو معدل يعد مرتفعًا في حركة هذا السوق قياسًا بالفترة الماضية.

محلل: شبح الفقر يتربص بالموظفين

ومع إقراره بأن الأزمة الاقتصادية أصابت معظم طبقات المجتمع الكردي، غير أن الخبير و المحلل الاقتصادي (ازاد الهماوندي) يرى أن طبقة الموظفين هي الأكثر تأثرًا؛ بسبب طول المدة التي لم يستلموا فيها رواتبهم، والتي لو استلموها فإنها تكون ناقصة بشكل كبير قياسًا لفترة ما قبل الأزمة.

ويشير الهماوندي إلى أن أبرز تبعات هذه الأزمة هي تلك المتمثلة في تغير النمط الاستهلاكي لدى المجتمع الكردي، والذي بدأ بالاتجاه لشراء واقتناء كل شيء رخيص، وهو المعيار الجديد الذي بات يحكم سوق السلع الاستهلاكية ، مضيفًا بأن الأمر الآخر الذي يلاحظ بسهولة هو العدد الكبير من الموظفين المتجهين لسوق المستعمل، سواء كانوا زبائن أو باعة.

ويضيف المحلل الهماوندي في حديثة لــ”وكالة يقين” إلى أن اغلب الموظفين باتوا زبائن دائمين لكل أسواق الأشياء المستعملة في أربيل، وإن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 1700 موظف يعملون في مهن مرتبطة بسوق الجمعة، ومنهم من يعرض بضاعة للبيع على الرصيف، أو يتجول بسيارة حمل لجمع الأغراض التي يرغب الناس ببيعها أو يعمل لدى أصحاب المحلات الكبيرة في هذا السوق.

ويبين المحلل الكردي أن الفترة السابقة كان أغلب الموظفين يميلون إلى الادخار من أجل شراء سيارة تكسي تكون بمثابة مهنة ثانية ودخل أضافي له، ولكن الكساد الذي أصاب حتى قطاع النقل الداخلي جعل من مهنة بيع المستعمل هي المفضلة لمعظم الموظفين من ذوي الدرجات البسيطة ، محذرًا من ضرر أكبر على هذه الشريحة وعوائلهم إذا استمرت أزمة الرواتب الحالية، ولم تتحرك حكومة الإقليم من أجل إيجاد حل مناسب يدفع عن هؤلاء شبح الفقر أو حتى المجاعة ، على حد تعبيره.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات