الإثنين 19 فبراير 2018 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

"الحويجة".. تهجير قسري وهدم للمنازل على يد الميليشيات

“الحويجة”.. تهجير قسري وهدم للمنازل على يد الميليشيات

قسم التقارير – التأميم

الانتماء لـ”تنظيم الدولة” تهمة أصبحت تلاحق كل من ترغب القوات الحكومية والميليشيات السيطرة على قريته، أو نهب ممتلكاته، أو تغيير ديموغرافي لمنطقته، في وقت يهنأ من دمّر المدن بالعمليات العسكرية بالمخصصات والمناصب، فـ”تنظيم الدولة” أصبح الذريعة التي تستخدمها إيران وأتباعها في الداخل؛ لتحقيق أطماعها الفكرية والإستراتيجية.

ونشرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” مؤخرًا تقريرًا؛ كَشَف عن عمليات تهجير قسري لأهالي “الحويجة” جنوب غرب “كركوك”، وبعض القرى والمدن الأخرى المجاورة؛ قامت بها القوات الحكومية بالتنسيق مع ميليشيا “الحشد الشعبي”، واستهدف عوائل يُشتَبَه بارتباطها بأواصر قرابة مع عناصر من “تنظيم الدولة”، وأكد مسؤولون عن المخيمات، وعاملون في منظمات دولية؛ تهجير أكثر من 235 أسرة من مدنهم وقراهم، فيما عمدت ميليشيات “الحشد” على إحراق وتدمير منازلهم ومزارعهم، وسرقة ممتلكاتهم وماشيتهم، وإجبار البعض على ترك أبنائه، في جريمة تعتبر انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية والمعايير الإنسانية، بحسب التقرير.

تهجير قسري حكومي للأهالي

وأكدت “لمى فقيه”- نائبة مدير قسم الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش“، أن العراق لم يطوِ صفحة “تنظيم الدولة”، ولم يستطيع فرض السلام في المجتمع، في حين تمارس القوات الحكومية تهجيرًا قسريًا ممنهجًا وغير قانوني، حيث لا يمكن أن يؤدي تواطؤ الحكومة في تعميق انقسام المجتمع العراقي إلى أي نتيجة إيجابية، مضيفة أن الحكومة العراقية تحكم على هذه العوائل بمستقبل قاتم، في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وانعدام التعليم، وذلك من خلال التهجير القسري للمدنيين، مطالبة الحكومة باتخاذ كافة الإجراءات لحماية المدنيين، والقيام بواجبها؛ لتجنب هذه الممارسات التي ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية.

” الشعب العراقي بأكمله فقد حقوقه، وليس فقط المتهمين بقضايا إرهاب، كما أن الملف الأمني في العراق ليس بيد جهة واحدة”

وتحدث تقرير المنظمة الدولية، عن توزيع هذه العائلات بين ثلاثة مخيمات، أهمها: “مخيم داقوق”، حيث غادرت هذه العائلات مدنهم منذ سيطرة “تنظيم الدولة” عليها، إلاّ أنهم عادوا لها بعد استعادة هذه المدن، من قبل القوات الحكومية عام 2017، وكانت قرى “العلوية الجديدة، كرحة غازان، خريفي، كيصومة، كفاح، مفتول، مراتة، مرابطة، وسيد حميد”؛ قد تعرضت لتهجير قسري لسكانها، وهدم لمنازلهم، والاستيلاء على مواشيهم وممتلكاتهم.

المواطن “عمر” وزوجته، كانا من ضحايا هذه الجريمة، حيث تم اقتحام منزلهما من قبل عناصر من ميليشيا “الحشد”، وتخريب منزلهما؛ انتهاء باعتقالهما، ومنعهما من اصطحاب أبنائهما الأربعة. وفي حديثه لـ”وكالة يقين”، روى “عمر” لحظات يصعب على العقل تصديقها، حيث تم اصطحابه وزوجته إلى مقر لميليشيا “الحشد الشعبي“، وبعدها تم اصطحاب زوجته بمفردها إلى مخيم “داقوق”، فيما نقل “عمر” إلى معسكر للجيش، وتم احتجازه فيه لمدة أسبوع كامل، وسط ظروف غير إنسانية، ومحاولات لانتزاع اعترافات منه تحت سطوة التعذيب والإكراه.

ويضيف “عمر”، أن زوجته حاولت الحصول على أي طريقة للتواصل مع أبنائها، لكن الخروج من المخيم كان مستحيلًا، حتى الذهاب إلى المستشفى كان ممنوعًا، حيث تم مصادرة أوراقهم الثبوتية، وبعد أيام أُطلِق سراح “عمر”، والتحق بزوجته في مخيم “داقوق”، التي وجدها قد اجتمعت –أخيرًا- بأبنائها، بعد جلبهم لها من قبل أحد جيرانهم، بعد أسبوع على وجودها في المخيم.

التهجير القسري “جريمة حرب”

ذكر تقرير “هيومن رايتس ووتش”، أن تهجير الأُسَر من قراهم؛ حدث في أوائل كانون الثاني الماضي، ورصد التقرير، أن تدمير المنازل وتجريفها؛ حدث بين الثالث والتاسع من الشهر نفسه، وبين التقرير، أن إحدى المعايير الدولية الأساسية أن تقع عقوبة الجرائم على مرتكبيها فقط، بعد محاكمة عادلة تُحَدِّد الذنب الشخصي، أما فرض عقاب جماعي على الأُسَر، أو القرى، أو المجتمعات المحلية؛ فمحظور كليًا، ويرتقي إلى جريمة حرب، خاصة إذا أدى إلى نزوح جماعي.

“الحويجة وما حولها تشهد هجرة عكسية بفعل المضايقات المستمرة على الأهالي”

ويحظر قانون الحرب التهجير القسري للمدنيين، إلاّ في حالات محدودة، إذا كان التهجير ضروريًا لحماية المدنيين، أو لضرورات عسكرية فقط، ولغاية مدة محددة بزمن، وبموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ فإن إصدار أمر غير قانوني بتهجير المدنيين خلال النزاع؛ يُعَدّ جريمة حرب، أمّا التهجير القسري غير القانوني والممنهج الذي تفرضه الدولة، أو أي مجموعة منظّمة؛ فهو يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية.

من جانبه أكد الخبير القانوني “عبد الستار رمضان”، في حديثه الخاص لــ”وكالة يقين”، أن جميع قوانين العالم والدساتير تشدد على مبدأ واحد، وهو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، بمحاكمة قانونية عادلة، مبينًا أن العقوبة شخصية، أي: إنها لا تمتد لأي شخص، ما عدا الشخص الذي يرتكبها، وبالتالي لا يتحمل أي فرد ذنب جريمة ارتكبها أحد أقاربه، مؤكدًا أن الدستور العراقي واضح بمضامينه التي تخص حق الفرد بالعيش بالمكان والبيئة التي يختارها، مشددًا على أن تَصَرُّف الحكومة هذا يتنافى مع ما ينص عليه الدستور بهذا الخصوص، كما حمّل أعضاء مجلس النواب -لاسيما نواب “كركوك”- مسؤولية الدفاع عن مكوناتهم؛ باعتبارهم يمثلون الشعب، وعليهم الدفاع عنه وعن حقوقه، كما طالب النقابات والمنظمات بتحمل مسؤوليتها في الدفاع عن هؤلاء، الذين تحمّلهم الدولة مسؤولية أفعال إجرامية ارتكبها غيرهم.

وأضاف “رمضان”، أن الشعب العراقي بأكمله فقد حقوقه، وليس فقط المتهمين بقضايا إرهاب، كما أن الملف الأمني في العراق ليس بيد جهة واحدة؛ بل هو بيد مجموع من الأطراف؛ لذا فعملية الدفاع عن هذه العوائل؛ يتوقف على الجهة التي تسيطر على المناطق التي يتواجدون فيها.

إهمال حكومي متعمّد لمناطق غرب كركوك

الإهمال الحكومي المتعمد لمناطق وقرى “الحويجة” وغيرها، وتأخر انطلاق عمليات استعادتها من “تنظيم الدولة” في حينها؛ جعل من تلك المناطق مدنًا معزولة عن العالم، ومناطق يعيش أهلها فقرًا مُدقِعًا، فضلًا عن النقص الشديد في الخِدْمات والبُنى التحتية، ثم يأتي العقاب الحكومي لأهالي تلك المناطق؛ بحجة الانتماء ومساعدة “تنظيم الدولة”.

“تقع المسؤولية الكبيرة على عاتق الدولة في خلق بيئة مناسبة لعودة النازحين”

وتحدث رئيس “الكتلة العربية” في مجلس محافظة “التأميم” “برهان العاصي” لـ”وكالة يقين”، عن الحيف والظلم الذي عانت منه مناطق غرب “كركوك”، مبينًا أن مدن “الحويجة” وما حولها تشهد هجرة عكسية بفعل المضايقات المستمرة على الأهالي، وأن أحزابًا وكيانات استخدمت ملف “الحويجة” و”كركوك” عمومًا لأغراض سياسية وانتخابية.

وبشأن التركيز والمضايقات الحكومية على مناطق غرب “كركوك”؛ أكد “العاصي” أن هذا الأمر طبيعي نتيجة لتأخر استعادة تلك المناطق، حيث تركز وجود عناصر “تنظيم الدولة” فيها، ولجأوا إليها بعد استعادة المناطق التي كان تحت سيطرتهم، لذا فإن الحكومة صبت جام غضبها على تلك المناطق، متهمة إياها بـ”حاضنة للإرهاب”.

ويضيف “العاصي”، أن هذا ليس من العدل والإنصاف بمكان، أن يعاقَب عموم الأهالي! وقد ينجو المُدان!، فعلى الحكومة إجراء تحقيق عادل، ومحاسبة الجاني، وإطلاق سراح البريء -بحسب “العاصي-، والذي طالب أيضًا الجهات الحكومية بفرض الأمن والعدالة داخل هذه المناطق، التي تعاني أوضاعًا أمنية هشه وانتهاكات إنسانية، محذرًا من تأثير الانتخابات على الوضع في هذه المناطق، وجعلها ضحية لتحقيق أغراض سياسية ومصالح انتخابية.

تصفية حسابات مجتمعية.. والحكومة متفرجة

وتقع بعض المناطق المستعادة من “تنظيم الدولة” في أزمة جديدة، تتلخص بتصفية الحسابات بين أبناء هذه المناطق، فبعض الذين تعرضوا للأذى من سيطرة “التنظيم” على مناطقهم؛ لجأوا اليوم إلى الانتقام من العائلات التي انتمى أبناؤها للتنظيم؛ متناسين أن تطور هذا الانتقام قد يدخلنا بحرب أهلية بين سكان المدينة الواحدة، لاسيما وأن هذه المدن يغلب عليها الطابع العشائري. ويعود سبب هذه الظاهرة إلى عجز القوات الحكومية في فرض الأمن والقانون في هذه المناطق، وتجاهل الواقع الاجتماعي لها، فانشغال أصحاب القرار بالانتخابات، وأموال إعادة إعمار هذه المناطق؛ جعلها في معزل عن واقعها الاجتماعي والأمني.

حيث أكد مدير “دائرة الهجرة والمهجرين” في “كركوك” “عمار صباح” في حديثه لـ”وكالة يقين”، على أهمية القيام بمصالحة اجتماعية بين النسيج الاجتماعي الموجود في المناطق المستعادة، معتبرًا أن هذه الخطوة جزء لا يتجزأ من عمليات الاستعادة، وفرض الأمن على هذه المناطق، مشددًا على أهمية هذه الخطوة في عودة الحياة إلى طبيعتها، وعودة النازحين بشكل يوفر لهم بيئة طبيعية للعيش في مدنهم، مؤكدًا أن “كركوك” تضم سبعة مخيمات، يضم أغلبها نازحي “الحويجة”، كاشفًا عن أن أغلب النازحين لم تثبت بحقهم أي مؤشرات أمنية.

وتقع المسؤولية الكبيرة على عاتق الدولة في خلق بيئة مناسبة لعودة النازحين، وتصفية الأجواء بين أبناء المدينة الواحدة، لا أن تطلق يد الميليشيات لتعمق الخلاف، وتصادر الحقوق، وتجرف المزارع والمنازل، فالتبجح الحكومي باستعادة المناطق من سيطرة “تنظيم الدولة” غير منطقي، في وقت يعيش فيه أبناء هذه المناطق انتهاكات إنسانية وتصفية حسابات، وانعدام في البُنى التحتية، والتعرض للخطف والاعتقال والابتزاز، فانشغال صناع القرار بالحفاظ على مناصبهم، والتوجه إلى الانتخابات؛ جعل من أبناء هذه المناطق مجرد رقم انتخابي في صندوق الاقتراع، لا يكترث أحد لحقوقه، وواجبات الدولة تجاهه.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات