الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 | بغداد 19° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

تراجع الزراعة وأثره على التنمية المستدامة في العراق

تراجع الزراعة وأثره على التنمية المستدامة في العراق

فكرة التنمية الزراعية والريفية المستدامة إحدى الأفكار التي تبلورت في الثمانينات، استجابة إلى الملاحظة المتنامية بأن السياسات والبرامج الزراعية القطرية والدولية ينبغي أن تنطوي على مجموعة من المسائل الاقتصادية والبيئية والاجتماعية و الثقافية أوسع نطاقا من المجالات التقليدية للإنتاجية الزراعية ، والأمن الغذائي ، حيث اعتمد العراق هذه الافكار لتطوير الواقع الزراعي والخلاص من التبعية الخارجية ، لكن مجيء الاحتلال الامريكي عام 2003، قلب الامور رأساً على عقب ، اذ فقد العراق الكثير من موارده ، كنتيجة سوداء لتداعيات الاحتلال وما جاء به من واقع مرير .

الزراعة بعد عام 2003
يعد العراق من أهم البلدان الزراعية المؤهلة لزراعة كافة انواع الخضر والحبوب على مختلف انواعها ، فضلاً عن تميّزه بإنتاج أنواع نادرة من الحبوب كالارز ، المعروف بـ”العنبر” ، كما انه لديه أكثر من 600 صنف من التمور ، وذلك لجملة اعتبارات أبرزها طقسه المتّصف بارتفاع درجات الحرارة لشهور عدة في الصيف ، وتوفر أراض واسعة وتربة خصبة ووفرة المياه المتمثلة بنهري دجلة والفرات .

“اتحاد الجمعيّات الفلاحية” أقر بتدني مساحات زراعة الأرز ، إلى نحو 40% عن مستواها السابق ، وان السبب يعود إلى قلة المياه والأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدها العراق منذ العام 2003 ، فاصبحت زراعة الارز مقتصرة على اراض محدودة وبانتاجية ضعيفة .

“مهدي ضمد القيسي” مسؤول في وزارة الزراعة ، اعترف بإن زراعة الأرز في العراق باتت محدودة ، بفعل الموارد المائية ، لذا حصرنا زراعة هذا المحصول في أربع محافظات تقع في منطقة الفرات الأوسط ، وتحديداً في النجف والمثنى والديوانية وذي قار .

وأن المساحة المخصصة لزراعة الأرز تراجعت حتى باتت هذه الزراعة ، لا تسد ربع الحاجة السنوية للمواطن العراقي، إذ لا تتجاوز نسبتها الـ 15% من مجموع المحاصيل الزراعية ، علماً أن إنتاج الأرز اليوم في العراق يصل الى 110 آلاف طن سنوياً ، وهو رقم لا يشجع للوصول الى الاكتفاء الذاتي .

“حسن التميمي” رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية قال ان الزراعة في العراق آخذة بالتراجع ، بفعل تقليص الحصص المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الخدمات الزراعية المقدمة للفلاح ، وتدني ألاسعار المبيعة إلى مخازن الدولة ، مما ادى الى عزوف كثير من المزارعين عن الزراعة ، بدليل أن المساحات المزروعة في محافظات منطقة الفرات الأوسط ، وتحديداً في النجف والمثنى والديوانية وذي قار ، ولبعض الانواع للعام 2013 قدرت بـ200 ألف دونم ، أمّا في العام 2014 فتراجعت الى 127 ألف دونم ، و لم  تتجاوز حالياً الـ90 ألف دونم ، مما يشير إلى إمكان اندثار  انواع عديدة من الزراعات المعروفة .

“فرعون أحمد الجبوري” مدير عام الهيئة العامة للنخيل ، قال : ان أعداد النخيل كانت تبلغ حتى العام 1980 أكثر من 30 مليون نخلة ، إذ وصل الإنتاج إلى 932 ألف طن سنوياً . غير أن الحروب ، دمرت الكثير من البساتين ، بالإضافة إلى الإهمال وعزوف المزارعين عن الاعتناء بأشجار النخيل لضعف مردودها الاقتصادي ، مقارنة بفرص العمل المتاحة في مراكز المدن . كل ذلك أدى ، إلى حدوث نقص حاد في أعداد أشجار النخيل وصل إلى نحو 50%. وكانت قد قدرت أعدادها بـ 16 مليون نخلة في آخر إحصاء “غير رسمي”، بني على توقعات ، أي أن العراق فقد 14 مليون نخلة .

“قحطان رحيمة” مزارع من جنوب بغداد ، يقول إنه اضطر هذا العام إلى زراعة 50 دونماً فقط من أرضه البالغة مساحتها 250 دونم ، حتى يضمن توفير المياه الضرورية للمحصول ، التي باتت حجر عثرة أمام كل المزارعين في هذه المناطق ، برغم أننا نمتلك أكبر نهرين في المنطقة .

لافتاً إلى صعوبات عدة يواجهها الفلاحون ، خصوصاً من حيث فتح قنوات مياه جديدة ، أو التزود بمادة الوقود التي تشغل ساحبات المياه ، ناهيك بمحاربة دوائر الموارد المائية لنا والتي لا تسمح لنا بأخذ الكميات المائية المناسبة بحجة الخوف من نقص المورد المائي ، وهذا ما تسبب بهجرة الكثيرين منا إلى المدن أو بهجرة الزراعة كلياً.

“أبو مناف العكيلي” متخصص في زراعة النخيل قال : ان وضع النخيل يسير باتجاه مأساوي ، والسبب قلة الأمطار وشح المياه ، وكذلك قلة المبيدات في وقت تضاعفت أعداد الحشرات التي تنخر نخيلنا ، ووزارة الزراعة عاجزة عن دعم المزارع سواء بالمبيدات أو بالأسمدة ، فيما كانت الطائرات قبل العام 2003 ترش المبيدات من الجو سنوياً ، وهذا ما عاد يحصل اليوم .

طاقة الزراعة في العراق
يعد العراق أحد أبرز مواطن الزراعة ، اذ أن المقدرة المالية كبيرة واليد العاملة والأطر الفنية متوفرة والمصادر المائية كافية ، و الأراضي الصالحة للزراعة تتعدى 11,5 مليون هكتار ، في حين يشكل حجم المياه في العراق ربع المياه المتاحة في العالم العربي ، رغم المشاكل المثارة حول منابع دجلة والفرات.

اذ تعادل حصة العراقي من الناتج الزراعي ، أكثر من أربعة أضعاف الحصة الزراعية للفرد في كل من تونس وسوريا وثمانية أضعاف الحصة الزراعية للفرد في المغرب ، في حين أن هذه البلدان الثلاثة لا تعاني كالعراق من نقص التغذية بل إنها تحتل على التوالي المراتب العربية الأولى والثالثة والثانية في الصادرات الزراعية.

فلو استغلت الزراعة بشكلها الصحيح ، وخطط لها كأحد موارد الناتج القومي ، وحسب ضوابط ترفع قيمة التنمية المستدامة ، لحقق العراق الاكتفاء الذاتي ، ليس ذلك فحسب بل يمكنه أيضا تصدير كميات كبيرة من المواد الغذائية ، في حين أن الصادرات غير النفطية خاصة الزراعية توقفت كليا منذ سنوات .

تحذيرات اممية من انعدام الامن الغذائي
“عبد السلام ولد أحمد” المدير العام المساعد والممثل الاقليمي لمنظمة الفاو في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا قال في تقرير معنون “نظرة إقليمية عامة حول انعدام الأمن الغذائي في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا” ، : ان العراق واليمن شهدا ازدياد أعداد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي ولاسيما النازحين من البلدين جراء الحروب ، كما ان تزايد حدة الأزمة السورية خلال الفترة من 2015-2016، ترك أكثر من نصف السكان بحاجة للمساعدات الغذائية .

وإن حالة الأمن الغذائي ومستويات التغذية تدهورت بشكل حاد في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا خلال السنوات الخمس الماضية، بما يقوض التقدم الثابت الذي تحقق ، عندما زاد انتاج الغذاء وانخفضت مستويات نقص التغذية والتقزم وفقر الدم والفقر، مشيرا إلى أن هذا التدهور سببه الرئيسي انتشار وكثافة النزاعات والأزمات المطولة .

فالمنطقة تواجه تحديات غير مسبوقة لتحقيق أمنها الغذائي نظراً لمخاطر متعددة ناتجة عن النزاعات ، وندرة المياه ، والتغير المناخي ، تحتاج دول المنطقة إلى تنفيذ استراتيجية إدارة مياه طويلة الأجل وشاملة ومستدامة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في التخلص من الجوع بحلول العام 2030  مبينا ان توفير بيئة سلمية ومستقرة هو شرط أساسي ليتمكن المزارعون من الاستجابة لتحديات ندرة المياه والتغير المناخي .

“برنامج الأغذية العالمي” اوضح في تقرير له عن تعرض نصف عدد الأسر العراقية الى خطر انعدام الأمن الغذائي ، مشيرا الى أن نسبة العراقيين الذين يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل بدء معركة الموصل ومن دون الفارين من مناطق الصراع تبلغ 2.5 بالمئة ،ولم يعد بإمكانهم استيعاب أي صدمات أخرى مثل الصراعات أو ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية .

التقرير الذي يعد من أقوى الدراسات التقنية في مجال الأمن الغذائي التي أجريت في العراق ، حسب ماراه خبراء ، يحذر من مستويات غير مسبوقة من الضعف، ويقدم توصيات رئيسية لتجنب حدوث أزمة غذائية في البلاد.

و أنه جرى جمع البيانات ، و اختتم بنهاية عام 2016 ، وشمل المسح أكثر من 20 ألف أسرة عراقية في المناطق الحضرية والريفية من بينهم هؤلاء الذي نزحوا داخليا والذين ما زالوا يعيشون في منازلهم ، مبينا أن التحليل وجد أن 53 في المائة من السكان و66 في المائة من النازحين داخليا معرضون لانعدام الأمن الغذائي .

و أن معدل انتشار انعدام الأمن الغذائي ارتفع للضعف بين الأسر النازحة داخليا مقارنة بالأسر الباقية في منازلها ، موضحا أن أعلى تركيز للأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي كان في الجزء الجنوبي من البلاد ، ولاسيما في شمال المثنى ، وأجزاء من صلاح الدين .

كل المؤشرات الراهنة تؤكد تراجع الزراعة و محاصيلها ، لأسباب توزعت ما بين الحروب وقلة الدعم والاهمال الحكومي وهجرة الفلاحين ، وبرغم التطمينات الحكومية بدعم هذه الزراعة وإرجاعها إلى مكانتها الحقيقية ، يبدو أن غالبية المزارعين والمختصين غير متفائلين بهذه التطمينات التي لم ير منها غير الوعود ، فالواقع بعيد جدا عما تتكلم عنه الحكومة ، فلا خطط  لدمج الزراعة المستدامة في السياسة القومية والدولية ، والفقر وانعدام الأمن الغذائي ما زالا بتزايد ،  فالحكومات المتعاقبة لم تقم باي دور مسؤول ، ولم تمثل المصالح العامة للمواطنين جميعاً .

المصدر:وكالة يقين

تعليقات