الخميس 26 أبريل 2018 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

مواطنون يحرمون من منازلهم ومصادر رزقهم بحجة "رفع التجاوزات"

مواطنون يحرمون من منازلهم ومصادر رزقهم بحجة “رفع التجاوزات”

قسم التقارير – بغداد

بات موضوع رفع التجاوزات يشكل كابوسًا مشتركًا لعدد كبير جدًا من المواطنين، بعد أن أقدمت السلطات البلدية على هدم منازلهم وإزالة مصادر رزقهم من دون توفير أي بدائل لهم، الأمر الذي فاقم -وبشكل كبير- من أزمة السكن والبطالة، وخصوصًا بين شريحة الشباب ، في وقت أكد مصدر مسؤول أن الأمانة هي جهة تنفيذية، وستواصل عملها في هذا المجال من دون توقف؛ لأنها جهة تنفيذية لقرار مصدرة رئاسة الوزراء.

وكانت أمانة بغداد قد باشرت في العام الماضي 2017 بحملة موسعة لهدم جميع المنازل المقامة على أراضٍ زراعية، أو في مناطق تعود ملكيتها للوزارات، فضلًا عن تجريف أغلب الأسواق الشعبية المقامة على الأرصفة، وذلك بمساندة قوات عمليات بغداد لمواجهة أي حالة احتجاج من مالكي هذه المنازل، ومحلات الأرصفة الذين نظموا تظاهرات ووقفات احتجاجية، وقدموا طلبات لتوفير البدائل لهم، ولكن من دون جدوى.

البلدية تنتظر إكمال البناء حتى تقوم بهدمة

“هناك تجاوزات ضخمة يتم غض النظر عنها أو التواطؤ بشأنها، وهي تجاوزات الأحزاب التي تشغل المئات من العقارات الحكومية”

لا يزال “حسن هلال الدليمي” -معلم في مدرسة ابتدائية- يعيش تحت الصدمة، بعد شهرين من قيام بلدية الرشيد بهدم منزله في منطقة “كفاءات السيدية” جنوب بغداد؛ بحجة أنه مشيد على أرض تابعة لأحدى الوزارات، بالرغم من حيازته لعقد الشراء الرسمي وسند التمليك وقرار المحكمة، الذي يؤيد بأن الأرض ملك زراعي صرف لأحد الأشخاص، وهو الذي قام بتقسيمها وبيعها لأكثر من 45 شخصًا، يتقاسمون مع “الدليمي” نفس الفاجعة.

ويوضح “الدليمي” البالغ من العمر “31 عامًا” في حديثه لــ”وكالة يقين”، أنه وبعد 7 سنوات من العمل في الوظيفة استطاع أن يوفر مبلغًا من المال لغرض شراء أرض، وبناء منزل له ولزوجته وطفلته الوحيدة، بعد أن ضاق منزل العائلة الصغير بهم ، مضيفًا أنه كان أمام خيار شراء أرض رخيصة من فئة “الحواسم”، أو عقد زراعي أو طابو زراعي، وأنه استقر رأيه على الأخيرة بعد استشارة عدد من أصدقائه، وقام فعلًا بشراء 100 متر مربع بسعر 10 ملايين دينار في منطقة “الكفاءات” التي تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

ويتابع المعلم الشاب، أنه أنفق 45 مليون دينار على بناء منزل من طابق واحد، وكان على وشك استلامه من المقاول حين تعرض لـكارثة غير متوقعة، تمثلت بقيام كوادر بلدية الرشيد بهدم المنزل بالكامل، ومن دون سابق إنذار ، متابعًا بأن جيرانه تعرضوا للمصير نفسه، بينما اكتفت الدائرة البلدية بالقول: إن الأرض مملكة لأحدى الوزارات، وأن جميع المشترين والذين بنوا فيها يعتبرون متجاوزين على أراضٍ حكومية.

“بات موضوع رفع التجاوزات يشكل كابوسًا مشتركًا لعدد كبير جدًا من المواطنين”

وبنبرة تحمل صوت البكاء، يؤكد “الدليمي” أن البلدية أو المجلس المحلي كان يراقب الذين يشترون ويقومون بالبناء، ولم يكلف أي مسؤول نفسه بإخبارهم أن عملهم مخالف للقانون، ولم يعترض القضاء على الموضوع، وزودهم بقرارات تثبت أن الأرض هي ملك زراعي ، متهمًا هذه الأطراف بالتواطؤ والتعاون مع صاحب الأرض، من خلال السكوت وعدم تبليغ المشترين بحقيقة ملكية الأرض، التي يقسم أغلظ الأَيمان بأنه لن يخرج منها إلا جثة هامدة “على حد تعبيره”.

وكانت كوادر أمانة بغداد قد نفذت نهاية العام الماضي أكبر حملة لإزالة العشرات من المنازل المقامة على أراضٍ زراعية، والتي اشتراها أصحابها من مالكي الأرض وتركزت الحملة في مناطق “السيدية” و”الدورة”، بالإضافة إلى منازل أخرى في منطقَتَي “حي الجامعة” و”الأعظمية”، بذريعة أن أصحابها قاموا بتشييدها من دون الحصول على إجازة البناء الرسمية، ولم يدفعوا الرسوم المقررة على استحصال موافقات البناء.

صاحب منزل: رفضت دفع الرشوة فهدموا بيتي

ولم تفلح توسلات “علاء باسم العكيدي” في ثَنْيِ موظفي البلدية عن هدم منزله المجاور لجامع “ملا حويش” في “حي الجامعة” غرب بغداد، والذي أكد استعداده لدفع أي غرامة تقررها البلدية، مقابل ترك المنزل الذي كان في مرحلة التشطيب النهائية، بعد أن بلغت تكلفته غير النهائية مبلغ الـــ190 مليون دينار.

“العكيدي” يمتلك سيارة دفع رباعي، ويستخدمها في مجال عمله، وهو نقل الركاب بين بغداد وأربيل، واستطاع بعد سنوات من العمل المضني أن يشتري قطعة أرض مناصفة مع أخيه، وباشر ببنائها بعد نصيحة ذوي خبرة أكدوا أنه يمكنه استخراج إجازة البناء أثناء العمل؛ لأنها تحتاج إجراءات روتينية كثيرة، ولكنه فوجئ بتنفيذ قرار الهدم؛ برغم تأكيده للموظف المختص، أنه مستعد لتحمل الغرامة المنصوص عليها بالقانون، أو أن يوقف البناء لغاية إصدار الإجازة.

إزالة مشاريع وأحلام الشباب

ومع أن حالة “العكيدي” تعتبر مخالفة بناء وليست تجاوزًا على أرض حكومية، أو ملك للغير، ولكن أجهزة الأمانة أصرت على معاملته مثل حالة المتجاوزين، وتم هدم منزله من دون أي تفاهم، وهو ما يعزوه “العكيدي” إلى امتناعه في البداية عن دفع مبلغ 400 ألف دينار رشوة إلى موظفي البلدية، من أجل السماح له برمي مواد البناء ومخلفاته في الشارع، مؤكدًا أن اثنين من الموظفين توعدوه بمصير أسود؛ لرفضه دفع هذا المبلغ، ولكنه لم يتخيل أن يكون هذا المصير هدم منزل الأحلام.

ويتفق العديد من الذين التقتهم “وكالة يقين”؛ بأن رشوة موظفي البلدية هي جزء ثابت يجب أن يضعه الراغب بالبناء ضمن المصروفات الأولية له، حيث يزوره موظفو البلدية في الأسبوع الأول للبناء، ويطالبونه بمبلغ يتراوح بين الـ300 و 500 ألف دينار؛ للسماح له باستخدام الرصيف والشارع في رمي مواد ومخلفات عملية البناء.

“رشوة موظفي البلدية هي جزء ثابت يجب أن يضعه الراغب بالبناء ضمن المصروفات الأولية له”

لكن طموح الشاب “مهند إبراهيم الراوي” لا يصل إلى شراء أرض أو بناء بيت، فهو لا يمتلك سوى رأس مال بسيط بدأ به العمل في محل صغير لبيع مستلزمات المطبخ في شارع المضيف بـمنطقة العامرية “غرب بغداد”، قبل أن تقوم بلدوزرات البلدية بهدم المحل وتحويله إلى كومة أنقاض من دون أن يتسنى لصاحبة أن يخرج شيئًا من محتوياته.

ويبين الراوي لــ”وكالة يقين” أنه يمتلك عقد إيجار للمحل، ويدفع الرسوم المترتبة عليه، ولكن البلدية أخبرته بأن صاحب الأرض قام ببناء مجموعة المحلات بشكل غير قانوني، وبدون استحصال الموافقات الرسمية ، مستفهمًا عن مصيره والذنب الذي اقترفه حتى يخسر ملكيته البالغة 12 مليون دينار عراقي، استثمرها في ديكورات المحل وتجهيزاته، والذي يعمل به منذ تخرجه من الجامعة قبل سنة بصفة محاسب، وعجزه عن الحصول على وظيفة في الدوائر الحكومية أو شركات القطاع الخاص.

ويلفت “الرواي” إلى أن مصير الإزالة شمل أكثر من 34 محلًا قريبة منه، بحجة أنها مبنية على أرض حكومية، مستغربًا من هدمها وترك أنقاضها في مكانها منذ 3 أشهر من دون رفعها، وهو ما يثبت أن عملية الهدم كانت لغرض الابتزاز فقط؛ لأن الأرض متروكة ولم يتم استغلالها حتى الآن، وتحولت إلى مجمع أنقاض ونفايات، بعد أن كانت محال نظيفة، وتؤمن الرزق لعشرات العوائل.

أمانة بغداد: نحن جهة تنفيذية لقرارات عليا

غير أن مدير الإعلام في أمانة بغداد “حكيم عبدالزهرة” يرفض الاتهامات الموجهة لهم بهذا الخصوص، مؤكدًا بأنهم جهة تنفيذية لقرار صادر من مجلس الوزراء يقضي برفع كافة أنواع التجاوزات.

ويبين “عبدالزهرة” لــ”وكالة يقين”، أنهم راعوا الجانب الإنساني في هذا الأمر، وهو الذي أحدث لهم في بعض الأحيان تأخيرًا في مباشرة رفع التجاوزات، التي يقر بأن هناك متضررين منها، ولكنه في الوقت ذاته هناك مستفيدون قاموا بالتمدد إلى مناطق أخرى استولوا عليها من دون وجه حق، مثال صاحب المحل الذي يقوم بالاستيلاء على المكان المحيط به والرصيف، ويعيق الحركة ويربك الآخرين.

“الجهات الحكومية لم توفر الحد الأدنى من هذه البدائل لأصحاب العشرات من المنازل

ويؤكد مدير الإعلام، أن الأمانة تبحث عن فرص لتعويض الذين تطالهم حملات رفع التجاوزات، وخصوصًا أصحاب البسطيات، من خلال محاولة إيجاد مكان بديل لهم لمزاولة عملهم ، لافتًا إلى أنهم في بعض الأحيان يستطيعون توفير البديل لهم، وفي أحيان أخرى يعجزون عن توفير البديل حين تكون المنطقة مزدحمة ولا تتوفر فيها الشواغر.

ويدعو المسؤول المواطنين إلى تفهم طبيعة العمل الذي يقومون به، والذي يصب في النهاية لأجل الصالح العام، مستدركًا بأن كوادرهم تتعرض إلى حالات احتجاج جماعي مع كل حملة تنفذها، وتصل أحيانًا إلى إطلاق الرصاص أو التهديد بالملاحقة العشائرية، التي طالت عددًا من المديرين والمسؤولين في الأمانة بسبب ملف التجاوزات.

تجاوزات حزبية غير مشمولة بحملات الإزالة

من جهته يختلف الباحث الاجتماعي والناشط المدني “كريم عاشور البهادلي” مع المسؤول في أمانة بغداد، بخصوص الجدية في البحث عن البدائل ، مبينًا أن الجهات الحكومية لم توفر الحد الأدنى من هذه البدائل لأصحاب العشرات من المنازل، والمئات من المحال والبسطيات التي تمت إزالتها في مناطق بغداد.

ويشدد “البهادلي” في حديث لــ”وكالة يقين” على أنه من غير المنطقي والمعقول أن نعالج مشكلة التجاوزات بمضاعفة مشاكل أخرى أكثر تعقيدًا وإلحاحًا، وهي مشاكل أزمة السكن والبطالة التي يعاني منها عدد كبير من أبناء الشعب، وبالخصوص شريحة الشباب، مبينًا أن هؤلاء سواء كانوا متخرجين جددًا من الجامعات، أو مقبلين على الزواج يعانون من معضلة الحصول على العمل أو السكن، وأن المباشرة بحملات إزالة التجاوزات من دون توفير البدائل فاقمت من معاناتهم.

ويرى “البهادلي” أنه كان من الممكن أن يتم تأجيل هذه الحملات، أو تقنينها إلى حين توفر الظروف الملائمة، مع الأخذ بالاعتبار أن هناك تجاوزات ضخمة يتم غض النظر عنها أو التواطؤ بشأنها، وهي تجاوزات الأحزاب التي تشغل المئات من العقارات الحكومية، وتستولي على مساحات كبيرة جدًا من الأراضي الحكومية من دون وجه حق ، ساخرًا من أن جميع الذين يقومون بهذه الأعمال هم من الأحزاب الإسلامية التي تدعي حرصها ومحافظتها على المال العام.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات