الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

بغداد رهان طهران الأخير

بغداد رهان طهران الأخير

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومنذ حملته الانتخابية وحتى بعد وصوله للبيت الأبيض تنتابه رعشة المال حين يأتي على ذكر العراق، فينتفض بشتائمه على السياسيين العراقيين واصفاً إياهم باللصوص الذين سرقوا أموال أميركا وأموال العراقيين، وأنهم “أبرع مجموعة لصوص” في أعقاب الحديث عن تبدد نحو 1.7 مليار دولار أميركي منحتها واشنطن للحكومة العراقية بعد 2014، مساعدات إنسانية لبغداد، وبهدف إعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها الحرب.

في حديث تلفزيوني تداولته مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا كرر ترامب وصفه للسياسيين بأنهم “لصوص أتوا للسلطة بفضلنا منذ أسقطنا النظام وكانت هذه حماقة”، وعبّر عن صدمته بسبب منع إدارة مول المنصور ببغداد بعدم استقبال مجموعة من الأطفال اليتامى، رغم أن هذا الحادث لم يهز مشاعر أي من أولئك السياسيين في بغداد.

“العراق بالنسبة لطهران هو التاج على رأس ولاية الفقيه في طهران فكيف تخسره وهو رهانها الأخير في المعركة الطويلة”

مع كل تلك الشتائم الترامبية التي تقرع آذان قادة الحكم إلا أنهم ظلوا صامتين، ولو توفرت لديهم أدنى حدود الشجاعة والعزة بالنفس لصرخوا بوجه سفير الولايات المتحدة في العراق وطالبوه بتفسيرات دبلوماسية مقنعة، لكنهم لم يفعلوا شيئا، إما لأن ذلك وصفا حقيقيا لحالهم ويخشون من كشف الكثير مما تعرفه الجهات الأميركية عن سرقاتهم وملفاتهم الأخرى، وإما لسبب مضاف هو طلب إيران صمتهم لكي لا تختلط الصفحات أمامها في التصعيد الأميركي، وتخسر نفوذها دفعة واحدة في سوريا والعراق واليمن.

فالعراق بالنسبة لطهران هو التاج على رأس ولاية الفقيه في طهران فكيف تخسره وهو رهانها الأخير في المعركة الطويلة. إيران تشتغل بهدوء مريب وتكرّس إمكانياتها الاستخبارية والعقائدية والإعلامية في ترتيب خطط الحفاظ على سلطة السياسيين الموالين لها في بغداد. ولهذا حين استفزتهم دعوات بعض الفصائل الشيعية بالاستقلالية ورفع جمهور واسع من الشيعة شعارات من قبيل “إيران برّة برّة” خرج علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي، وقال في مؤتمره الصحافي ببغداد: إن “الصحوة الإسلامية لن تسمح للشيوعيين والليبراليين بالعودة إلى الحكم”، ما أثار غضب أوساط واسعة من الوطنيين العراقيين وبينهم سياسيون وبرلمانيون شيعة، حيث صرح أحدهم “إن شرفاء العراق لن يسمحوا لعلي أكبر ولايتي ولا لغيره من الإيرانيين بالتدخل في الشأن العراقي”.

طهران تستخدم وسيلة تضخيم المخاطر أمام الزعامات الشيعية الماسكة بسلطة العراق وتخويفهم من احتمال ضياع حكمهم إذا ما تنازعوا وتفرقوا على توزيع ودرجات المناصب، وعندما أصبح مقتدى الصدر العقبة جاؤوا إليه بثقل سياسي عال وبأقرب شخص من ولي الفقيه (ابنه) إلى جانب قاسم سليماني لإقناعه بالتراجع عن ذلك التصعيد في دعوات الخروج من التبعية الإيرانية وغير الإيرانية.

“الأوروبيون يلهثون وراء مصالحهم التجارية ولا يريدون خسارة الكعكة الإيرانية”

ويبدو أنهم نجحوا في مسعاهم الاحتوائي للصدر لغلق منافذ هذه الثغرة السياسية التي قد تكبر ويستفيد منها دعاة الاستقلالية العراقية من زعامات عربية سنية وكردية، وتصبّ في النهاية في المشروع العربي والأميركي بتحجيم وتقليص النفوذ الإيراني في العراق، الذي تشتغل عليه بجدّية إدارة ترامب وأركانه الصقور الذين ينفذون الآن برنامج احتوائها بوتيرة أقصر زمنياً مما حصل ضد العراق في عهدَي الرئيسين بيل كلينتون وجورج بوش الابن بمستويات متعددة مالية وسياسية وأمنية، ولا يتوقع لهذه السياسة استخدام الأمم المتحدة ومجلسها رغم المحاولات البطيئة للخارجية الأميركية منذ أسابيع في نيويورك لبناء تحالف دولي.

فالأوروبيون يلهثون وراء مصالحهم التجارية ولا يريدون خسارة الكعكة الإيرانية، مع ذلك فتلك الدول لا يمكن أن تتخلى عن مركز مالها في أميركا في وقت تتسارع خطوات ترامب الاحتوائية ضد طهران في العقوبات التجارية وسعيه إلى قطع شريان النفط الإيراني إلى العالم.

فالمخطط الواضح الذي ينفذ ببطء هو محاصرة إيران وفق إستراتيجية البنود الاثني عشر التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الشهر الماضي، والعمل الجدي على طردها من سوريا والتوافق مع موسكو لمقايضة واشنطن سوريا بالعراق بعد إخلائه من النفوذ الإيراني.

ولهذا ظهر للعلن الارتباك السياسي الإيراني بإطلاق التهديد بغلق مضيق هرمز عبر تصريحات للرئيس حسن روحاني، واستجابة قاسم سليماني برسالة مفادها أن الحرس الثوري سيعطل الملاحة النفطية في الخليج إذا طلب منه ذلك، فجاء الرد الأميركي سريعا على لسان المتحدث باسم القيادة المركزية للقوات الأميركية الذي قال إن “القوات الأميركية وحلفاءها الإقليميين مستعدون لضمان حرية الملاحة في هرمز بقوة السلاح”. وسرعان ما تراجع النظام الإيراني عن تهديداته، فالعالم لا يقبل أن يتحول إلى لعبة بيد خامنئي الذي يعتقد أن هيمنته على العراق ولبنان تمنحه قدرات إستراتيجية هائلة للرد في منطقة حيوية يغمرها النفط.

ولم يتذكر حكام طهران أن نظام صدام حسين كان يمتلك النفط والسلاح والدولة وهدد الأميركيين بجميع الأوراق التي تلوح بها طهران اليوم، لكن النتيجة كانت الحرب والاحتلال الذي سقط من خلاله النظام والدولة بسرعة. ولا يتوقع ترامب في إحدى تغريداته للعراق أن يعيش الاستقرار في ظل الحكم الذي صنعوه هم مع شركائهم الإيرانيين.

هناك من يقول بأن حالة الشدّ العالي لن تقود إلى مواجهة جادة أميركية إيرانية، وإنما هي مجرد تدريب على عرض إمكانات القوتين. لكن المؤشرات العملية تجيب بأن المعركة انفتحت في جميع الجبهات ومن ضمنها جبهة العراق، وما يهم الزعامات العراقية الشيعية الحاكمة في هذه المعركة لا يتجاوز الاطمئنان على كراسي الحكم والاحتفاظ بها بقرار من القطبين الإيراني والأميركي.

“تعمل إيران عبر وسائل إعلامها وإعلام الجماعات التابعة لها في العراق على ترويج خطابات المغالاة بالقوة الإيرانية”

مع أن السيناريوهات المحتملة قد تفقد الزعامات السياسية سلطتها إذا ما لم تفتح عيونها الصافية لمصير إيران، وأن تتحصن الأحزاب العراقية بالولاء لبلدها العراق، لأن طهران ستستخدم أدواتها الميليشياوية وهي حالياً تترجم ذلك عبر تهديدات بعضها موجه للوجود العسكري الأميركي المكثف في قواعد عسكرية مهمة من مناطق العراق، وقد يأتي طلب رئيس الوزراء حيدر العبادي قبل أيام من الأميركيين بتقليص مستشاريهم العسكريين في العراق تلبية للرغبات الإيرانية مع أن المعركة ضد تنظيم داعش لم تنتهِ بعد.

كما تعمل إيران عبر وسائل إعلامها وإعلام الجماعات التابعة لها في العراق ومجموعة من الكتاب والصحافيين المأجورين على ترويج خطابات المغالاة بالقوة الإيرانية، حيث يتم تسريب أخبار كالتي تتحدث عن دعوة أميركية لإيران بضرورة اعترافها بإسرائيل وعند ذاك تصبح طهران سيدة العرب، وغيرها من الفبركات الصحافية مدفوعة الثمن.

إيران رغم حملة تعظيم قوتها تعيش حالة ذعر شديد من القادم، والانتفاضة الشعبية بوجه حكم الملالي تتصاعد هذه الأيام في العاصمة وفي غالبية المدن الإيرانية وسط دعم أميركي سياسي وإعلامي غير مسبوق في ظل إدارة تجاوزت إحباط الإيرانيين من الرئيس السابق باراك أوباما، ووصل الأمر بالمسؤولين الأميركيين أن يحددوا جداول زمنية لعمر النظام الإيراني بالشهور، وقد تكون معركة وجوده الأخيرة ليست في طهران وإنما في بغداد، حتى وإن تطلب ذلك دماء عراقية تسفك على ضفاف دجلة قرباناً لولي الفقيه، لكن تلك مراهنة خاسرة فحين يجد الجدّ فإن قسما قليلا جدا من شيعة العراق سيضعون مصيرهم مع مصير طهران، وحين يشعرون بارتجاج أركان نظام طهران فسيتخلون عنه بسرعة ويعودون إلى أصالتهم الحقيقية عراقيين.

وحري بالسياسيين العراقيين الاستعداد للأيام الصعبة المقبلة. أما الأميركان فما زال فهمهم للعراق سطحياً رغم مكوثهم على أراضيه ثماني سنوات، وإذا ما أدركوا حقيقة العراقيين من خارج عقول سياسييهم الحكام، فسيكتشفون سهولة إدارة معركة إخراج إيران من العراق، فالسجادة العجمية التي حيكت بدهاء خلال خمسة عشر عاماً من قبل الفريق الإيراني الذي يقوده حالياً قاسم سليماني وسحرت عيون الناظرين ببراعة المزج بين العقائدي الشيعي المؤيد لولاية الفقيه والسياسي المُهَدّد بضياع سلطته ببغداد، حين تلتهمها النيران أو تجرفها السيول تتحول إلى رماد وخرقة غير مأسوف عليها مقابل نجاة أهل العراق من هذا الكابوس.

المصدر:صحيفة العرب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات