الأحد 22 أبريل 2018 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » الدمار في الانبار »

مواطنو الفلوجة والرمادي.. بين صعوبة الحياة وأحلام الإعمار والتعويضات

مواطنو الفلوجة والرمادي.. بين صعوبة الحياة وأحلام الإعمار والتعويضات

قسم التقارير – الأنبار

مدن مدمرة وحطام وأنقاض تنتشر في الأحياء السكنية جراء الخراب الذي خلفته العمليات العسكرية، وتدمير مئات البيوت المدنية؛ بسبب انتهاكات المليشيات وحرقها لمنازل المدنيين في الرمادي والفلوجة .

حرمان من صرف التعويضات لأهالي الأنبار في ظل التقاعس الحكومي في تقديم أبسط الخدمات الطبية والبلدية والإنسانية التي يحتاجها المواطن الأنباري، في ظل الصراع السياسي على السلطة، واستغلال صرف التعويضات والمواد الاغاثية لصالح جهات حزبية وشخصيات متنفذة، من دون إيصال ما يحتاجه المواطن خلال فترات النزوح التي أثقلت كاهله.

“حي البكر” في الرمادي الذي يعد من أكبر الأحياء السكنية دُمِّر بالكامل، ولم تتبقَ من بيوت المواطنين سوى أنقاض مفخخة بالعبوات الناسفة والمخلفات الحربية التي باتت تطارد الأبرياء لقتلهم، في حال محاولة أصحاب المنازل تأهيل عشوشهم المنكوبة.

ما مصير التعويضات؟

المواطن (عبد القادر خميس العلواني)، والبالغ من العمر 44 عامًا من سكنة حي البكر في الرمادي، والذي يرفض التصوير رفضًا قاطعًا والحديث أمام وسائل الإعلام، بعد الإحباط والقلق الذي تعرض له من زيارات المنظمات الدولية ومسؤولي الحكومة في الأنبار، والتصوير أمام بيته المدمر، والوعود التي سمعها عن تأهيل البيوت المدمرة، ودعم الأُسَر التي عادت لمناطقهم في الأنبار، والتي وصفها بالأحلام الكاذبة.

“سماسرة تابعون لدوائر حكومية تطلب مليون دينار لترويج معاملة التعويض، والحصول عليها كاملة”

العلواني تحدث لــ”وكالة يقين”: بعد أن غلبته دموعه وتناسى رفضه، وتسلسل بحديثه من دون شعور، فقد وصف جميع مسؤولي الأنبار والأحزاب بأنهم متورطون بدمار أهل المحافظة، وقال: إن تهجيرنا وتخريب منازلنا بسببهم، فنحن نعيش في ظروف صعبة جدًا، بعد ثلاث سنوات من النزوح عدنا إلى بيوت عبارة عن أطلال سقطت جراء العمليات العسكرية، وانتهاكات المليشيات التي فجرت المنازل، وحرقت ونهبت كل شيء، عدنا قبل عام من النزوح في مخيم الحبانية، الذي أمضينا فيه أكثر من عامين، لكننا لم نستطع اعمار بيتنا؛ بسبب عدم صرف التعويضات لإنشاء غرفة واحدة لعائلتي، التي تسكن داخل خيمة فوق أنقاض بيتي.

واتهم العلواني الذي تظهر تجاعيد وجهه في وقت مبكر من عمره الأربعيني، والشيب اشتعل في رأسه، لجان التعويضات التي لم تصرف أي مبالغ مالية للمتضررين، في حين دعمت وأرسلت منظمات دولية لتأهيل منازل غير مدمرة تابعة لشخصيات حكومية وسياسية، صرفت لهم أموال طائلة، وخصصت لمئات المنازل لجان تعمل على ترميم بيوتهم وطلاء جدرانهم، وتوسيع مبانيهم وترك المواطن المنكوب جانبًا.

عشرات المنظمات الدولية والانسانية صرفت مبالغ مالية لتأهيل البيوت المدمرة، وتجهيزها بالمفروشات والأجهزة المنزلية، بمثابة تعويض أولي، لكن أهالي الأنبار لم يستلموا أي تعويض؛ لكون ما صرف ذهب لدعم جهات سياسية وشخصيات عشائرية تمتلك النفوذ والميليشيات المسلحة.

ترويج معاملات التعويض.. تكاليف باهظة وإجراءات معقدة

الحاج (صبار عطيوي) يقف في آخر طابور للرجال يتكئ بالقرب من شباك صغير، ويحمل بيده كيسًا في داخله المستمسكات الرسمية وهو يفتش بين أوراقه على مبلغ قدره 50 ألف دينار لدفعه رسومًا على معاملة تعويضه، التي تكلف مليون دينار عراقي من دون الحصول على تعويض لبيته المدمر في حي الشهداء في الفلوجة.

العمليات العسكرية والعناصر الميليشياوية عملت على تدمير البنى التحتية، والجسور والدوائر الخدمية”

عطيوي والبالغ من العمر 50 عامًا؛ فقد اثنين من أبنائه جراء القصف العشوائي على الفلوجة في عام 2015، قال لــ”وكالة يقين”: تتطلب معاملة التعويض على معاملة تضم كشفًا من مركز الشرطة، وقرارًا قضائيًا، وكشفًا جنائيًا وشهود عيان وصورًا ملونة عدد 14 صورة للبيت المدمر، وكتاب تأييد من المجلس المحلي والقائمقامية والمختار، وكأنها معاملة للحصول على إرث كبير، وليس تعويضًا عن بيت دمرته الحروب التي صنعتها عقول الساسة المريضة.

وأضاف عطيوي: دُمِّر بيتي بالكامل، وخلال عودتي إلى الفلوجة قبل تسعة أشهر تقريبًا، عملت على رفع الانقاض وإنشاء بيت صغير لإيواء عائلتي، ولكن لجان التعويض رفضت استلام معاملتي لكون بيتي أعيد إنشاؤه من مال تم اقتراضه من أقربائي دينًا؛ لحين صرف التعويض الحكومي الذي لم نرَ منه فلسًا.

وتابع قائلًا: هناك سماسرة تابعون لدوائر حكومية تطلب مليون دينار لترويج معاملة التعويض، والحصول عليها كاملة، من دون الحاجة للروتين الذي أثقل كاهل المواطن المنكوب بالحرمان والاهتمام الحكومي.

ويتابع الحاج: إن المواطن في الأنبار بين الحرمان والعوز والحاجة للعمل، وبين آفة الفساد التي نخرت دوائر الدولة، وضعفها في تعويض المواطنين عن ما أصابهم من دمار وخراب، طال البيوت والمحال التجارية والمعامل الأهلية.

العمليات العسكرية والعناصر الميليشياوية عملت على تدمير البنى التحتية، والجسور والدوائر الخدمية، ومنازل المدنيين، ومحطات تنقية مياه الشرب، وشبكات الطاقة الكهربائية التي لم تؤهل؛ رغم الوعود التي أطلقتها الحكومة المحلية في الأنبار، التي تعمدت إعادة العوائل النازحة لمناطقهم في ظل الخراب، ونقص الخدمات في مناطقهم السكنية.

مشاهد الدمار توقظ العائدين من حلم الإعمار

بعد سنوات النزوح وظروف المخيمات والذل والمعاناة؛ عادت الأُسَر النازحة لمناطقهم التي تشهد ماءً ملوثًا جراء اختلاط شبكات تصريف المياه مع أنابيب نقل المياه الصالحة للشرب لمنازل المواطنين في الرمادي والفلوجة، وانسداد خطوط تصريف مياه الأمطار، مع وجود تخريب في الطرق والشوارع الرئيسة والفرعية، والتي تنتشر فيها الحفريات والمطبات التي خلفتها الانفجارات والقصف العشوائي.

“إحصاءات حكومية ودولية تشير لدمار 60% من منازل المدنيين في أقضية الأنبار ونواحيها”

الشيخ (عواد الفهداوي) أحد وجهاء مدينة الرمادي، قال لــ”وكالة يقين”: إن جميع مناطق الأنبار، وخصوصًا الرمادي مركز محافظة الأنبار، تعرضت للدمار ونقص في الخدمات جراء عمليات السرقة والتلاعب في عمل الدوائر، التي خصص لها مبالغ وموازنة مالية من دول أجنبية وعربية، لم تنفذ منها أي مشروع يعيد الحياة للمدينة.

وأوضح الفهداوي والبالغ من العمر 46 عامًا؛ نسمع ونشاهد في وسائل الاعلام زيارات أممية وسفراء الدول الأجنبية والأوربية التي صرحت عن عملها بتخصيص ملايين الدولارات، وتقديم مِنَح لم ترَ النور بعد؛ لكونها ذهبت بمصارف وحسابات خارجية وداخلية تابعة لشخصيات معروفة في حكومة الأنبار السوداء.

وتابع قائلًا: الحفريات والأنقاض تنتشر في الشوارع والساحات والمياه اللينة، صارت منظرًا مألوفًا في الأزقة وأمام منازل المواطنين، فالشوارع الرئيسة مازالت مغلقة بالحواجز الكونكريتية، والنفايات والأنقاض منتشرة في الحدائق والمناطق العامة، من دون رفعها من الكوادر البلدية التي تعمل على تزيين رونق مناطق المسؤولين ومداخل مدن الرمادي والفلوجة فقط.

إحصاءات حكومية ودولية تشير لدمار 60% من منازل المدنيين في أقضية الأنبار ونواحيها، ودمار هائل يتجاوز 50 % في البنى التحتية، من الدوائر الخدمية والمباني الحكومية، وتفجير 102 من الجسور الحيوية في محافظة الأنبار جراء العمليات العسكرية.

إغلاق (الحي الصناعي) يوصد أبواب الرزق أمام أصحابه

يعتمد نحو نصف سكان مدن محافظة الأنبار على المهن الصناعية في سد لقمة العيش لأطفالهم، حيث يوجد الحي الصناعي في الرمادي والفلوجة من أهم المناطق الصناعية والتجارية التي يعمل فيها المئات من العاملين في المهن المختلفة، وتوفر فرص عمل للعاطلين الذين باتوا بين مشردين في مناطقهم، وعاطلين عن العمل بشكل كامل بعد تدمير محالهم.

“الصراع السياسي والعشائري والخلافات التي لم تنتهِ حول المناصب السيادية في الأنبار؛ أخّرت تأهيل الخدمات والمشاريع”

لم يتحرج (حسين الخليفاوي) والبالغ من العمر 38 عامًا من الحديث لــ”وكالة يقين”؛ -رغم ارتدائه ملابس رثه التي التصقت بجسمه النحيف- وهو يحمل بيده صور ما تبقى من محله في الحي الصناعي في الفلوجة، والذي مُنِعَ من الدخول إليه منذ ثلاث سنوات، فيما قدم للجان الإغاثية والمنظمات المانحة عدة معاملات لتعويضه عن مكائن اللحام والحدادة التي سُرِقَت من قبل الميليشيات التي رافقت القوات المشتركة أثناء اقتحامها للمدينة.

وقال الخليفاوي -المتزوج ولديه ستة أطفال-: توقف عملي منذ النزوح، وأنا الآن بحاجة للعمل لتوفير الغذاء والدواء لعائلتي؛ لكون زوجتي مصابة بمرض السرطان في المعدة، وعلاجها يتطلب مبالغ مالية لا أستطيع توفيرها.

ويضيف: أن هناك وعود للسماح لنا بدخول الحي الصناعي الذي افتتح شكليًا، ولدعاية انتخابية لمسؤول معروف، ولم نرَ أي تعويض مالي لشراء مكائن ومعدات للعودة للحدادة مجددًا، علمًا أن أكثر من 370 محلًا و22 معملًا و27 مرأبًا و33 مخزنًا و14 ساحة صناعية، ومحلات أخرى ضمن الحي الصناعي المدمرة في المدينة، ضاع فيها الحلم والكرامة.

حكومة الأنبار عاجزة على صرف التعويضات وتأهيل الخدمات

ومن جهته كشف مسؤول حكومي في مجلس محافظة الأنبار، أن تركة ثقيلة خلفتها الحروب، ولا نستطيع إعمار جسر مدمر واحد، ولا يوجد إمكانية لصرف التعويضات؛ بسبب قلة الدعم وعدم صرف الموازنة المالية من حكومة بغداد المركزية، ونحتاج لدعم دولي لإعادة أقضية ونواحي الأنبار إلى حالها الطبيعي، ومكافحة الأمراض ومعالجة التلوث البيئي للمدن.

المصدر الذي امتنع عن ذكر اسمه قال لــ”وكالة يقين”: إن الصراع السياسي والعشائري والخلافات التي لم تنتهِ حول المناصب السيادية في الأنبار؛ أخرت تأهيل الخدمات والمشاريع، والانشغال بحملات الترويج الانتخابي على ركام بيوت المواطنين، الذي يسكنون خيام النازحين، وعلى معاناة من يسكن المحال المهجورة، وباقي العمارات المدمرة بديلًا للسكن.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات