الأحد 23 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

سجون كردستان.. صور مرعبة تخالف التي يروج لها رسميًا

سجون كردستان.. صور مرعبة تخالف التي يروج لها رسميًا

قسم التقارير – كردستان

على العكس من الصورة الايجابية التي تروج لها السلطات في إقليم كردستان “شمال العراق” عن الأوضاع داخل السجون ومراكز الاحتجاز، فإن المنظمات الحقوقية -وخصوصًا الدولية منها- تؤكد أن حالات الاحتجاز غير القانوني، وممارسة التعذيب، وحتى التصفيات الجسدية موجودة، وتم ارتكابها بصورة مستمرة، في وقت أكد رئيس هيئة مستقلة في الإقليم بأن حقوق الإنسان في تراجع مستمر، محذرًا من كارثة في هذا المجال.

وبالرغم من إصدار إقليم كردستان لتقرير سنوي يخص مجمل أوضاع حقوق الإنسان والانتهاكات التي يتم رصدها من قبل الهيئات الحكومية والمستقلة، وبعض منظمات المجتمع المدني المحلية داخل السجون، ومراكز الاحتجاز المؤقت، لكن الملاحظ أن هذه التقارير تذهب إلى جزئيات بسيطة وممارسات متفرقة، ولا تسلط الضوء بشكل جدي على أعمال التعذيب والتغييب القسري، ومراكز الاحتجاز السرية التي تنفي الأجهزة الرسمية وجودها.

سنة من التعذيب بسبب مشاجرة

عانت “كولاله عثمان” من آثار نفسية وصحية كبيرة بسبب أوضاع ابنها المحتجز منذ أكثر من سنة، في عدد سجون في مدينة أربيل، وذلك بعد توقيفه بسبب مشاجرة حصلت بينه وبين شاب على إثر مضايقة في قيادة السيارة، ولكنها تحولت فيما بعد إلى قضية شروع بالقتل بعد تدخلات وضغوط من ذوي الشاب، الذي اتضح لاحقًا أن والده ذو نفوذ حزبي كبير.

“واحدة من أقسى أساليب التعذيب هي الإيهام بالإعدام، وتجري على السجين وهو معصوب العينين”

المرأة البالغة من العمر 63 عامًا قالت لـــ”وكالة يقين”: إن توقيف ولدها جرى في مركز شرطة بمنطقة “تيراوه” في “أربيل”، وتم التعامل مع الموضوع في سياقه الطبيعي، وهو قضية مشاجرة قابلة للحل باتفاق الطرفين وتراضيهم، قبل تدخل ذوي الشاب الذين حولوا القضية إلى شروع بالقتل، وحياة ابنها إلى جحيم بسبب التعذيب المستمر والمضايقات التي كانت ترمي إلى إجباره بالتهمة الخطيرة التي لم يرتكبها.

وتوضح “كولاله” أن ولدها تعرض للضرب والصعق بالكهرباء والتعليق بالسقف من قبل عناصر الشرطة، بالإضافة إلى حرمانه من النوم، واستخدام الحمام، أو مواجهة المحامي في الفترة الأولى من الاحتجاز، مبينة أن ضابطًا وعناصر الشرطة قاموا بهذه الممارسات لإرضاء عائلة الطرف الآخر، وتحديدًا والدهم ذي المنصب الحزبي الرفيع، الذي مارس نفوذه من أجل الانتقام من ولدها؛ لأنه ضايق ابنه أثناء قيادته للسيارة، وتغلب عليه في المشاجرة التي جرت بالأيدي فقط .

وتضيف المرأة الستينية أن هذه الضغوطات تسببت بإطالة فترة احتجاز ابنها لأكثر من سنة، بعد أن أثمر نفوذ خصمهم عن إيجاد شهود زور، وحتى أداة جريمة هي سكين، فضلًا عن تقرير طبي يُثبت أن ولده تعرض لجروح بالغة جراء المشاجرة، مبينة أن النفوذ -وخصوصًا الحزبي- بإمكانه تحقيق أي شيء في كردستان، ويستطيع -بكل سهولة- أن يجعل من الضحية جانيًا ومن المتضرر متهم.

رعب حقيقي في سجون الاسايش

وإذا كانت “كولاله” مصدومة بإجراءات الشرطة التي تصفها بالقاسية؛ فإن “فرياد سيد علي” يعتبر أنها لم تشاهد شيئًا من القسوة الحقيقية الموجودة في سجن مديرية الأمن “الاسايش” في أربيل، والذي يخضع لحراسة مشددة وإجراءات بالغة التعقيد والصعوبة، حتى يتم السماح بدخول المحامين والأهالي لمواجهة المحتجزين المتهمين بقضايا؛ تعتبرها الحكومة بالغة الخطورة.

وتم توقيف “سيد علي” الذي كان يسكن ناحية ديانا “شمال أربيل” بتهمة الانتماء إلى جماعة إسلامية محظورة، وأمضى فترة توقيف تجاوزت السنتين في مركز احتجاز مؤقت في منطقته، قبل نقلة إلى سجن الاسايش، الذي كان في مقره القديم على طريق 60 وسط أربيل، وتعرض فيه إلى أصناف من التعذيب لا يتخيلها العقل البشري، من أجل إجباره على الاعتراف بمسؤوليته عن أعمال عنف طالت عددًا من المسؤولين الحزبيين في منطقته.

“الاسايش أعدموا بين 80 و150 شخصًا بشكل يومي، ولمدة سبعة أيام، وبعضهم كانوا محتجزين في السجن”

وأمام إصرار “سيد علي” بأنه ملتزم دينيًا فقط، وغير متورط بأي عمل غير قانوني؛ فإن المحققين واصلوا -ولفترة طويلة- تعريضه لأعمال تعذيب تعلموها من مدربين أجانب، ومنها تقييده وهو نائم على ظهره، ووضع منشفه على وجهه، وصب الماء عليه حتى ينقطع نفسه -ولعدة مرات-، وبعدها يتحولون إلى الصعق بالكهرباء، وفي أجزاء حساسة من جسمه الرطب.

ويبين سيد علي لـــ”وكالة يقين” أن واحدة من أقسى أساليب التعذيب هي الإيهام بالإعدام، وتجري على السجين وهو معصوب العينين، حيث يؤكد له المحقق أنه تقرر إعدامه مع مجموعة من الأشخاص، ويسمع عده إطلاقات وصرخات صادرة أصلًا من العناصر الأمنية، وهو ما يدفع السجين إلى الاعتقاد بأن إعدامات حقيقية تجري في القاعة، ويحس بدنو من المسدس من خلفية رأسه، مع سؤال أخير عن إمكانية الاعتراف وإنقاذ نفسه، مبينًا أن هذه الطريقة وأخرى؛ وهي: التهديد بالاغتصاب، أو توقيف زوجة السجين أو أخته أو أمه، تجبر عددًا كبيرًا منهم على الاعتراف بأفعال لم يقترفوها أبدًا في حياتهم.

ومع إصراره على براءته وانعدام وجود أي شهود أو أدلة ضده؛ فإن “سيد علي” خرج من السجن بعد سنتين، وهو يعاني من صعوبة السيطرة والحكم بحركة ذراعيه وقدميه، بسبب تعرضه لخلع شديد في المفاصل؛ جراء التعليق في السقف من الأيدي أو الأقدام، والذي يستمر في بعض الأحيان لعدة أيام، مضيفًا بأنه أدلى بشهادات مفصلة أمام ممثلين عن منظمات حقوقية دولية، ويأمل بأن يتمكن في يوم من الأيام أن يقاضي الأشخاص الذين عذبوه ودمروا مستقبل عائلته من دون وجه حق.

إعدامات جماعية وسجون سرية

وكانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المعنية بحقوق الإنسان قد اتهمت في وقت سابق قوات الاسايش الكردية بتنفيذ عمليات إعدام جماعية؛ استمرت لأسبوع كامل، وطالت مئات من المحتجزين الذين يُشتبه بانتمائهم لـ”تنظيم الدولة”، مؤكدة عثورها على مقبرة جماعية تضم ضحايا هذه العمليات، في منطقة قريبة من خزان سد الموصل.

وقالت المنظمة في تقرير مفصل اطلعت “وكالة يقين” على نسخة منه: إن عناصر الاسايش أعدموا بين 80 و150 شخصًا بشكل يومي، ولمدة سبعة أيام، وبعضهم كانوا محتجزين في السجن، وأن عمليات الدفن الجماعية جرت باستخدام معدات ثقيلة، معربة عن خشيتها بأن يكون من بين المعتقلين أطفال لا تتجاوز أعمارهم 13 سنة، بعد توثيق حالات اختفاء هؤلاء الأطفال، بعد تأكيد احتجازهم من قبل قوات الاسايش.

“ملف الإخفاء والتغييب ليس بالجديد في الإقليم الكردي”

واستندت المنظمة الحقوقية في صياغة تقريرها إلى مجموعة من تسجيلات فيديو وصور فوتوغرافية، وعدد من صور الأقمار الصناعية التي حددت مكان المقبرة الجماعية، بالإضافة إلى الاستعانة بشهادات من سكان محليين، وأشخاص مقربين، وعلى صلة بقوات البيشمركة.

ويأتي تقرير “هيومن رايتس ووتش” عن الإعدامات بعد أقل من شهرين على تقرير آخر؛ اتهم السلطات الكردية بتغييب أكثر من 350 مواطنًا عربيًا تم اعتقالهم من مدينة “كركوك”، من قبل قوات الاسايش، ولكنهم اختفوا مع سيطرة القوات المركزية على المدينة، ولم يتم التوصل إلى مكان احتجازهم، وسط تأكيدات ذوي المعتقلين بأنهم تم نقلهم إلى مراكز احتجاز في “أربيل” و”السليمانية”.

وبينت المنظمة أن ذوي المعتقلين تلقوا أخبارًا متفرقة عن أماكن احتجازهم بواسطة أشخاص أُفرج عنهم من تلك الأماكن، وهي سجن “جمجمال” و”قاعدة السلام” العسكرية في “السليمانية”، بينما لم توفق المنظمة في مسعاها لمعرفة العدد الحقيقي للأشخاص الذين تعتقلهم قوات حكومة الإقليم في “كركوك”، بعد امتناع مسؤول التقارير الدولية في الإقليم “دندار الزيباري” عن الرد على أسئلة المنظمة .

أب يبحث عن ابنة منذ 20 عامًا

وبالعودة إلى الماضي القريب؛ نجد أن ملف الإخفاء والتغييب ليس بالجديد في الإقليم الكردي، حيث تعاني مئات العوائل منذ سنوات طويلة في سبيل معرفة مصير ذويهم، الذين وقعوا أسرى لدى طرفي الحرب الأهلية الكردية، وهما: “الحزب الديمقراطي الكردستاني” بزعامة “مسعود البرزاني” و”الاتحاد الوطني الكردستاني” بزعامة “جلال الطالباني”.

وعلى مدى 20 عامًا لم يتوقف الحاج “عبدالقادر هورامي” عن البحث عن أكبر أبنائه الذي وقع في الأسر عام 1998، وقبل أيام قليلة من وضع الحرب الكردية أوزارها بعد أربع سنوات من القتل الشرس؛ الذي أسفر عنه سقوط آلاف القتلى ومئات الجرحى وعدد كبير من المفقودين؛ الذين يُشاع بأنهم كانوا أسرى وتم تصفيتهم بشكل جماعي من قبل قوات الحزبين المتحاربين.

ويوضح الحاج “هورامي” لــ”وكالة يقين” أنه بحث في كل السجون، وتقدم بشكاوى إلى أغلب مقرات الحزبين “الديمقراطي” و”الوطني”، ورفع شكوى إلى برلمان الإقليم وبعثة الأمم المتحدة؛ في سبيل معرفة مصير ابنه، الذي كان يقاتل دفاعًا عن منطقته وأهله في الحرب، مضيفًا بأن جميع جهوده ذهبت أدراج الرياح، وتنكر له حتى رفاق السلاح -بحسب تعبيره-، الذين كانت مساعدتهم الوحيدة له هي بعض المجاملات التي لا تسمن أو تغني من جوع.

ومع يقينه بأن أغلب أسرى تلك الحرب، والذي فاق عددهم الألف؛ قد قضوا بشكل مباشر بعد أسرهم، إلا أن “الحاج هورامي” يطلب من أعداء الأمس وأصدقاء اليوم بأن يتفضلوا عليه بالمساعدة في التعرف على مكان دفنه فقط، حتى يقوم بنقلة إلى مقبرة العائلة في قريتهم بـ”السليمانية”.

مسؤول: تراجع مستمر في حقوق الإنسان

وبالتوجه إلى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في إقليم كردستان؛ فإن رئيسها “ضياء بطرس” يؤكد تسجيلهم لحالات استخدام القوة والتهديد لانتزاع الاعترافات من المحتجزين، مع قلة الخدمات الطبية المقدمة لهم، وغيرها من التجاوزات التي وثقوها خلال زيارتهم الأخيرة مركز الاحتجاز، المسمى بـ”التسفيرات” في “أربيل”.

“وضع حقوق الإنسان في إقليم كردستان يشهد تراجعًا مستمرًا منذ عام 2014”

وأوضح بطرس في حديث لـــ”وكالة يقين” أنه والى جانب استخدام القوة والتهديد لانتزاع الاعترافات وقلة الرعاية الطبية؛ فإن تأثير وجود الادعاء العام في هذا المراكز يكاد يكون منعدمًا، وكذلك عدد القضاة القليل الذي ساهم في تكدس أعداد المحتجزين الذين ينتظرون البت في قضاياهم، مشيرًا إلى أن بعض المحتجزين أمضى أكثر من 5 سنوات في السجن بانتظار حسم ملفاتهم.

وتابع “بطرس” بأن عدم وجود لجان طبية متخصصة داخل مراكز الاحتجاز يعيق عملية توثيق الإصابات الناجمة عن استخدام القوة أثناء التحقيق، وهي أدلة لا بد أن يتم تسجيلها خلال فترة معينة، وقبل زوال هذه الآثار مع مرور الوقت.

وأشار رئيس هيئة حقوق الإنسان إلى أن الشكاوى المقدمة من قبل ذوي المحتجزين قادت إلى تشكيل لجان تحقيق متخصصة داخل وزارة الداخلية، وأصدرت قرارات بمعاقبة ضباط وفصل آخرين من الخدمة، على خلفية ثبوت صحة هذه الشكاوى، لافتًا إلى أنهم في الهيئة طالبوا -ولأكثر من مرة- بنقل مهام التحقيق مع المحتجزين من وزارة الداخلية، وتحويله إلى مجلس القضاء الأعلى؛ لأنه سلطة مستقلة غير تابعة للسلطة التنفيذية.

وبين “بطرس” أن وضع حقوق الإنسان في إقليم كردستان يشهد تراجعًا مستمرًا منذ عام 2014 بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان، فضلًا عن الأوضاع الأمنية والخلافات المستمرة بين حكومَتَي الإقليم والمركز في بغداد، محذرًا من كوارث إنسانية قادمة في حال استمرار الأوضاع الحالية.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات