الإثنين 24 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

ألغام حزام بغداد.. قاتل خفيّ يُهدّد حياة الأهالي

ألغام حزام بغداد.. قاتل خفيّ يُهدّد حياة الأهالي

قسم التقارير – بغداد

في الوقت الذي تعلو فيه الأصوات لإعادة النازحين إلى ديارهم ومدنهم، يعيش النازح بين مطرقة خيمة لاتكاد تحميه من برد الشتاء القارص وحرّ الصيف الجنوني، وسندان بيت مدمّر ومدينة تخلو من البنى التحتية ومقومات العيش وكل ما يشجع على العودة.

ولمناطق حزام بغداد -غير مأساة النزوح والتهجير– مأساة أخرى انفردت بها عن غيرها، وُلدت عام 2003 إبان الغزو الأمريكي البربري للعراق، والذي خلّف مجازر وقصصاً يندى لها جبين الإنسانية، فسكان حزام العاصمة يعيشون منذ ذلك الحين شبح مخلفات هذا الغزو وما خلفه من ألغام غير منفجرة تسكن منازلهم وأزقتهم ومزارعهم، حتى أصبحت حوادث الانفجارات في هذه المدن روتيناً يومياً، في ظل غياب أي دور حكومي لمعالجتها أو وضع حد لمعاناة الأهالي والإسهام بتأمين حياتهم من تلك الألغام.

إحصائيات لألغام تملأ المدن دون معالجات حكومية

كشفت دائرة شؤون الألغام في محافظة بغداد في آخر إحصائية لها عن وجود ما يقرب من خمسة آلاف لغم غير منفلق في مناطق حزام بغداد والتي لم تُعالج حتى الآن من قبل الحكومة وأجهزتها المختلفة، في الوقت الذي أكّد فيه مسؤولون محليون وجود تنسيق مع منظمات دولية لتقديم الدعم المالي والفني لإزالة الألغام من المناطق المحيطة بالعاصمة والتي حُرم سكانها من العودة بسبب ما شهدته من حوادث انفجار لمخلّفات الحرب على السكان العائدين.

“كما للميليشيات التي تسيطر على بعض مناطق حزام بغداد دور بارز في الحيلولة دون عودة أهالي تلك المناطق إليها”

مصدر في دائرة شؤون الألغام التابعة لوزارة الصحة العراقية -فضّل عدم ذكر اسمه- كشف لـ”وكالة يقين” عن أن سوء الإدارة والتقصير من قبل الدائرة ووزارة الصحة، والتهاون في تقديم الخدمة لسكان تلك المناطق لأسباب قد تكون لها أبعاد طائفية، هو من أبرز الأسباب التي أخرت عمليات الإزالة، وأضاف، أن تلك الألغام مضى على وجودها في مناطق حزام بغداد نحو خمسة عشر عاماً منذ دخول قوات الاحتلال الأمريكي عام 2003، ولم يكن المصدر متفائلاً بأن تلك الألغام ستُزال قريباً بسبب الانشغال بالسجالات السياسية والتحالفات والانتخابات، فيمن سيلتفت لمعاناة الناس في ظل هذا الوضع؟، بحسب تساؤله، وأضاف أن مجلس محافظة بغداد على علم بذلك، وتم مخاطبته أكثر من مرة للتعجيل بالأمر ومفاتحة الجهات المختصة للضغط برفع تلك الألغام، ولكن دون مجيب.

وتتحدث الإحصائيات المبدئية لدائرة الرعاية الاجتماعية التابعة لوزارة العمل عن 800 مواطن فقدوا أطرافهم جراء انفجار الألغام، والذين رُفعت طلبات تخصيص رواتب لهم إلى الجهات المعنية وشمولهم بميزانية عام 2017، إلاّ إن هذا المشروع أيضا لم يبصر النور وفُقدت ملفاته مع أطراف المتضررين من مخلّفات الحرب.

صراعات سياسية تضع مشروع إزالة الألغام بمهب الريح

باتت مدن حزام بغداد مزرعة لمخلّفات الحرب، حيث زرع الاحتلال الأمريكي فيها ألغامه، وجاءت الميليشيات والعناصر المسلحة لتكمل عتمة المشهد بزرع القنابل، فضلا عن المخلّفات الحربية إبان العمليات العسكرية التي شهدتها تلك المناطق.

الميزانية تعاني عجزاً عن إنشاء أي مشروع خدمي في البلاد، وعجزاً عن مساعدة النازحين، فتطوّر العجز بطبيعة الحال ليشمل عدم القدرة على إزالة الألغام ومخلفات الحرب، حتى تم الاعتماد على منظمات المجتمع المدني التي تعاني هي الأخرى من انعدام الدعم اللوجستي والتنسيق مع الجهات المعنية لإتمام مهمتها.

ولم يكتف السياسيون بعرقلة مشاريع التنمية وخدمة المواطن داخل قبة البرلمان، بل تعاظم دوره المعرقل ليصل إلى مدن تسببت مخلفات الحروب بهجرة سكانها وحولتها إلى مدن أشباح، فتفاقم الصراعات السياسية في عموم البلاد انعكس على تنفيذ مشاريع تنقذ حياة المواطنين، والصراع السياسي في هذه المناطق منع منظمات المجتمع الدولي من أداء دورها وتنفيذ خططها، وبالتالي حُرم المواطن من العودة الى مدينته.

دائرة شؤون الألغام التابعة لوزارة الصحة أوضحت في بيان لها واطلعت “وكالة يقين” على نسخة منه، أن الشركة المتطوعة كان من المفترض أن تباشر عملها منذ يوم 5-1-2018 لرفع المخلفات الحربية ومعالجة المتفجرات التي خلّفها الأمريكان والعمليات العسكرية الأخيرة في مساحات شاسعة من مناطق حزام بغداد، وذلك تمهيداً لإعادة النازحين لمناطقهم وتهيئة أجواء الانتخابات المزمع اجراؤها في آيار المقبل.

“شهدت مناطق حزام بغداد عودة خجولة لبعض النازحين الذين لم يتمكنوا من تحمل الواقع السيء الذي يعيشونه في مخيمات النزوح”

إلاّ أن مواطنون من تلك المناطق أكدوا لـ”وكالة يقين” أن الشركة المنفذة لمشروع إزالة المخلفات الحربية مُنعت من أداء عملها بسبب صراع سياسي يخوضه أحد النواب المرشحين عن تلك المناطق مع الجهات المنسقة لعمل شركات إزالة الألغام، مما أدى الى توقف عملها، مضيفين أنها محاولات للحصول على أصوات انتخابية بعيداً عن البعد الإنساني الذي يوصف بالكارثي في تلك المناطق وما يعانيه سكانها من نزوح.

كما للميليشيات التي تسيطر على بعض مناطق حزام بغداد دور بارز في الحيلولة دون عودة أهالي تلك المناطق إليها، حيث استخدمت الميليشيات من مدن مثل جرف الصخر ويثرب والعويسات وبيجي ومناطق أخرى مقارّ لها، وهذا من الأسباب البارزة أيضا التي أدت إلى عدم الاهتمام بتطهير تلك المناطق من مخلّفات الحروب.

خدمات معدومة.. والسماد الزراعي يمنع من الدخول

شهدت مناطق حزام بغداد عودة خجولة لبعض النازحين الذين لم يتمكنوا من تحمل الواقع السيء الذي يعيشونه في مخيمات النزوح، لكنهم اصطدموا بواقع انعدام الخدمات في مناطقهم وانتشار مخلفات الحرب فيها إضافة إلى انعدام فرص العمل، ويعتمد سكان هذه المدن على الزراعة بشكل أساسي، لكنهم لم يتمكنوا من زراعة أراضيهم بسبب انعدام الدعم الحكومي لهم، إضافة إلى منعهم من إدخال السماد إلى المنطقة بحجة استخدامه في تصنيع المتفجرات.

“واقع الأمر صراع سياسي وتنافس انتخابي ومحاولات للاستفادة من ملف النازحين ومتضرري العمليات العسكرية”

هذا ما أكّده عضو مجلس النواب عن مناطق حزام بغداد “عبد الكريم عبطان” في حديثه لـ”وكالة يقين”، حيث دعا الحكومة إلى دعم القطاع الزراعي الذي يعاني إهمالاً كبيراً في تلك المناطق انعكس بالتالي على فرص المواطنين في الحصول على مورد مالي ولقمة عيش، إضافة إلى حرمان المناطق من إدخال السماد الأبيض بحجة استخدامه في صناعة المتفجرات، مما أدى إلى انغلاق المنطقة وحرمان سكانها من استعادة حياتهم وأعمالهم بشكل طبيعي.

وأضاف عبطان في حديثه للوكالة، أن “سكان مناطق حزام بغداد قدّموا الكثير من التضحيات ويحق لهم أن يحصلوا على حقوقهم بشكل طبيعي، لكنهم لم يحصلوا على شيء، لأسباب طائفية وغايات سياسية” على حد تعبيره، كاشفا عن وجود ما يزيد على 15 ألف عائلة من أهالي منطقة جرف الصخر حُرموا من العودة إلى منازلهم بسبب سيطرة ميليشيات خارجة عن إطار القانون تسيطر على تلك المنطقة، مؤكدا في الوقت ذاته وجود مساعٍ حثيثة من قبل أطراف سياسية لتسهيل عودتهم إلاّ أنها لم تلق استجابة من قبل الجهات المعنية.

ضحايا المخلّفات الحربية

بعد أن قرر بعض الأهالي العودة إلى مناطق حزام بغداد رغم انعدام الخدمات فيها وسيطرة الميليشيات عليها وانعدام فرص العمل داخلها، واجه هؤلاء المواطنون كابوس المخلفات الحربية، وتعرّضت نسبة كبيرة منهم إلى إعاقات جسدية وبترٍ لبعض أطرافهم.

“ميزانية تنتظر التصويت عليها، وأسر تواجه الجوع والضياع والتشرد، كل هذا ينظوي تحت مسمى الإجراءات القانونية”

منير -34 عاماً- أب لأربعة أطفال قضى أحدهم أثناء محاولتهم الهرب من منطقة “سليمان بيك” إحدى مناطق حزام بغداد والتي تقع جنوب شرق العاصمة؛ بسبب سوء أوضاعها الأمنية وسطوة الميليشيات والعمليات العسكرية فيها، وعاشوا في مخيمات النازحين وسط ذكريات منطقتهم وقهقهة ابنهم الذي لم يبلغ الخامسة من عمره بعد، فتحمّلوا سوء الأوضاع في المخيمات، فضلاً عن وضعهم المعيشي والاقتصادي المأساوي، والذي اضطر فيه “منير” أن يعمل في ورش البناء القريبة من مخيمهم، فجاء نبأ استعادة منطقتهم ليحوّل مأساتهم إلى أمل باستعادة ما تبقى من ذكرياتهم وحياتهم.

عاد منير إلى “سليمان بيك” مع أبنائه الثلاثة وزوجته، فوجدوا بقايا منزل، فقرر ترميم ما يستطيع ترميمه، وأثناء عمله لإزالة الأنقاض ومحاولات إعادة تأهيل المنزل انفجر لغم قديم كان لأحلام هذه العائلة الكادحة بالمرصاد، فخسر الأبُ قدمه ليتحول إلى معاق، دون أية رعاية حكومية أو تعويض قُدم له حتى الآن.

وفي سياق تعويضات متضرري العمليات العسكرية والمخلفات الحربية، تحدث معاون مدير إعلام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية “نجم العقابي” لـ”وكالة يقين” أن التخصيصات قليلة ولم تشمل جميع المناطق، عازياً السبب إلى أن الوزارة تعتمد في ذلك على المخصصات الحكومية، وهي مرتبطة بإقرار الموازنة التي لم تُقر حتى الآن، مضيفاً أن الأزمة المالية التي يواجهها العراق قلصت تخصيصات الإعانة الاجتماعية التي يحصل عليها الأفراد المشمولين، فبعد أن كانت العائلة المكونة من أربعة أشخاص تتسلّم 400 ألف دينار شهريا أصبحت تتسلم 345 الف دينار كل شهرين، ولفت العقابي إلى أن وزارة العمل نظّمت حملات ولجان متخصصة للوقوف على الواقع المعيشي الذي تعانيه المدن المُستعادة حديثاً وتسجيل إحصائيات بالعوائل التي تحتاج لمساعدات مالية.

ميزانية تنتظر التصويت عليها، وأسر تواجه الجوع والضياع والتشرد، كل هذا ينظوي تحت مسمى الإجراءات القانونية لسير المعاملات، لكنه في واقع الأمر صراع سياسي وتنافس انتخابي ومحاولات للاستفادة من ملف النازحين ومتضرري العمليات العسكرية ومخلفاتها بشكل يتلاءم مع مصالح الكتل وسياسييها. وعود وبيعُ كلام حكومي بإعادة النازحين وتهيئة البيئة المناسبة لمناطقهم وتطهيرها وإعمارها، يتنافى مع الواقع الميليشياوي الذي يمنع أهالي بعض مناطق حزام بغداد وغيرها من العودة، وتسن تلك الميليشيات قوانين على المناطق التي تسيطر عليها وتجبر المعنيين بالرضوخ لها بشكل أو بآخر، ليبقى أهالي تلك المناطق دون حلول تخفف مأساتهم.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات