الخميس 26 أبريل 2018 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

البصرة.. السلطة في قبضة العشائر والحكومة تكتفي بدور الوسيط

البصرة.. السلطة في قبضة العشائر والحكومة تكتفي بدور الوسيط

قسم التقارير – البصرة

باتت النزاعات والمعارك العشائرية جزءا طبيعيا من الحياة اليومية لسكان مدينة البصرة “جنوب العراق“، في ظل انتشار غير مسبوق للأسلحة، وبكافة أنواعها ، فيما اكتفت السلطات الحكومية وأجهزتها الأمنية بدور الوسيط أو المتفرج ، في وقت يؤكد أحد شيوخ المنطقة؛ أن السعي للهيمنة على الواردات المالية والاقتصاد في المحافظة؛ يمثل أحد دوافع هذه النزاعات التي ألحقت ضررًا كبيرًا بمختلف الخدمات والمصالح العامة.

وبالرغم من أن المعارك العشائرية تنتشر بشكل أساسي في محيط البصرة وأطرافها؛ إلا أنها تندلع أحيانًا في أحياء المدينة وحتى مركزها، حيث تكون زخات الرصاص بمثابة جرس الإنذار للأهالي، الذين يأخذون احتياطاتهم بشكل مباشر؛ فيقوم صاحب المحل بإقفاله وسائق السيارة بالعودة المباشرة إلى المنزل أو أقرب مكان آمن، وكذلك الحال بالنسبة لموظفي الدوائر وطلبة المدارس الذين يتم إخلاؤهم وإيقاف الدوام لحين انتهاء المعارك التي تتواصل في بعض الأحيان لعدة أيام.

صراع على المنافذ وعمولات الشركات

“تعنت الأطراف المتنازعة وامتناع الجهات الأمنية عن التدخل؛ يفضي إلى واقع يفرض فيه القوي سلطته ونفوذه على الضعيف”

وبحسب عضو مجلس أعيان وحكماء البصرة الشيخ “محمد رضا الموسوي”؛ فإن النزاعات في المدينة تنقسم إلى قديمة وتقليدية تمتد لأكثر من عشرين سنة ماضية، وهي الأصعب لتشعبها بين أطراف عديدة، وتعلقها بمشاكل ضخمة، وأخرى حديثة تنشأ بسبب خلافات على الأراضي والعائدات المالية، وغيرها .

ويكشف “الموسوي” لــ”وكالة يقين”، أن المشاكل العشائرية في الماضي كانت تتعلق بجرائم قتل أو نهب أو اعتداء على حرمات المنازل، ولكنها اليوم تطورت إلى خلافات ومعارك بشأن السيطرة على واردات المنافذ الحدودية والتجارة، وتعويضات الشركات المتخصصة بالتنقيب عن النفط، أو بناء المشاريع الاستثمارية، مضيفًا أن هذه الخلافات تدور حول السيطرة على أموال ضخمة، ولا يمكن لأي طرف من الأطراف المتنازعة أن يتنازل للآخرين عن هذه الأموال.

“المعارك الطاحنة الدائرة في البصرة تشهد سقوط ضحايا وجرحى من المتقاتلين”

ويتابع الشيخ الموسوي: إن ضخامة المصالح التجارية التي تدور حولها النزاعات من جهة، ووفرة الأسلحة والشباب لدى العشائر من جهة أخرى؛ تجعل من جهود الوساطة والصلح صعبة، وربما مستحيلة في بعض الأحيان ، مبينًا أن تعنت الأطراف المتنازعة وامتناع الجهات الأمنية عن التدخل؛ يفضي إلى واقع يفرض فيه القوي سلطته ونفوذه على الضعيف، وهي الحالة السائدة في المحافظة حاليًا.

ومع تنوع هذه الصراعات وتعددها؛ إلا أن أهالي البصرة يؤكدون أن أشرس المعارك تدور بين الحين والآخر، بين عشائر الكرامشة والحلاف في منطقة الهارثة، والبطوط والحمادي في منطقة كرمة علي، وبني مالك وعشيرة البخاترة في منطقة أبو صخر، وهي جميعًا معارك تستخدم فيها جميع أنواع الأسلحة من الخفيفة والمتوسطة، فضلًا عن القذائف الصاروخية والقنابل اليدوية .

الشرطة لا تتدخل والجيش يلعب دور الوسيط

وبهذا الخصوص يشير “رائد لفتة الفرطوسي”- مدرس في ثانوية “قمر بني هاشم”، أن المعارك في ناحية “كرمة علي” حيث يعمل ويسكن، تستمر أحيانًا لمدة أسبوع كامل من المواجهات بين العشائر المدججة بمختلف أنواع الأسلحة ، لافتًا إلى أن كل حادثة أو مشكلة بسيطة وحتى الخلاف على تشجيع فِرَق كرة القدم؛ ممكن أن يتحول إلى معركة طاحنة، تُستَخدَم فيها قذائف “الار بي جي 7″ وصواريخ الكاتيوشا ، فلدى كل عشيرة بمخزون كبير من هذه الأسلحة .

ويبين الفرطوسي لــ”وكالة يقين“، أن المعارك الطاحنة الدائرة في البصرة تشهد سقوط ضحايا وجرحى من المتقاتلين، أو المدنيين الذين يتم استهدافهم بشكل خاطئ، ويتم اعتبارهم خسائر جانبية لهذه المعارك “على حد وصفة” ، متابعًا بأن الخسائر لا تقتصر على العنصر البشري فحسب؛ بل وتتعداه إلى خسائر مادية في الأملاك الخاصة والعامة .

“تنظيم العشرات من التجمعات والمؤتمرات الخاصة بتحريم الاقتتال العشائري وتجريم مرتكبيه، لم يؤدِّ إلى نتائج كبيرة على أرض الواقع”

ويوضح الأستاذ الثانوي، أن منطقتهم عاشت لعدة أيام محرومة من التيار الكهربائي؛ بسبب تضرر المحولات وأبراج النقل، وانقطاع الأسلاك جراء المعارك، بالإضافة إلى مشروع تحلية وضخ الماء الصافي، بينما أغلقت مدرستهم أبوابها في إحدى المرات لثلاثة أيام متتالية؛ لأنها كانت تقع ضمن منطقة عمليات عشائرية.

وبشأن الدور الحكومي في إيقاف هذه المعارك؛ يؤكد الفرطوسي أن الشرطة لا تتدخل أبدًا، وفق قاعدة متعارف عليها في المدينة، بينما يقتصر دور الجيش على مراقبة الوضع وحث الأطراف على إنهاء النزاع والجلوس لطاولة الحوار ، لافتًا إلى أن مجمع قيادة العمليات في المدينة يضم مضيفا مبنيا من القصب مخصصا فقط لاستضافة زعماء وشيوخ الأطراف المتحاربة، وبذل محاولات لإقناعهم بالتصالح وإيقاف المعارك.

وكانت وزارَتا الدفاع والداخلية قد أعلنتا في السنوات الماضية عن شن أكثر من 5 عمليات عسكرية واسعة في البصرة، وكان آخرها قبل شهر؛ بهدف مصادرة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وفرض القانون، وسط تأكيدات من السكان عن عجز هذه العمليات وعدم جدواها في التقليل من حجم العنف المستشري في المدينة.

الأمم المتحدة تدخل على الخط

من جهته يرى عضو لجنة فض المنازعات العشائرية في البصرة “الشيخ رائد الإبراهيمي”، أن تنظيم العشرات من التجمعات والمؤتمرات الخاصة بتحريم الاقتتال العشائري وتجريم مرتكبيه، لم يؤدِّ إلى نتائج كبيرة على أرض الواقع ، مشيرًا إلى أضخم هذه المؤتمرات، والذي عقد في عام 2016، وتمخض عنه التوقيع على وثيقة لإيقاف النزاعات العشائرية، وحملت تواقيع أكثر من 110 من شيوخ العشائر.

ويشير الإبراهيمي في حديثة لــ”وكالة يقين”، إلى أن حجم المشكلة تجاوز الوساطات المحلية، ووصل الأمر إلى تدخل الأمم المتحدة، ممثلة بـ”بعثة يونامي”، التي أوفدت إلى البصرة وفدا مؤلفا من مسؤولين ينتمون إلى خمسة بلدان، وحاولوا التوسط في إنهاء الصراع العشائري، ولكن جهودهم لم تثمر عن شيء حتى الآن .

ويعرب عضو لجنة فض المنازعات عن يقينه بوقوف أطراف مستفيدة من هذه المعارك، وراء عدم التوصل إلى أي اتفاق أو صلح بين الأطراف المتحاربة ، متهمًا مافيات السلاح وتجاره بإدامة الصراع الذي يقول: إنه يعود عليهم بفوائد خيالية، خصوصًا وأن أحدهم حصل -وبفترة وجيزة- على 200 مليون دينار من مبيعات السلاح والذخائر إلى العشائر المتحاربة في منطقة الهارثة، والأمر ينطبق على بقية التجار .

برلمانية : الإعلام يضخم حجم المشكلة

لكن البرلمانية عن محافظة البصرة، والعضو في ائتلاف دولة القانون “عواطف نعمة”، ترى أن النزاعات العشائرية تحصل في كل مكان وزمان وهي تعد قليلة جدًا في مدينة البصرة التي قالت: إن الحكومة باتت تفرض سيطرتها هناك، ولا تسمح للعشائر ببسط نفوذها على المدينة.

واعتبرت “نعمة” في حديث متلفز تابعته “وكالة يقين”، أن هناك مشاكل لا يمكن للقانون أن يحلها، ولكن العشائر تستطيع حلها، بينما زعمت أن استخدام الأسلحة المتوسطة في المعارك العشائرية بالبصرة هي حالة نادرة ، متهمة الإعلام بتضخيم هذه الأشياء والمبالغة فيها.

وبالعودة إلى الأستاذ “بشير الفرطوسي” لأخذ رأيه بتصريحات النائبة “نعمة”؛ فإنه يدعوها إلى زيارة المحافظة، ومعايشة يوم واحد من الحرب العشائرية التي تستخدم فيها ترسانة من الأسلحة، تبدأ بالرمانات اليدوية ولا تنتهي حتى بمدافع مقاومة الطائرات، التي يؤكد أنها موجودة بكثرة، وشاهدها حتى الأطفال.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات