الجمعة 22 سبتمبر 2017 |بغداد 35° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

التباس الهوية على الانسان العراقي بعد الإحتلال 

التباس الهوية على الانسان العراقي بعد الإحتلال 
الهوية الوطنية في كل أمّة هي الخصائص والسمات التي تتميز بها، وتترجم روح الانتماء لدى أبنائها، ولها أهميتها في رفع شأن الأمم وتقدمها وازدهارها ، وبدونها تفقد الأمم كل معاني وجودها واستقرارها، بل يستوي وجودها من عدمه ، ففي عراق ما قبل الاحتلال الامريكي عندما يُسأل المواطن من أي بلدِ أنت ، يُجيب أنا عراقي فقط  ، لأن هوية العراق المفترضة كانت واحدة أو على الأقل لم تظهر الهويات الأخرى وتطفو على السطح بالشكل الذي هي عليه الآن ، وبعد الاحتلال عمل الغزاة على الوصول الى أعظم النتائج المأساوية التي تتعرض لها البلدان المحتلة بتدمير كل ما تبقى من إمكانات المجتمعات المستهدفة وانتهاءً بالضربة القاصمة التي يوجهها المحتل والمتمثلة في تدمير وتمزيق الهوية الوطنية بالكامل والتي هي بداية الانهيار الشامل لكل نواحي البلد.
الهوية الوطنية منذ تأسيس الدولة العراقية وماتعرضت له بعد  ٢٠٠٣
عانى العراق منذ نشأة الدولة فيه عام 1921 ظروفا سياسية واجتماعية عصيبة ، فهو واحد من أكثر بلدان المشرق العربي أزمات ومشاكل ، وقد كان ولا يزال مثقلاً بتركة من التخلف العشائري والتناقض المذهبي والتي صاغتها ظروف نهاية الحقبة العثمانية والاحتلال البريطاني ، إضافة إلى الأنظمة السياسية التي حكمته والتي افتقرت جميعها إلى المشروع الوطني ، مما شكل عدة أزمات مترابطة كالهوية والاندماج والاستقرار السياسي في علاقاته الاجتماعية مع مكوناته المختلفة ومع الدول إقليميًا ودوليًا.
وإن أكبر أزمة تعرضت لها الهوية العراقية هي بعد الاحتلال عام 2003 ، وذلك بعد قيام امريكا بانتهاج سياسة تقسيم المجتمع العراقي أو إعادة تنظيمه على أساس طائفي وإثني تحت ذريعة العدل بين العراقيين وحماية الأقليات المضطهدة ، فانتقلت المفاهيم الوطنية والتي تدعو إلى الوحدة إلى المفاهيم الطائفية والقومية والتي تدعو للولاء للهويات الفرعية التي كانت مستهجنة من قِبل أطياف واسعة من الشعب العراقي عامة.
اذ اصبح المواطن عندما يسأل عن هويته فيُجيب عراقي لا بد من التفصيل ، فالجواب لا يُثري السائل على ما يبدو ، فهناك عراقي شيعي وسني وكردي وهويات أخرى فرعية ممزوجة بهوية العراق الوطنية الضائعة، عراق الوطن الذي من المُفترض أن يَحوي ويَحمي ويَستظل الجميع تحته.
فلا يمكن العمل على موضوع الهوية كمشروع مطروح للإنجاز ، وإنما هي حالة تابعة تترسخ تلقائيًا بعد استقرار إحساس المواطنة المبني على الشعور بالرضا بالانتماء والذي يأتي كنتيجة طبيعية لاستيفاء الحقوق الضرورية والالتزام بالواجبات الموكلة إلى أفراد المجتمع والتي فقدت جراء سياسات حكومات الاحتلال المتعاقبة والتي تعمل على انجاز مشاريع اسيادها المحتلين و ايران الساعية الى بسط نفوذها وسيطرتها على البلد.
تحديات الهوية   
يجهل الكثير من العراقيين عظمة هويتهم رغم انهم يعيشون كل لحظة من حياتهم في ظلها ، طرق معيشتهم وتقاليدهم وفنونهم وآدابهم ولغاتهم ولهجاتهم وميراثاتهم وأديانهم ومذاهبهم ونفسيتهم وعقليتهم وثيابهم ومأكلهم وأرضهم ونهريهم ومناخهم، كل شيء فيهم يحمل ميراث آلاف الاعوام من تلك الحضارات الواحدة المتسلسلة العريقة الشامخة، منذ فجر التاريخ وحتى الآن .
وذلك لأن الأحزاب والكيانات السياسية ومن تبعها و التي جاءت بعد الاحتلال ، ظلت تقول لهم عكس ماهم عليه تماماً ، جعلتهم يقدسون كل  دول العالم ، وخصوصاً طهران و واشنطن و لندن ، إلاّ العراق ، الذي بكل بساطة اتفقت جميع الاحزاب ، القومية والاممية والدينية والليبرالية التي شاركت في العملية السياسية التي انشأها المحتل على نفي وجوده واعتباره مجرد “أطلال” قديمة اصطنعها الاستعمار وتابعة لأحد الدول الخارجية الكبرى .
يجب أن تعتمد الهوية الوطنية على أساس “التعارف” أي أن يعرف كل واحد ما هي ذاته ثم من هو الآخر الذي يشاركه في الوطن ، فمثلاً لكي يدرك الكردي العراقي عراقيته المنسية ، عليه أن يعرف تاريخه الحقيقي وجذوره العراقية الممتدة في كل تفاصيل حياته، ثم كذلك يتعرف على تواريخ الفئات الاخرى المجاورة له في بلدته أو في باقي الوطن، من عرب وتركمان وسريان وصابئة ويزيدية، وغيرهم.
كذلك الشيء نفسه بالنسبة للعراقي العربي الذي تعوَّد العيش في ازدواجية قاسية ، بين وجوده العراقي الصميم وتربيته العروبية التي علمته بأن ارتباطه “القومي” ، أكثر من إرتباطه بشقيقه التركماني أو الكردي أو الصابئي أو المسيحي الذي يعيش معه في نفس الوطن بل حتى في نفس المدينة ، وان هذا العراقي تعوَّد أن يدرس ويقرأ ويشاهد ويسمع في وسائل الاعلام عن تواريخ وثقافات الشعوب العربية أو الاشتراكية أو الغربية، أكثر بكثير مما يخص أشقائه في الوطن.
ان ثقافة الهوية الوطنية لم تعد شيئاً غريباً ومحصوراً ببعض الحالمين ، بل أصبحت ثقافة متداولة وإيماناً يحمله تيار كبير ومتنامي من العراقيين نخباً وأحزاباً وشعباً ، فان السنوات الاخيرة بحربها الطائفية المدمرة ، بالاضافة الى افتضاح حقيقة الاحزاب القومية و الدينية والليبرالية و الكردية و العنصرية التوسعية الانفصالية ، كل هذا أقنع غالبية العراقيين ، بأن (خيمة الهوية الوطنية الجامعة) هي خلاصنا الوحيد وأمن شعبنا وسلامة وطننا .
الهوية الوطنية ومفهومها في العراق.
الهوية الوطنية ومفهومها غايته بلورة حالة توازن وانسجام بين الانتماء الوطني للانسان العراقي ، وانتمائه الفرعي (الحزبي والديني والمذهبي والقومي والمناطقي) ، أي تقديم الحقيقة البديهية التي آمنت بها جميع شعوب المعمورة لكي تخلق وطنها العزيز المستقر.
ان تجربة الاعوام الاخيرة أثبتت بصورة قاطعة ان العراقيين مهما فعل من أجل ان يتناسوا هويتهم الوطنية ، و مهما خطط المحتل الامريكي و المستبد الايراني لجعل المواطن يضحي بها من أجل هويات محلية قومية او طائفية ، فأن “حس الهوية الوطنية” موجود في كل تفاصيل حياتهم وعقليتهم ، لكنهم لايدركونها بسبب الغطاء الذي تفرضه الاحزاب السياسية والشخصيات والمرجعيات الدينية المشاركة والداعمة لحكومات الاحتلال المتتالية المحتقرة للذات والمقدسة للخارج .

المصدر:وكالة يقين

تعليقات