الثلاثاء 23 يوليو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

الدرجات الخاصة.. صراع المرحلة المقبلة في العراق

الدرجات الخاصة.. صراع المرحلة المقبلة في العراق

ملامح صراع جديد بدأت في العراق، مضمونها الدرجات الخاصة ورئاسة الهيئات في الحكومة الحالية، لكنها قد تأخذ عناوين مختلفة تعكس جميعها الخلافات التي تدور في فلك الكتل السياسية وسعيها وراء تعزيز نفوذها عبر المزيد من المناصب.

الدرجات الخاصة يقصد بها المناصب الحكومية الأدنى من الوزارات، التي يشغلها رؤساء الهيئات ووكلاء الوزارات والمستشارون ورؤساء البعثات والمدراء العامون، وبشكل أوضح، فإنها تشمل كل درجة مدير عام فما فوق والبالغ عددها وفقاً لتقديرات غير رسمية، بـ 4500 موقع، بينما يقول رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أنها لا تزيد عن ألف درجة.

عبد المهدي يقر بالتدخلات الحزبية

“ادعاءات الجهات السياسية الفارغة وانشغالها بالمكاسب والمغانم من دون المبالاة بمعاناة العراقيين، تسبب بخلق فجوة واسعة بينها وبين الشارع”

وتصر الكتل السياسية على الحصول على حصتها من تلك الدرجات أسوة بالكابينة الوزارية، إذ رفضت التصويت لأسباب أبرزها غياب التوافقات التي تؤكد على المحاصصة الحزبية.

وخلال الفترة السابقة ولاسيما خلال حكومة نوري المالكي اُديرت تلك الدرجات بالوكالة، ومثلت أغلبها رغبة حزب الدعوة (جناح المالكي) بحسب ما أكدته شخصيات سياسية، إلا أن تلك المناصب تنتهي مدتها في الثلاثين من حزيران وذلك وفقا لقرار صوّت عليه البرلمان مسبقا.

رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أكد على وجود تدخلات وضغوطات تمارسها الكتل السياسية لتمرير أسماء من قبلها في الدرجات الخاصة، مبينا أن عدد الدرجات التي تدار بالوكالة عام 2008 كانت نحو 110، وأن عدم اتخاذ إجراء بشأنها أدى إلى تراكمها.

الرئاسات الثلاث تمدد الإدارة بالوكالة

ولتلافي الأزمة القانونية التي يسببها تصارع الكتل على الدرجات الخاصة عقدت الرئاسات الثلاث اجتماعاً، في قصر السلام ببغداد حضره رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، وخلص الاجتماع بحسب بيان لرئاسة الجمهورية بالاتفاق على منح الحكومة وقتا لغاية الـ 24 من شهر تشرين الأول هذا العام (تاريخ انتهاء سنة من عمر الحكومة)، من أجل اختيار شخصيات لإدارة مؤسسات الدولة، وإنهاء ملف الإدارة بالوكالة.

وبعد اتفاق الرئاسات الثلاث، أعلنت كتلة سائرون التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر استياءها مما وصفته بقرار الرئاسات غير الموفق، وأكدت في بيان لها على أن الاتفاق على تعديل المادة (58) من قانون الموازنة من خلال منح الحكومة وقتا لغاية الرابع والعشرين من تشرين أول المقبل، سيؤدي إلى مزيد من الاتفاقات السرية للحصول على الدرجات الخاصة من قبل بعض الكتل.

“على الرغم من اعتماد المحاصصة الحزبية في تقاسم المناصب العليا، غير أن تلك المحاصصة همشت جهات وزادت رصيد جهات أخرى تمتلك الميليشيات”

أما كتلتا (بدر) بزعامة هادي العامري و(صادقون) بزعامة قيس الخزعلي أعلنتا رفضهما للمحاصصة، وأكدتا – وهما محور تحالف (الفتح)- على تنازلهما عن أي استحقاق لهما من الدرجات الخاصة بحسب البيانات الرسمية للكتلتين.

الموقف الرسمي لتحالفي سائرون والفتح واللذان يعتبران حجر الأساس في تشكيل حكومة عبد المهدي لا يخرج عن إطار الموقف الإعلامي فقط الخادع للشارع بحسب مراقبين، فعلى أرض الواقع التحالفان هم الأكثر استحواذا على المناصب الوزارية، والدرجات الخاصة أيضا.

تناقض بين أقوال وأفعال الكتل السياسية

المحلل السياسي نجم القصاب تحدث عن التناقض الكبير بين ما تعلنه الكتل السياسية وتخفيه بشأن تقاسم المناصب في الدولة.

وقال القصاب في تصريح لوكالة “يقين”، إن “الصراعات بين القوى السياسية على المناصب في العراق ليست جديدة، فهي صفة رافقت العملية السياسية بعد العام 2003، وأوضح أن الأحزاب التي هيمنت على المشهد وعلى مقدرات البلاد تقول وتدعي رسميا أنها ترفض المحاصصة الحزبية وأنها لا ترغب بالمناصب، بينما الواقع أن تلك الجهات تتفق تارة وتتصارع تارة أخرى من أجل تلك المواقع المهمة في الدولة”.

وأضاف القصاب إن ادعاءات الجهات السياسية الفارغة وانشغالها بالمكاسب والمغانم من دون المبالاة بمعاناة العراقيين، تسبب بخلق فجوة واسعة بينها وبين الشارع، الذي بات يدرك جيدا أن ما يراه ويسمعه عن التوترات والصراعات السياسية غرضه تحقيق المكاسب الحزبية الضيقة فقط، مؤكدًا على أن الكتل والأحزاب تتسابق في الحصول على الدرجات الخاصة التي تزيد عن (4600) درجة أكثر من سعيها على المناصب الوزارية.

ولفت إلى أن الكتل تحاول الاتفاق وحسم نصيبها من المواقع المهمة في إدارة الدولة بأسرع وقت ممكن، وذلك خوفا من غضب شعبي بانت ملامحه تبدأ من البصرة، مشيرا إلى بعض الجهات التي تدعي المعارضة الشكلية تصر أيضا على نيل حصتها في إدارة مؤسسات الدولة.

محاصصة قائمة على تهميش مكونات معينة

وعلى الرغم من اعتماد المحاصصة الحزبية في تقاسم المناصب العليا، غير أن تلك المحاصصة همشت جهات وزادت رصيد جهات أخرى تمتلك الميليشيات وتتحكم بسلاح الدولة.

تحالف القوى العراقية (تحالف سني يتزعمه رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي) كشف عن وجود تهميش كبير يطال العرب السنة في ملف الدرجات الخاصة.

“محافظة نينوى التي يبلغ عدد سكانها 4 مليون نسمة، تم تهميشها بشكل صارخ في الحكومة الحالية”

النائب عن التحالف فالح العيساوي قال في تصريح لمراسل “يقين”، إن “ملف الدرجات الخاصة يعد أكثر تعقيدا من ملف الكابينة الوزارية نتيجة لوجود مكونات تم تهميشها طيلة السنوات الماضية ولا يوجد لها تمثيل يوازي حجمها في تلك المناصب”.

العيساوي أضاف إن 90% من المناصب العليا يسيطر عليها مكون واحد فقط، أما تمثيل المكون السني طيلة السنوات السابقة فهي لا تتجاوز 9% من العدد الكلي في وقت أن التعداد السكاني للمكون بحسب احصائيات التعداد السكاني والبطاقة التموينية هو 38% حسب قوله.

العيساوي شدد على ضرورة الالتزام بالمادة التاسعة من الدستور التي تؤكد على ضرورة تحقيق التوازن في تمثيل الشعب، مبينا أنه في حال لم يتم الالتزام بذلك واستمرت سياسة تهميش المكونات وتغييبها، فإن التحالف سيراجع موقفه في دعم عبد المهدي.

الأحزاب المسلحة تستحوذ على الدرجات

النائب السابق عن محافظة نينوى “محمد نوري العبد ربه” أكد على استحواذ الجهات السياسية التي تمتلك الفصائل المسلحة على المناصب الحساسة في الدولة العراقية.

العبد ربه قال في تصريح لـيقين، إن “محافظة نينوى التي يبلغ عدد سكانها 4 مليون نسمة، تم تهميشها بشكل صارخ في الحكومة الحالية، إذ ليس لها أي تمثيل وزاري في حكومة عبد المهدي، كما ليس لها أي تمثيل في الدرجات الخاصة”.

“المحاصصة الحزبية هي سيدة الموقف وليس معيار الكفاءة والمهنية”

وتعليقا على قرار تمديد عمل الدرجات الخاصة، قال العبد ربه إن البرلمان لم يحترم قراره السابق القاضي بانتهاء عمل المناصب التي تدار بالوكالة في الثلاثين من حزيران، معللا سبب التمديد للتحضير على تقاسم المناصب بين الكتل ولاسيما الكبيرة منها.

وأضاف العبد ربه إن أكثر الجهات التي باتت تسيطر على الدرجات الخاصة هي الجهات السياسية صاحبة النفوذ والسلاح والفصائل المسلحة ولاسيما الفتح وسائرون والعصائب، التي أصبح لها واقع سياسي جديد يختلف عن السابق، مبينا أن رئيس الوزراء يتعامل مع الفتح وسائرون أكثر من التعامل مع الجهات الأخرى ولذلك يكون لهم النصيب الأكبر من الدرجات.

وبشأن ادعاءات بعض الكتل التخلي عن حصصها من المناصب الخاصة أكد العبد ربه على أن ذلك تنازل اعلامي فقط وليس تنازل حقيقي، مشيرا إلى أن الكتل التي تتحدث عن نبذ المحاصصة لكنها في الواقع تمتلك الوزراء والوكلاء وفقا للمحاصصة.

ويؤكد النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني “شيروان الدوبرداني” على تهميش العرب والكرد في السنوات السابقة في ملف الدرجات الخاصة.

الدوبرداني قال لمراسل “يقين”، إن “الصراع بين الكتل السياسية على المناصب العليا لايزال مستمرا حتى اللحظة، وإن المحاصصة الحزبية هي سيدة الموقف وليس معيار الكفاءة والمهنية”، ولفت إلى أن العرب والكرد في الفترة السابقة واجهوا تهميشا وإقصاء متعمدين بخصوص استحقاقهم من المواقع الحكومية.

تحذيرات من انهيار الدولة بسبب المحاصصة

“الدرجات الخاصة بكل دقة تمثل درجات خاصة لكن للأحزاب الشيعية والكردية والسنية، وهي لا تأخذ الكفاءة والمهنية معيارا”

أما المكونات الأخرى فوجدت في ملف الدرجات الخاصة تهميشا واضحا لها أيضا، وحذرت من انهيار الدولة العراقية جراء استمرار سياسة المحاصصة وتقاسم السلطات على أساسها.

رئيس الجبهة التركمانية “أرشد الصالحي” قال في تصريح لوكالة (يقين)، إن “الدرجات الخاصة بكل دقة تمثل درجات خاصة لكن للأحزاب الشيعية والكردية والسنية، وهي لا تأخذ الكفاءة والمهنية معيارا”.

وأضاف الصالحي إن أي كتلة تتحدث عن عدم التدخل بترشيحات رئيس الوزراء بشأن الدرجات العليا فذلك يعني العكس تماما، أي بمعنى أنها حددت مرشحيها بالأسماء وقدمتها لعبد المهدي، محذرا من أن استمرار تلك السياسات ستؤدي إلى انهيار الدولة العراقية، حسب تعبيره.

لكن زعيم ائتلاف الوطنية إياد علاوي حمّل مجلس النواب مسؤولية استمرار إدارة المناصب بالوكالة من قبل الأحزاب السياسة، وقال علاوي في تصريح صحفي تابعته (يقين)، إن “مجلس الخدمة الاتحادي يتولى بموجب الدستور مهام تعيين الدرجات الخاصة في الدولة، وتأخر إقرار المجلس من البرلمان يجعله مسؤولا عن إدارة المناصب بالوكالة وتقاسمها من قبل الكتل السياسية”.

تأجيل حسم ملف إدارة المناصب بالوكالة في حكومة عبد المهدي يعيد إلى الأذهان بدعة المالكي التي سنها في حكومته وعززها من خلال تعيين الآلاف بالوكالة، مع وجود فارق واحد، وهو أن المالكي صادر الدرجات الخاصة لصالح ائتلاف دولة القانون فقط، أما عبد المهدي سيجد نفسه مضطرا لتقسيمها بين تحالفي الفتح وسائرون بعد أن أوصلاه إلى رئاسة الوزراء.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات