الثلاثاء 20 فبراير 2018 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » تدهور القطاع الصحي »

العراق بانتظار عواصف ترابية بالجملة بسبب "الاستهتار البيئي"

العراق بانتظار عواصف ترابية بالجملة بسبب “الاستهتار البيئي”

قسم التقارير – العراق

يؤكد خبراء في مجال البيئة، أن العاصفة القاسية التي حدثت في منتصف كانون الثاني / يناير الحالي، وخلفت أكثر من 2500 مريض في عموم العراق؛ لم تكن إلا حلقة من سلسلة طويلة تتضمن عواصف عنيفة وأخرى متوسطة ستضرب العراق خلال العام الحالي ، فيما عزا متخصص سبب التحولات القاسية التي تشهدها أجواء العراق إلى الاستهتار البيئي من قِبَل الأجهزة الحكومية والمواطن على حد سواء.

وكانت وزارة الصحة العراقية قد أعلنت في وقت سابق تسجيلها 2500 حالة اختناق مختلفة؛ بسبب العاصفة الترابية التي ضربت العاصمة بغداد وعددًا من المحافظات، مؤكدة أن الحالات اقتصرت على الوعكة الصحية، ولم تسجل أي حالة وفاة جراء هذه العاصفة الترابية.

اللون الأصفر سيسود أجواء العراق

المتنبئ الجوي العراقي “صادق فاضل الغبان” يرى أن هذه العاصفة ستكون مجرد بداية لسنة صعبة تقل فيها -وبشكل كبير- أجواء الصحو، وتسود الأجواء المغبرة أغلب أوقاتها، وربما تستمر العاصفة الواحدة -وبشكل متواصل- لأكثر من يوم ، مضيفًا أن معظم التقارير الواردة من منظمة الأنواء الجوية العالمية ترسم صورة قاتمة للغاية في هذا المجال .

“التدمير الممنهج للغطاء النباتي في العراق هو الأساس وراء التدهور البيئي الحاصل”

وأوضح الغبان لـــ”وكالة يقين”، أن معظم الجهات الدولية المتخصصة بهذا الشأن، ومنهم: مراكز العواصف الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة؛ مشغولون -وبصورة كبيرة- في موضوع التغييرات المناخية التي يشهدها العراق، ورفعوا من تصنيف الخطورة الخاصة به بعد دراسة بيانات مقلقة للغاية ، مستغربًا من أن يكون العالم مشغولًا بنا في وقت ننشغل نحن عن هذه الكارثة بأمور سطحية وثانوية، بحسب تعبيره.

ووفقًا للغبان؛ فإن اللون الأصفر سيكون هو الغالب على الأجواء العراقية خلال الصيف المقبل، وربما لن يخلو أي أسبوع من وجود عاصفة تتراوح حدتها بين المتوسطة والعنيفة ، لافتًا إلى أن طول فصل الصيف و قلة الأمطار وسيادة أحوال الجفاف؛ سيفاقم -وبشكل كبير- من المصاعب البيئية التي تنتظر العراق.

وكان التقرير الصادر عن الأمم المتحدة في نهاية العام الماضي؛ قد أكد أن العراق تحول من بلد يتأثر بالعواصف إلى واحد من أهم مصادر العواصف الرملية التي توقع أن يهب منها 300 عاصفة خلال العام الحالي، والأعوام المقبلة، ومؤكدًا في الوقت ذاته أن تدهور البيئة في العراق بات يؤثر -وبشكلي سلبي كبير- على القطاعين الاقتصادي.

متخصص: تجريف البساتين ساهم في تفاقم الظاهرة

من جانبه يشدد المتخصص في الجغرافيا المناخية “أكرم علوان العزاوي”، على أن التدمير الممنهج للغطاء النباتي في العراق هو الأساس وراء التدهور البيئي الحاصل؛ لأن هذا الغطاء هو الأساس في إيجاد البيئة اللطيفة والمعتدلة، ومن دون النباتات فإن التغييرات المناخية ستكون متسارعة ومتطرفة، من حيث ارتفاع درجات الحرارة وتكرار العواصف الغبارية وسيادة الجفاف.

“ارتفاع واضح في نسبة المصابين بأمراض الجهاز التنفسي نتيجة التدهور المستمر في الأحوال البيئية، وخصوصًا تزايد عدد العواصف الترابية”

ويتابع الأستاذ “العزاوي” التوضيح لــ”وكالة يقين”، أن الغطاء النباتي ومن ضمنه الحزام الأخضر الذي من المفترض أن يحيط بمعظم المدن العراقية يحافظ بالدرجة الأساس على التربة من عوامل التعرية والجفاف، ويعمل على امتصاص ثاني أوكسيد الكربون الذي يعد المُسَبِّب والأساس وراء ظاهرة الاحتباس الحراري، ويجهزنا بالأوكسجين، ويقلل من شدة الحرارة الواصلة إلى الأرض من الشمس.

ويشن “العزاوي” هجومًا شديدًا على المستهترين بالبيئة، الذين يصدرون الأوامر بإزالة البساتين والغابات، ويجرفونها لغرض تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية، أو لاستخدام الأشجار في الحرق ، منتقدًا في الوقت ذاته استسهال القائمين على المنظومة الأمنية لهذا الموضوع، حين قاموا بأكبر حملة لتجريف الأراضي الزراعية في المناطق المحيطة بالعاصمة بغداد، من دون أن يكون هناك أي اعتراض أو حتى توجيه من قِبَل الدوائر المختصة في وزارة الزراعة.

“يتحول وصف مناخ العراق بأنه “حار جاف صيفًا بارد ممطر شتاءًا” إلى مجرّد قول تراثي عفا عليه الزمن”

ويصنف الأستاذ المتخصص في الجغرافية المناخية العراق بأنه واحد من البلدان ذات الأمية البيئية العالية، حيث تقع الثقافة البيئية  في ذيل اهتمامات المؤسسات الحكومية والمواطن على حد سواء ، مذكرًا بأن العراق لا يحتوي على تجمعات نصرة للبيئة أو النشطاء المتخصصين في هذا المجال، فضلًا عن قلة اهتمام المؤسسات الأكاديمية بتدريس أو تخريج المتخصصين في مجالات الهندسة البيئية التي يقول: إنها باتت تحتل مرتبة متقدمة جدًا بين اهتمامات الدارسين في عموم دول العالم، والمتقدمة منها على وجه الخصوص.

وبالرغم من إعلان أمانة بغداد عن مباشرتها بمشروع الحزام الأخضر في شباط/ فبراير عام 2012 وبكلفة 10 مليار دينار ليكون ساتر صد للأتربة، وحاجزًا لتنقية الهواء، إلا أن جميع المؤشرات تذهب نحو فشل المشروع في تحقيق أهدافه، في وقت تشير الدراسات الحديثة إلى ارتفاع كبير في نسبة الأراضي المعرضة للتصحر، والتي تجاوزت حاجز الــ90% من المساحة الإجمالية للعراق.

دعوة لاقتناء اسطوانات الأوكسجين المنزلية

إلى ذلك يشير الدكتور “معاذ نزهان الجُبورِيّ” إلى ارتفاع واضح في نسبة المصابين بأمراض الجهاز التنفسي نتيجة التدهور المستمر في الأحوال البيئية، وخصوصًا تزايد عدد العواصف الترابية التي يتعرض لها العراق سنويًا ، مؤكدًا أن المصابين بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة تزداد لديهم حدة الحالة في أوقات العواصف، بينما تظهر الأعراض على الأصحاء بعد فترة يومين أو ثلاثة من انتهاء العواصف.

ويبين الدكتور “الجُبورِيّ” في تصريح لــ”وكالة يقين” أنه وعلى العكس من الاعتقاد بأن أضرار العواصف الترابية تظهر على الجهاز التنفسي، مثل: الربو والحساسية وأمراض الرئة والأنف؛ فإن هذه العواصف تؤثر حتى على صحة القلب والعيون التي تسجل أمراضهما ارتفاعًا ملحوظًا في أوقات هبوب مثل هذه العواصف.

وفي ضوء المعطيات الحالية التي تؤكد تزايد عدد العواصف الترابية خلال الصيف المقبل، وفي ظل محدودية استيعاب أقسام الطوارئ ومراكز الإسعاف؛ فإن الدكتور الجُبورِيّ يدعو أصحاب الأمراض المرتبطة بهذه الظاهرة إلى محاولة الاعتماد على أنفسهم من خلال اقتناء اسطوانات الأوكسجين وملحقاتها، والتدريب على استعمالها ، مبينًا أن هذه التجهيزات الطبية تبدو ضرورية لكل عائلة عراقية، في ظل التدهور المستمر في الأحوال البيئية.

هجرة صيفية للهرب من الغبار

غير أن الحاج “خالد إبراهيم القيسي”، وهو من سكنة “حي اليرموك” في بغداد، يفضل أن يقضي أكبر وقت من فصل الصيف خارج العراق؛ لتقليل نوبات الربو التي تتزايد عليه في أوقات العواصف الترابية، وهو يصطحب عائلته حيث يشترك معه اثنان من أبنائه بالمرض نفسه، ولكن بوتيرة أخف.

ويوضح الحاج “القيسي” لــ”وكالة يقين”، أن العديد من العراقيين وخصوصًا المقتدرين ماليًا دأبوا على تمضية فصل الصيف خارج البلاد، وتحديدًا في تركيا أو الأردن هربًا من الارتفاع غير الطبيعي في درجات الحرارة، والانهيار المتوقع لخدمات الشبكة الكهربائية ، مبينًا أن السبب الجديد لهذه الهجرة الفصلية يعود إلى الكثرة غير المسبوقة في العواصف الترابية، والتي باتت تشكل هي السائدة، وأيام الصحو هي الاستثناء في صيف العراق.

ويخشى “القيسي” من أن تتحول جميع أيام العراق إلى صيف، مثلما حصل في الشتاء الحالي، الذي لم يشهد سوى تساقط الأمطار لمرة أو مرتين، بينما قاربت درجات حرارته في بغداد لدرجات الحرارة المسجلة مع بداية أو نهاية الصيف ، معربًا عن قلقة من غياب مستقبلي لفصل الشتاء في العراق، وأن يتحول وصف مناخ العراق بأنه “حار جاف صيفا بارد ممطر شتاء” إلى مجرد قول تراثي عفا عليه الزمن، مثل العديد من الأشياء في العراق.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات