الأحد 19 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

أهالي الفلوجة.. عائدون "نادمون" أمام صدمة الفوضى والاختطاف

أهالي الفلوجة.. عائدون “نادمون” أمام صدمة الفوضى والاختطاف

قسم التقارير – الأنبار

لم يهنأ أهالي قضاء الفلوجة -كبرى مدن محافظة الأنبار- بفرحة عودتهم إلى مناطقهم، بعد سنوات من النزوح، حتى عاد ناقوس الخطر يهدد أبناءهم بالخطف وسرقة الممتلكات والسطو على محالهم التجارية ومكاتب الصيرفة من قبل المليشيات والعصابات الإجرامية.

تعرضت مدينة الفلوجة إلى عمليات خطف للمدنيين، وابتزاز عدد من التجار وموظفي الدولة، مع عمليات سطو مسلح طالت مكاتب الصيرفة والمحال التجارية، من قبل عصابات مسلحة وجهات تابعة لعدد من المليشيات في محافظة الأنبار.

حَذَرٌ وتَرَقُّبٌ يسودان الشارع الفلوجي؛ مما دعا الأهالي إلى متابعة أبنائهم ومراقبتهم خلال ذهابهم إلى المدرسة، مع مراقبة إضافية لهم خلال خروجهم من المدارس خوفا من الاختطاف من قبل العصابات الإجرامية، فيما شدَّد أصحاب مكاتب الصيرفة والشركات من الإجراءات الأمنية، ونصب كاميرات مراقبة حديثة؛ تحسبًا من هجمات وعمليات سطو مُحْتَمَلة.

رغم إعلان القوات المشتركة والحكومة المحلية في المحافظة بانتهاء العمليات العسكرية، وإعلان السيطرة الكاملة على المدينة، إلا أن العصابات والمليشيات باتت تشكل الخطر الكبير على أمن المدنيين وسلامتهم في أحياء المدينة.

حراسة الأبناء خوفًا من العصابات

“غياب القانون وانتشار العصابات والجريمة سببها عدم محاسبة الفاسدين في الدولة”

لم تشفع له شيبته التي غزت رأسه، ولا يُمَكِّنه بدنه وطول قامته أن يدافع عن أحفاده الأربعة من متربصٍ؛ عَقَد النية لخطفهم، فيداه اللتان ملأتها التجاعيد تتشبثان بأربعة أطفال صِغار لإيصالهم إلى مدرستهم في “حي الجولان” في الفلوجة، هذا حال الحاج “أبو مصطفى”، الذي تجاوز العقد الخامس.

“أبو مصطفى أيوب متعب الراوي”، حلو اللسان طيب المعشر، لا تفارق البسمة والدعاء مُحَيَّاه، تحدث لـ”وكالة يقين”: إن “الوضع الأمني في الفلوجة غير مستقر، وهناك ندم من عودتنا من أربيل إلى الأنبار التي لم تُؤَمَّنْ من الأشرار والعصابات الخارجة عن القانون، والتي اختطفت ثلاثة أطفال قبل أيام من الفلوجة؛ مما ساد الخوف والحذر من تكرار هذه الحالات التي لم نعرفها سابقًا في مدينة عُرِفَت بالأمن والاستقرار في السنوات الماضية”.

حاول “أبو مصطفى” عبور الشارع الرئيسي الذي يفصل منطقة الجولان بقاطعها الجنوبي المعروف بشارع “شعلان أبو الغاز” لإيصال الأحفاد الأربعة إلى مدرسة الكرامة الابتدائية، ويطمئن بدخولهم إلى صفوفهم قبل مغادرة المكان؛ ليستعد بعد ساعات قليلة لجلبهم من المدرسة إلى البيت مرة أخرى.

“الكارثة التي تحدث في الفلوجة تمركز أُسَر تابعة لعناصر المليشيات والمجاميع المشبوهة، التي قد تكون هي المتورطة بتشكيل العصابات”

وأضاف أن “جميع أولياء الأمور يعملون على مراقبة أطفالهم وإيصالهم لمدارسهم، مع منعهم من اللعب في الحدائق والمتنزهات، وتحديد أوقات خروجهم وتجوالهم، إلا بوجود أحد أولياء أمورهم؛ خوفًا من اختطافهم من قبل المليشيات والعصابات الإجرامية، وطَلَبِ الفدية من الأهالي لغرض إطلاق سراح المختطفين”.

وتابع “أبو مصطفى”، أن “غياب القانون وانتشار العصابات والجريمة سببها عدم محاسبة الفاسدين في الدولة، والقيادات الأمنية التي لا تعرف إلا إغلاق الطرق بالحواجز، وملاحقة الأبرياء على أسمائهم المتشابهة، وابتزازهم بِطُرُق غير أخلاقية، وترك العصابات والمليشيات تجوب الشوارع في وضح النهار، وتختطف الأطفال والشباب”.

انتشار حالات الخطف للمدنيين وتكرارها في الفلوجة، وجرائم السطو المسلح التي طالت مكاتب الصيرفة والشركات الأهلية مؤخرًا، مع اعتقال خلية مسلحة في حي الشهداء جنوب الفلوجة؛ مكونة من أربعة مطلوبين، تعمل على ابتزاز المدنيين وتهديد الأثرياء وموظفي الدولة وأصحاب الشركات الاستثمارية.

سُرّاق الليل يتحدون “سرقات تحت دفء الشمس”

يتلفت كثيرًا الحاج “سالم محمود الجميلي”، ويسرع بخطاه كأن عيونًا تراقب ممشاه وترصد حركته خلال دخوله إلى مكتبه للصيرفة في “شارع 40” وسط الفلوجة، ولم يستقر في تحركه حتى راقب كاميرات المراقبة، وضمان عملها من دون توقف؛ لرصد مكتبه الصغير، تحسبًا من عمليات سطو مسلح قد تستهدفه.

وقال “الجميلي” والبالغ من العمر 45 عاما في حديث لـ”وكالة يقين”: إن “القوات الحكومية منتشرة في عموم مناطق الفلوجة، مع وجود نقاط تفتيش وأكثر من سبعة مراكز وأربعة أفواج للطوارئ، وقيادة عمليات شرق الأنبار، وفصائل من الحشد الشعبي، فكيف يُعقَل أن يُنَفَّذ هجوم وعمليةُ سطو مسلح على مكتب صغير للصيرفة وفي وضح النهار!”.

وأوضح أن “العصابات الإجرامية وعناصر المليشيات لم يَرُقْ لهم السرقة في الليل، وفضلوا النهب والإجرام في وضح النهار، وتحت أشعة الشمس الدافئة، ولم يُعتَقَل أي مطلوب بسرقة مكتب صيرفة الأخوين القريب مني في شارع 40 وسط الفلوجة”.

وانتهى بالقول: إن “القوات الحكومية لا تمتلك خبرة في حفظ أمن المواطن وسلامته، ولا تستطيع كبح عناصر المليشيات التي تحول مهام عملها من القتل وسفك الدماء إلى السرقة والخطف والسطو المسلح؛ لإشباع رغباتهم في جمع الثروات على حساب الأبرياء، ممن لا حامي لهم في غابة الخوف”.

البطالة ووجود الغرباء: أبرز الأسباب

مطالب جماهيرية من مختلف شرائح المجتمع الفلوجي من شيوخ العشائر والوجهاء وعلماء الدين والنُّخَب المثقفة بإخراج الغرباء من الفلوجة، ومنع دخول وسكن العوائل غير المعروفة من خارج الفلوجة لداخلها.

“الازمة الاقتصادية وتفشي ظاهرة البطالة بين الشباب؛ من أبرز أسباب وقوع الجرائم في العراق”

وقال الشيخ “محمد الجريصي” أحد شيوخ ووجهاء الفلوجة في حديث لـ “وكالة يقين”: إن “هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى ظهور الجريمة وعمليات السطو والاختطاف، سببها أولا دخول وتمركز الأُسَر الغريبة في الفلوجة، التي جاءت من عدة محافظات عراقية، وخصوصًا من العوائل المُشتَبَة بها، التي لا نعرف أصلها وسبب وجودها”.

وأضاف أن “الكارثة التي تحدث في الفلوجة تمركز أُسَر تابعة لعناصر المليشيات والمجاميع المشبوهة، التي قد تكون هي المتورطة بتشكيل العصابات وخلايا السطو المسلح”.

مشيرًا أن “الحكومة المحلية والمنظمات الدولية أكدت في إحصائيات أولية أن نسبة العاطلين عن العمل أكثر من 60 % في محافظة الأنبار، والنسبة الأكبر منها في الفلوجة، لكونها الأكبر في المساحة السكانية والرقعة الجغرافية، وهذه النسبة مخيفة شكلت جيوشًا من العاطلين يكونون أكثر عرضة للاستهداف، من قبل المليشيات والخلايا المجرمة التي تستقطب العاطلين في سلك دروب القتل والسطو والسرقة والاختطاف”.

الفلوجيون في حال ترقب وخوف دائم

“تلك المِحَن والويلات التي يعانيها أهالي الفلوجة؛ جعلتهم يندمون على يوم الرجوع إليها”

فيما كشف مصدر في شرطة محافظة الأنبار في حديث لـ”وكالة يقين”، أن الحالات التي سجلت مؤخرًا في الفلوجة، من اختطاف الأطفال والسطو المسلح؛ نتيجة الأزمة المالية التي تعيشها الأنبار، وارتفاع نسبة الفقر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة الجريمة، ونشوء عصابات جديدة لم نعرفها سابقا”.

وأضاف المصدر -الذي طلب عدم الكشف عن اسمه- أن “قوات الشرطة متواجدة في كافة مناطق الفلوجة، وما حدث من عمليات اختطاف وسطو مسلح على عدد من المحال ومكاتب الصيرفة، فالتحقيقات جارية لملاحقة المطلوبين والمتورطين بهذه الجرائم”.

مبينًا أن “أغلب الجرائم التي تنفذ في الفلوجة تم كشفها، واعتقال المطلوبين والمتورطين، وحالة الخطف التي سجلت قبل أيام؛ تم تحرير الطفلة في بغداد واعتقال المُختَطِف”.

مسؤول محلي: تم كشف جميع الجرائم

وبيّن عضو مجلس محافظة الأنبار “عذال الفهداوي”، أن “جميع الجرائم تم كشفها، وهناك لجان تحقيق شُكِّلَت من قبل القوات الحكومية بالمحافظة؛ لملاحقة المتورطين -رغم قلة حدوثها- في مدن المحافظة”، لافتًا إلى أن “ما حدث مؤخرًا من جرائم؛ تحدث أيضًا في المحافظات العراقية، وفي بلدان عربية وأجنبية”.

وأضاف الفهداوي في حديثه لـ”وكالة يقين”: إن” الوضع الأمني مستقر في جميع أقضية الأنبار ونواحيها، ولم تحدث جرائم كبيرة، وهناك بعض الجهات تحاول تضخيمها، وقوات الشرطة اعتقلت عددًا ممن تورطوا بعمليات السرقة والسطو المسلح”، على حد قوله.

ويشير عضو المجلس، إلى أن” الأزمة الاقتصادية وتفشي ظاهرة البطالة بين الشباب؛ من أبرز أسباب وقوع الجرائم في العراق، ولكن الأنبار تعيش وضعًا أمنيًا مستقرًا ومسيطرًا عليه، وكافة الجرائم التي حدثت مؤخرًا تم اعتقال المطلوبين مع وجود تحقيقات موسعة في كل قضية من قبل القوات الحكومية”.

تلك المِحَن والويلات التي يعانيها أهالي المدينة؛ جعلتهم يندمون على يوم الرجوع إليها، بعد أن كانوا يرسمونه في مخيلاتهم بـ”يوم المُنى”، فإن عمليات الخطف والسطو المسلح وانتشارها بعد سيطرة الميليشيات على مقاليد الأمور، ومنافذ المدينة؛ باتت تؤرق أجفان الأهالي، وتهدّد أمنهم، وتُسْهِر ليلهم.

وما زال الخوف والترقب جاثمًا على الصدور، ويتساءل الناس –في أمل- هل ثَمَّة فرج قريب؟ هل من يعيد الأمان إلى النفوس، وإلى ربوع مدينة الفلوجة، وشوارعها وأزقتها، لتنام المدينة هانئة على ضفاف الفرات.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات