الإثنين 24 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

الميليشيات الأيزيدية في سنجار.. سيوف مسلطة على رقاب الأهالي

الميليشيات الأيزيدية في سنجار.. سيوف مسلطة على رقاب الأهالي

قسم التقارير – نينوى

بين ركام المنازل وعلى أنقاض مدينة “سنجار”، والتي كانت تعج بسكانها؛ يسير “أبو محمد” مع عائلته آملًا العودة إلى منزله وعمله وحياته بعد استعادة منطقته، وكانت أحلامه تكبر مع خطواته واقترابه من مدينته ،التي كان يعتقد أنها ستحتضنه مرة أخرى.

ومع وصوله لتخوم المدينة؛ فإذا بالميليشيات “الأيزيدية” تستقبله ببنادق موجهة عليه وعلى عائلته، وبعد التدقيق بأوراقهم؛ تم احتجاز “أبو محمد” وعائلته بعد فصله وابنه الكبير عن زوجته وبناته الأربعة، وبعد خمسة أيام تم إطلاق سراح زوجته وبناته، ولم تتمكن الزوجة من معرفة مصير زوجها وابنها، عادت “أم محمد” وبناتها إلى مخيم النزوح، وبعد شهر عُثِرَ على جثة زوجها وابنها، وعليهما آثار تعذيب.

لم تكن هذه القصة الوحيدة لـ”عرب سنجار”، حيث شهد القضاء  شمال غرب “الموصل” بمحافظة “نينوى”؛ مجازر وإبادات جماعية، تعددت الجهات التي ترتكبها وتعددت ضحاياها، لكنّ الموت كان المصير الوحيد الذي واجه سكان هذا القضاء، كُتبت الحروف الأولى لهذه القصة المأساوية بعد موجات النزوح الكبيرة لأهالي القضاء، وجميع طوائف “سنجار” لم تسلم من الممارسات الإجرامية، وهذا ما تجاهله الجميع؛ حين وجه أصابع الاتهام لطائفة من دون أخرى، وفئة من دون غيرها، متجاهلين وجود جميع الطوائف في مخيمات النزوح، وتحت ركام المنازل.

سيوف الميليشيات الأيزيدية في وجوه عرب سنجار

وتحدثت “منظمة رايتس ووتش” -في تقرير لها- عن مقتل 52 مدنيًا من العرب السنة على يد الميليشيات الأيزيدية، وذكر التقرير أن اثنين من قادة المجتمع الأيزيدي قالوا لـ”هيومن رايتس ووتش”: إن “كتائب أزيدخان” كانت مسؤولة عن اختطاف وقتل وحرق أفراد من قبيلة “متيوت” العربية السنية، وتحدث التقرير عن حوادث مماثلة طالت أشخاصًا آخرين من عشيرة “الجحيش” العربية السنية أيضًا. كما أظهر شريط مصور -تداولته وسائل التواصل الاجتماعي- مجموعة من عناصر الميليشيات الأيزيدية، وهم يقومون بحرق جثامين بطريقة أثارت غضبًا وامتعاضًا شعبيًا واسعًا.

“وجود صراع في مناطق “سنجار”، والمناطق المحيطة بها، تعددت أطرافه لكنّ ضحيته واحدة، وهم: العرب السنة”

وفي تفاصيل المجزرة أكد تقرير “هيومن رايتس ووتش”؛ أنه بعد معارك الاستعادة التي أشرفت عليها ميليشيا الحشد الشعبي في مناطق “سنجار” و”تلعفر”؛ قام فصيل أيزيدي منضوٍ تحت مظلة ميليشيا الحشد؛ بارتكاب جريمة قتل وحرق جثث 52 شخصًا، وهم 27 امرأة، و10 أطفال، و15 رجلًا، من عشيرة “البو متيوت” العربية، كما اختطفوا ثمانية مزارعين من العشائر العربية في حادثة أخرى، ولا يزال مصيرهم مجهولًا.

وأكد النائب عن محافظة نينوى “علي المتيوتي”؛ حدوث تلك المجزرة، وأوضح في تصريح صحفي له أن المغدورين هم من أبناء عشيرته، قضوا قتلًا وحرقًا على يد الميليشيات الأيزيدية، ورغم كشفه ذلك للقوات الحكومية ورئيس الوزراء؛ إلاّ أنه لم يجد آذانًا صاغية، بحسب المتيوتي.

“سنجار” في قبضة الميليشيات الأيزيدية

وقامت ميليشيا “الحشد الأيزيدي” بتعيين قائممقامًا أيزيديًا لـ”سنجار”، يأتي بديلًا عن قائممقامها “محما خليل”، حيث تسلّم القائممقام الجديد الذي يُدعى “فهد حامد”- وهو قيادي في الحشد الأيزيدي – مهامه بطريقة غير دستورية ولم يصوّت عليه مجلس المحافظة والقضاء. ويتساءل مراقبون: فما دور الدولة التي تتباكى على فرض القانون وسلطة الدستور؟!

موجة النزوح عادت لتسيطر على المشهد من جديد، بعد أن لمسوا توافقًا وإقرارًا من قبل الحشد الشعبي على ممارسات الميليشيات الأيزيدية”

حيث أثبت الواقع الميداني أن إعلان حكومة بغداد “النصر المزعوم” لم يكن كافيًا، ليُعلن سيطرته على كامل مدن العراق من الصراعات، وتخلص الأهالي من الانتهاكات، فكانت الأزمة الأخرة قد ولدت صراعات جديدة ربما غفلت عنها الحكومة، أو تناستها؛ لأن إعلان استعادة كامل السيطرة على البلاد سيجلب لها مزيدًا من المكاسب الانتخابية والمادية.

من جانبه أكد “زهير الجبوري” المتحدث باسم ما يعرف بـ”حرس نينوى”، في تصريحه الخاص لـ”وكالة يقين”؛ وجود صراع في مناطق “سنجار”، والمناطق المحيطة بها، تعددت أطرافه لكنّ ضحيته واحدة، وهم: العرب السنة، الذين ينتمون إلى هذه المناطق منذ مئات السنين، حيث تحدث عن سيطرة الحشد الأيزيدي، وعناصر من حزب العمال الكردستاني على تلك المناطق، مؤكدًا وجود انتهاكات تُمارَس بحق الأهالي، لاسيما أبناء المكون العربي.

وكانت سيطرة القوات الاتحادية على المناطق المتنازع عليها، وانسحاب البيشمركة منها، قد مهدت الطريق لميليشيا الحشد الشعبي للسيطرة على تلك المناطق، ومنها الميليشيات الأيزيدية التي سيطرت على قضاء “سنجار”، ليشهد الوضع في هذه المنطقة مزيدًا من القتامة، فالمتضرر الأكبر من هذه الخطوة؛ كان “المواطن السني”، الذي يئس من العودة إلى منزله بعد نزوحه؛ بسبب منع المليشيات الأيزيدية له، بل حدثت هجرة عكسية بمغادرة “سنجار”، نتيجة ضغوط الميليشيات الأيزيدية وانتهاكاتها.

نازحو “سنجار”.. معاناة مستمرة

هربت آلاف العائلات من قضاء “سنجار” جراء العمليات العسكرية، فسكنوا مخيمات تفتقر لأدنى سبل الحياة، آملين بانتهاء المعارك؛ ليتمكنوا من العودة واستعادة ما تبقى من منازلهم وأملاكهم، لكن الواقع كان مخالفًا لما يتطلع إليه النازحون، فانتهاء العمليات في المدينة لم يكن يعني استتباب الأمن فيها، ولم يعنِ أنها أصبحت قابلة للعيش.

المواطن “محمود الجحيشي” 35 عامًا، والد لطفيلن، توفيت زوجته أثناء هربهم من المدينة، فاضطر أن يعيل طفليه، ويوفر لهم ما فقدوه بفقدان والدتهم، نزح إلى بغداد وعاش في خيمة لم تتمكن من حمايته وأبنائه من برد الشتاء وقسوة الصيف، وكان يعمل في مطعم بعد أن كان صاحب محل تجاري في سنجار، وتحدث الجحيشي لـ”وكالة يقين” عن تفاؤله حين أُعلن عن انتهاء المعارك في مدينته، آملًا العودة إلى بيت غادرته ربة المنزل، ومحلٍّ أصبح ركامًا، لكنّ هذا لم يمنعه من الحلم بالتخلص من خيمته القاسية، ورسم حياة جديدة لطفليه، ونسيان الماضي المؤلم، لكنّ أخبار مدينته قتلت حلمه.

“يشهد نازحو سنجار معاناة جديدة في مخيمات بغداد، أوجدتها الحكومة من خلال إجبارهم على العودة”

حيث أكد مخاوفه من العودة بسبب سيطرة الميليشيات الأيزيدية على المدينة، كاشفًا عن انتهاكات تقوم بها هذه الميليشيات؛ بحجة الانتقام من بعض العشائر بتهمة انتماء بعض أبنائها لـ”تنظيم الدولة”، مشيرًا إلى محاولات لتغيير ديموغرافي تشهدها المنطقة، والقضاء على المكون العربي السني فيها، من خلال القتل والتنكيل، ومنع عودة النازحين.

ويضيف الجحيشي: لو كان العرب السنة مسؤولين عما تعرضت له المنطقة؛ لما تهجرنا وفقدنا أعزاء لنا ودُمّرت منازلنا، وفقدنا مصادر رزقنا، ولما تركنا مدننا، ولجأنا إلى المخيمات، للابتعاد عن الصراع في المدينة، مؤكدًا أن التعايش كان سمة هذه المناطق قبل تطور الأحداث الأخيرة واقتحام المدن، وأن الميليشيات الأيزيدية تخدم خططًا خارجية، حسب قوله.

خبير: الميليشيات تمنع أهالي “سنجار” من العودة

من جانبه يبيّن الخبير الأمني “مؤيد الجحيشي” في حديثه لـ”وكالة يقين”، -وهو أحد الذين تعرّض أبناء عشيرته لانتهاكات الميليشيات الأيزيدية في سنجار-، أن الميليشيات الأيزيدية المنضوية تحت ميليشيات الحشد الشعبي، بلغ طغيانها بأنها بدأت تمنع حتى الأيزيديين ممن لم ينتموا لهم من العودة إلى “سنجار”، كاشفًا عن حدوث سرقات طالت المنازل التي هجرها أهلها.

وأضاف الخبير: رغم عودة بعض الأهالي إلى قضاء “سنجار”، بعد سيطرة ميليشيا الحشد الشعبي عليه؛ فإن موجة النزوح عادت لتسيطر على المشهد من جديد، بعد أن لمسوا توافقًا وإقرارًا من قبل الحشد الشعبي على ممارسات الميليشيات الأيزيدية، ومدهم بالمال والسلاح.

وعن دور الحكومة من هذه الممارسات؛ تحدث “الجحيشي” عن خروج ميليشيا الحشد عن سيطرة الحكومة، ومعها الميليشيات الأيزيدية، مؤكدًا أن محاولات عدة للتهدئة في “سنجار”، وبسط الأمن فيها؛ يُبطلها -وبكل بساطة- أبسط عنصر في تلك الميليشيات، ولا تقف في وجهه أكبر رتبة عسكرية أو منصبٍ حكومي رفيع.

نازحو “سنجار” ببغداد .. مصير مجهول

“أعدادًا كبيرة من نازحي “سنجار” و”زمار” موجودون في مخيم “حي الجامعة”، الذي تعمل الدولة على إخلائه -بشكل قسري-“

ويشهد نازحو سنجار معاناة جديدة في مخيمات بغداد، أوجدتها الحكومة من خلال إجبارهم على العودة إلى مدينتهم الخالية من الأمن والاستقرار والخدمات، فما هربوا منها طوال مكوثهم في مخيمات تفتقر لسبل العيش؛ يواجهونه بالعودة إلى مدينة تسيطر عليها الميليشيات، عجزت الدولة عن السيطرة عليها وردع ممارساتها.

حيث أمرت عمليات بغداد بإخلاء كافة المخيمات، وعودة الأهالي إلى مدنهم بقرار من رئاسة الوزراء؛ رغم التطمينات التي وجهها رئيس الوزراء حيدر العبادي، نافيًا فيها العودة القسرية للنازحين.

وأكد “رمزي العزاوي” -مسؤول مخيم “حي الجامعة” في بغداد-، في حديثه لـ”وكالة يقين”، أن عمليات بغداد أصدرت أوامرها بإخلاء المخيم، والذي يقطنه نسبة كبيرة من عرب “سنجار”، وتناست أو أغفلت القوات الحكومية؛ أن الميليشيات الأيزيدية هي التي تسيطر على “سنجار”، وتمنع أهلها من العودة، فهي بذلك تلقي بهم إلى مهالك الموت بيد تلك الميليشيات.

ويضيف، أن أعدادًا كبيرة من نازحي “سنجار” و”زمار” موجودون في مخيم “حي الجامعة”، الذي تعمل الدولة على إخلائه -بشكل قسري-، غير مكترثة للواقع الأمني الخطير الذي تعيشه تلك المناطق، كما عبّر “العزاوي” عن استغرابه من اتخاذ هذه القرارات من قبل الدولة، ولدوافع انتخابية، من دون الاكتراث لتأمين هذه المناطق قبل إرسال النازحين إليها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات