الجمعة 21 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

ملف إعادة الإعمار.. إنهاكٌ للعراق بالديون وإعمارٌ لجيوب الفاسدين

ملف إعادة الإعمار.. إنهاكٌ للعراق بالديون وإعمارٌ لجيوب الفاسدين

قسم التقارير – العراق

إعادة الإعمار، ملف قديم جديد عمره 14 عامًا، يقتاتُ عليه الفاسدون الذين حكموا العراق منذ العام 2003، ولا يزال هذا الملف يدرُّ لجيوب الفاسدين في الحكومة ملايين الدولارات، من دون أن يرى العراق منها شيئًا، فلا إعمارًا أُعيد، ولا مُدنًا دمّرتها العمليات العسكرية وقفتْ على أعمدتها، فالحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق منذ الاحتلال ما بعد 2003 لم تُقدّم إنجازًا سوى مزيدٍ من عمليات الهدم، لا الإعمار الذي وعدنا به المحتل الأمريكي ومن جاء معه وجاء به، ومن صور “إعمار” المُحتل وأذنابه من الحكومة الحالية: هدمٌ لمؤسسات الدولة التي كانت قائمة، هدمٌ للنسيج الاجتماعي بزرع الطائفية وتعميقها بين أطياف الشعب العراقي، الذي لم يعرف الطائفية إلاّ بعد مجيء تلك الزمرة، هدمٌ للقيم المجتمعية والروابط الوطنية، هدمٌ للمُدن بذريعة “تحريرها” من تنظيم الدولة، حتى غدت تلك المُدن -السُنيّة منها على وجه الخصوص- أثرًا بعد عينٍ، جرّاء العمليات العسكرية التي طالتها بحجة استعادتها من تنظيم الدولة، فضلًا عن تشريد أهلها في مخيمات النزوح أو الهجرة خارج العراق، والرحمة على من واراهُ التراب منهم.

تعمّد حكومي في تأخير إعادة الإعمار

“الفساد الحكومي المستشري يجعل العراق رهينة للبنك الدولي من خلال القروض الهائلة التي اقترضها بحجج إعادة الإعمار”

الكاتب والباحث في الشأن العراقي (نظير الكندوري) يرى أن “الحكومة الطائفية في بغداد تتعمَّد إلحاق أكبر الضرر والتدمير في المدن السنية وتأخير إعادة إعمارها لأطول فترة ممكنة، وذلك من خلال نقل ملف إعادة إعمارها إلى الدول المانحة، لأنها تعرف تمامًا أن ما تجود به تلك الدول سيكون غير كافٍ لإعمارها بسبب حجم الدمار الكبير الذي لحق بها، وتخوّف الدول المانحة من تسليم الحكومة العراقية أموالًا كبيرة، لأنها تعرف أيضًا أن تلك الأموال لن تذهب إلى عمليات إعادة الإعمار، إنما إلى جيوب الفاسدين فيها، وقد جرّبوا ذلك مرارًا من قبل”.

ويضيف (الكندوري) في حديثه لـ”وكالة يقين” أن  “نقل ملف إعادة إعمار المدن المُستعادة إلى الدول المانحة سيكون فيه تأخير كبير، تهدف من خلاله حكومة بغداد إلى جعل المواطنين العرب السُنّة في حالة يأس من الرجوع إلى أراضيهم، وهو هدف تسعى له بقوة، لكيلا يشكلوا تجمعًا سكانيًا كبيرًا وثقلًا ديموغرافيًا يؤثر على نتائج الانتخابات القادمة، أو يشكل عائقًا أمام الخطط التي تهدف الإدارة الإيرانية انتهاجها في العراق، فحكومة بغداد حاولت تدمير المدن السُنية بحجة الحرب على تنظيم الدولة، والآن تماطل في إعادة إعمارها، وتهدف من ذلك الحيلولة دون عودة قريبة لأهالي تلك المدن إليها، ليس قبل إتمام انتخابات 2018 على الأقل التي تسعى الأحزاب الشيعية إلى إحراز الأغلبية فيها على حساب السنَّة.

وتابع (الكندوري)، “ستجعل المشاركة الضئيلة المتوقعة من السُنَّة في تلك الانتخابات بسبب ظروف النزوح واللجوء، إظهار السُنَّة بمظهر الأقلية غير المؤثرة، والذي يتلاءم تمامًا مع الترويج الإعلامي لتلك الأحزاب، من أن العرب السُنَّة ما هم إلاّ أقلية في العراق، والدليل على ذلك: ضآلة حجم أصواتهم الانتخابية، الأمر الذي جعل رئيس البرلمان (سليم الجبوري) يركض سريعًا للولايات المتحدة، عسى أن تساعده في تأجيل الانتخابات لكي لا يخسر السياسيون السُنّة ناخبيهم في الانتخابات القادمة،  ونسي الجبوري أن من يتولى الأمر بالعراق سوف يبقون السُنَّة بعيدًا عن ديارهم ويبقونهم في مخيمات النزوح، طالما لا توجد انتخابات، ومساعيه في تأجيلها ما هي إلا جهود تصب في إطالة معاناتهم ومنع رجوعهم لأراضيهم، وكان الأولى له أن يستعمل حظوته عند الأمريكان -إن كانت لديه حظوة- في سبيل الإسراع بتعمير مدنهم وإرجاعهم إليها”.

خطة مدروسة لإنهاك سُنّة العراق

أدّت العمليات العسكرية التي شهدتها المُدن السُنية خلال معارك استعادتها من تنظيم الدولة إلى دمار كبير من شأنه أن يغيّر حتى من خارطة تلك المُدن، فمثلًا مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار بلغت نسبة دمارها نحو 80%، كما صرّح عضو مجلس محافظة الأنبار (عذال الفهداوي)، بل إن بعض الأحياء في الرمادي بلغت نسبة الدمار فيها 95% مثل حي البكر وحي الأرامل، بحسب قائد عمليات الأنبار السابق إسماعيل المحلاوي.

“عملية إعادة الإعمار في العراق التي كان من المفترض أن تنطلق في عام 2003 تعطّل انطلاقها ليس بسبب العمليات العسكرية وانعدام الأمن فحسب؛ بل بسبب فشلٍ سياسي مزمن”

أما مدينة الموصل، فإن أحياءً منها مُسحت بالكامل وغدت أنقاضًا، كما في بعض أحياء الجانب الأيمن من المدينة، وقدّر رئيس مجلس نينوى (بشار الكيكي) نسبة الدمار في عموم الموصل بـ80%، وبحسب منظمات مدنية وناشطين محليين في الموصل؛ فإنه تم تدمير 63 دار عبادة بين مسجد وكنيسة، غالبيتها تاريخية، و308 مدرسة، و12 معهدًا، فضلًا عن تدمير جامعة الموصل وكلياتها، وكذلك دُمّر 11 ألف منزل، و4 محطات كهرباء، و6 محطات للمياه، و212 معملًا وورشة، و29 فندقًا، ومعامل للغزل والنسيج والكبريت والإسمنت والحديد، ودائرة البريد والاتصالات، كما شمل التدمير 9 مستشفيات و76 مركزًا صحيًا، ومعمل أدوية.

وأقرّ بنسبة الدمار الكبير الذي طال الموصل رئيس لجنة الخدمات في البرلمان العراقي (ناظم الساعدي) بقوله: “الموصل منكوبة فعليًا، فالدمار أصاب 80 بالمائة من جميع مرافقها”.

الكاتب (نظير الكندوري) أكد لـ”وكالة يقين” وجود خطة مُعدة سلفًا لإضعاف المكوّن السُني في العراق وإنهاكه وتشتيته، مُعلّقًا على الأمر: “إذا ما رجعنا إلى تقديرات الخبراء الاقتصاديين؛ فإن حجم الدمار في المحافظات والمناطق المُستعادة كبير جدًا، لدرجة يحتاج العراق لإعمارها إلى ما لا يقل عن 10 سنوات، وبكلفة تتجاوز قيمتها 100 بليون دولار، وإذا ما علمنا أن تأمين مثل هذا المبلغ يكاد يكون مستحيلًا في الظروف الراهنة، فهذا يعني أن الخطط الإيرانية قد آتت أُكلها، والمكون العربي السني قد تلقى ضربة ليس من السهل تجاوزها، وحتى لو توفرت الإرادة لإعمار مدنهم بمساعدة من دول العالم، فإن زمن إعمارها سيأخذ وقتًا طويلًا يكفي لوكلاء طهران في العراق، من استكمال خططها بقضم العراق بأكمله. والمدن التي احتلها تنظيم الدولة وقامت الحكومة وميليشياتها باستعادتها عبر تدميرها تمامًا، قد أدت إلى نزوح أربعة ملايين شخص إلى باقي محافظات العراق، لاسيما محافظات كردستان، الأمر الذي رفع معدلات الفقر بينهم من 20 إلى 41%، ومضاعفة معدلات البطالة من 11 إلى أكثر من 21% خلال الفترة نفسها”.

فسادٌ جعل العراق رهينة للبنك الدولي

الفساد الحكومي المستشري يجعل العراق رهينة للبنك الدولي من خلال القروض الهائلة التي اقترضها بحجج إعادة الإعمار، والأمر ليس جديدًا وإنما بدأ منذ العام ألفين وثلاثة، حيث شجّعت –وما تزال- إيران والولايات المتحدة العراق للاقتراض، وهي خطة توريطية توقع العراق في مستنقع المديونية، وتجعله تحت رحمة البنك الدولي عقودًا طويلة، حيث كشف تقرير لصندوق النقد الدولي عن حجم مديونیة العراق للأعوام السابقة عن أن ديون العراق لعام 2013 بلغت 73 ملیارًا و100 مليون دولار، في حين ارتفعت في عام 2014 إلى 75 مليارًا و200 مليون دولار، وفي عام 2015، وبسبب تكلفة الحرب الباهظة ضد تنظيم الدولة والتي أوقعت الحكومة العراقية فيها نفسها بنفسها ارتفعت الديون لتصل إلى 98 مليار دولار، ثم 114 مليارًا و600 مليون دولار في عام 2016، لتقفز هذا العام إلى 122 مليارًا و900 مليون دولار، وتوقع التقرير أن يرتفع دين الحكومة العام المقبل ليتجاوز 132 مليار دولار.

“مواطنون تضرّرت ممتلكاتهم بفعل العمليات العسكرية أفادوا لـ”وكالة يقين” بأن أكذوبة التعويضات مشابهة لأكذوبة إعادة الإعمار”

وفي محاولة لتخفيف تلك الديون وتبويبها، يقول (مصطفى الهيتي) رئيس ما يُعرف حكوميًا بـ”صندوق إعمار المناطق المتضررة من الإرهاب”: “قروض البنك الدولي هذه طويلة الأجل وتسدد بمدة زمنية طويلة، والمهم فيها أنها ليست قروضًا استهلاكية تقدم لوزارات استهلاكية وتنتهي دون فائدة، وإنما هي قروض لبناء مشاريع ومؤسسات اقتصادية وجلب تكنولوجيا للعراق بحيث تؤمّن مستقبلًا اقتصاديًا كبيرًا للبلد على المدى البعيد”. وبحسب مراقبين فإن (الهيتي) غضّ الطرف من حيث يدري أو لا يدري عن حجم الفساد المستشري والذي ينخر الدولة العراقية بكل مؤسساتها، وأن هذا الكلام لا ينطلي على أصغر عراقي من شماله إلى جنوبه.

ومن وجهة نظر المحلل السياسي (مشتاق الأوسي) فإن عملية إعادة الإعمار في العراق التي كان من المفترض أن تنطلق في عام 2003 تعطّل انطلاقها ليس بسبب العمليات العسكرية وانعدام الأمن فحسب؛ بل بسبب فشلٍ سياسي مزمن وعلى كافة الصُعُد، إضافة لمناخ فسادي أدخل العراق في خانة الدول الأعلى فسادًا في كل المؤشرات العالمية منذ 2003 وحتى الآن، وأضاف الأوسي لـ”وكالة يقين” أن ذلك الفساد حوّل العراق إلى آلة لبيع منتجات النفط ثم إعادة ضخها في بنىً غير منتجة أو في أروقة الفساد الأسطوري الذي وُجد في عراق ما بعد 2003 وفي أفرع الأحزاب الحاكمة ومؤسساتها المختلفة.

أكذوبة إعادة الإعمار

وفي حديثه لـ”وكالة يقين” أكد الخبير الاقتصادي (د.همام الشماع) “أن القروض التي أخذتها الحكومة العراقية من البنوك الدولية هي لسد العجز في الموازنة وليس لإعادة الإعمار، فالموازنة الاتحادية تعاني عجزًا شديدًا بسبب ما تم إنفاقه على العمليات العسكرية، فضلًا عن ضخامة حجم الرواتب في الموازنة العامة للدولة والتي قد تصل إلى 70% من الموازنة، في مقابل نقص شديد للإيرادات لانخفاض أسعار النفط وعدم وجود إيرادات أخرى بديلة لسد العجز، لذلك اضطرت الحكومة اللجوء للاقتراض من مصدرين داخلي وخارجي، الداخلي هو السندات الخدمية، والخارجي هو سندات بيعت في الأسواق المالية، فضلًا عن قروض المنظمات النقدية الدولية وصندوق النقد الدولي”.

“يرى مراقبون أن المجتمع الدولي لو كان جادًا فعلًا في إعادة إعمار المُدن المُدمرة في العراق؛ فعليه أن يضع في حساباته الفساد المُستشري في مؤسسات الحكومة العراقية”

مواطنون تضرّرت ممتلكاتهم بفعل العمليات العسكرية أفادوا لـ”وكالة يقين” بأن أكذوبة التعويضات مشابهة لأكذوبة إعادة الإعمار، وبحسب (عبد المجيد الدليمي) المواطن من مدينة الرمادي بمحافظة الأنبار، والذي نزح إلى شمال العراق إبّان العمليات العسكرية في مدينته، فإن الوعود التي قطعها لهم المسؤولون بالتعويض وتوفير الخدمات لم تجد لها صدقًا على أرض الواقع، فمنذ نحو سنتين على عودته لمدينته وترويجه معاملة التعويض في وقت مبكّر لم يحصل حتى الآن إلاّ على مبلغ لا يُذكر أمام ما تعرض له منزله من دمار، ويقول (الدليمي): كنت قد رمّمت بيتي قبل اندلاع المعارك في المدينة بمبلغ يُقدّر بنحو 86 مليون دينار عراقي (نحو 68 ألف دولار أمريكي)، واضطررت للنزوح وترك بيتنا أنا وعائلتي المكونة من 16 نفرًا بسبب الحرب ونجاةً بأرواحنا، وبعد أن عدنا، خُضنا معاناة مع معاملة التعويض لإعادة إعمار بيتنا قد توازي معاناة النزوح، وبقطع الأنفاس حصلنا على تعويض قدره 9 ملايين و 300 ألف دينار عراقي فقط (7400 دولار أمريكي)، رغم تقديمي لكل ما يثبت من أدلة وصور على أن نسبة الدمار التي طالت بيتي بلغت 70%. وأكد المواطن الأنباري لـ”وكالة يقين” وجود حالات فساد ومساومات كثيرة يتعرض لها المواطنون من قبل لجان التعويض، من خلال دفع رشاً أو إجبارهم على ذلك مقابل تقديم معاملاتهم التعويضية على غيرهم، أو رفع نسبة التعويض وقيمته المالية.

وفي هذا السياق أكدت عضو مجلس النواب عن محافظة الأنبار (لقاء وردي) وجود فساد كبير في لجان التعويضات، كاشفة عن أن المبالغ التي تخصص للمتضررين من العمليات العسكرية لا يصل سوى ربعها للمواطن، الأمر الذي دفع المواطنين لتقديم شكاوى بهذا الخصوص.

ويرى مراقبون أن المجتمع الدولي لو كان جادًا فعلًا في إعادة إعمار المُدن المُدمرة في العراق من خلال المؤتمرات المانحة، كمؤتمر الكويت العام المقبل أو غيرها؛ فعليه أن يضع في حساباته الفساد المُستشري في مؤسسات الحكومة العراقية، وأن يضع آلية مناسبة لمنع تلك الأموال من أن تجد طريقها إلى جيوب الفاسدين، وليس على غرار مليارات الدولارات التي مُنحت للعراق منذ 2003 بذريعة إعادة الإعمار، وبالتالي وجدت طريقها لجيوب المُحتل الأمريكي نفسه وجيوب من جاء بهم معه لحكم العراق ما بعد 2003.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات