السبت 16 نوفمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

غياب الدولة يهدد حاضرة الموصل

غياب الدولة يهدد حاضرة الموصل

قرار الموصل بالانضمام إلى الدولة العراقية في استفتاء عام 1918 (على أحد الأقوال) كان أساسه وجود دولة ومجتمع وقد أدت الحكومة المركزية في الدولة الفتية دوراً هاماً في رعاية تعايش غني بين مجتمعات وأديان مختلفة. اليوم لا توجد دولة في العراق والموصل تتحكم بها مليشيات خوف وفساد وتهدد مجتمعها وأسباب بقائها على قيد الحياة حاضرةً، ومن حق الموصل البحث عن أسباب البقاء.

 شغلنا سؤال ونحن صغار: لماذا تختلف لهجة الموصل عن محيطها، ولماذا تختلف بطباعها وتقاليدها وسحنتها؟ لم نكن نجد إجابة على السؤال (ثقافة الحاضرة لم تسمح بذلك) وكان السؤال لا يلبث أن يتلاشى أمام طموح الفتى الموصلي إلى التميز والتفوق (لا على مستوى مدينته فحسب) وإنما على مستوى العراق وهو أهم وسام يشهره الموصلي عند التعريف بكفاءته العلمية.

“رقعة جغرافية زاخرة بالحضارات وبأحداث التاريخ والأديان والفنون والمدنية”

الحديث المشهور عن وضع الموصل بعد 1918 عنوان بلا مضمون لحدث لا علاقة لأهل الموصل به، خرائط سايكس بيكو انتزعت الموصل من نسيجها الاجتماعي الإقليمي ومن جغرافية كانت هي عاصمتها وتضم حواضر عربية على رأسها حلب وماردين وصعرت وجزيرة ابن عمر وأورفه وهي رقعة جغرافية زاخرة بالحضارات وبأحداث التاريخ والأديان والفنون والمدنية وهو الذي صبغ مجتمعاتها بصبغة التعايش الديني والقومي والتنوع الفني والذوقي وفي هذا إجابة على سؤال الطفولة البريء الذي لم يتبقَ أمامه اليوم مغريات يتلاشى أمامها ويصر على إجابة تعرّفه معالم درب وجد نفسه عليه دون اختيار.

لم تمنح الخارطة الجديدة حاضرة المنطقة وعاصمتها الجغرافية (الموصل) مكانتها القادرة على تبوئها والتي كان لها اقتصاد عالمي يتمثل بصناعة النسيج المصدر إلى أوروبا وفن عالمي وصناعات حرفية فاقت في عددها وتنوعها ما كان في أقدم مدينة مأهولة في التاريخ هي دمشق، انقطعت الموصل عن ريادتها الإقليمية والعالمية لتصبح مدينة ثانوية في دولة فتية أما ريادتها في هذه الدولة فقد فرضها على مستوى فردي أبناؤها من خلال حبهم للانضباط والحرص على مصلحة الدولة وهو إرث اجتماعي تراكمي في مجتمعهم.

 استطاعت الموصل المنفصلة عن عمقها الاجتماعي الإقليمي التأقلم مع البيئة السياسية الجديدة وجعلت من العروبة عروتها الوثقى مع العراق العربي وكانت ركيزتها ومن الإسلام الحنيف عروتها مع إخوانها من القوميات الأخرى وكانت حديقة واعتزت بأنها كانت العمود الفقري الذي تنتصب به الدولة ورئتها التي تتنفس بها والسر في ذلك أن الحواضر تخدم أي محيط وجدت فيه شرط وجود دولة تحمي منظومتها الاجتماعية وهي كالطبيب الذي يداوي الناس أينما حل شرط وجود المستشفى.

“في العراق لم يتبقَ مدن وإنما تجمعات بشرية كبيرة ليس لها وظيفة اجتماعية”

 دور الموصل هذا توقف بعد أن هدم الاحتلال الأمريكي/الإيراني الدولة العراقية التي انتمت إليها الموصل في 1918 وأخلّ بعقد العلاقة بينها وبين ما كان دولة (وأصبح كيانا سياسياً) ووضع منظومتها الاجتماعية تحت منظومة تكونت (عبر الأزمنة) خارج مفهوم الدولة والمجتمع (المرجعية الشيعية) لتتوقف منظومة الحاضرة عن العمل وتعجز عن عملية الإصلاح والنهوض. ليس في هذا مساس بالفرد الشيعي الذي تصرف تصرفاً “سنياً” وتميز وبرع تحت سقف الدولة العراقية التي حمته من مشروع المرجعية الذي يهوي اليوم بتميزه وإنسانيته ومواطنته، أما وصف تصرفه “بالسني” فلأن الدولة هي مرجعية المجتمع السني الذي لا مرجعية دينية له.

 استبدال منظومة كالمرجعية بمنظومة الدولة إخلال بالعقد الذي ينظم علاقة الحاضرة مع الكيان السياسي وتهديد لمنظومتها الاجتماعية وشمس الموصل الاجتماعية والثقافية يتوارى قرصها في الأفق وهي أطلال لا يشبهها شيء وتتحول من حاضنة آمنة للعقول إلى طاردة لها ومن حاضرة إلى قرية كبيرة ومع الاعتزاز بالقرية وأصالتها لكن ليس في منفعة المعادلة الاجتماعية للوطن طغيان القرية على المدينة أو العكس وفي العراق لم يتبقَ مدن وإنما تجمعات بشرية كبيرة ليس لها وظيفة اجتماعية.

“ومن حق الحواضر حل أزماتها بعد غياب الدولة بالرجوع إلى أرصدتها الثقافية والاجتماعية ما قبل الدولة”

 الموصل ليست وحدها على مسرح انحسار الحواضر الذي يمتد على جغرافيتها الإقليمية السابقة ومثلها حلب وحمص وحماه والرقة ومن أولى أولويات الحواضر زمن الأزمات هو إدامة مقدرتها على البقاء حواضر، والأهبة للنهوض فهي كالأرض اليابسة التي تستعيد حياتها بنزول الغيث وتنبت من كل زوج بهيج ما لم يعبث بكيمياء تربتها. مرت الموصل في حقب سياسية عربية وسلجوقية وأتابكية (التي شيد فيها الجامع النوري الكبير) وعثمانية وواجهت أزمات لكنها بقيت حاضرة وبقيت جاهزة اجتماعياً للنهوض حال تغير الظروف. بات مسرح حواضرنا المدمرة يمثل جغرافية جديدة وثقافة مشتركة هي ثقافة سلوك الحواضر وإيجاد آليات إحياء المجتمع في غياب الدولة وهي الثقافة المشتركة الحقيقية بين حواضرنا المدمرة ولعقود قادمة.

من حق حاضرة الموصل البحث عن أسباب البقاء ويبقى دائما على رأس أسباب البقاء (في ثقافة الحواضر) إعادة الدولة شرط أن تكون إعادتها عملاً واقعياً وهو ما أثبتت الحكومات المتتالية بعد الاحتلال وميلشياتها المنتشرة في المدن (حتى اللحظة) التصميم على عدم حدوثه، ومن حق الحواضر حل أزماتها بعد غياب الدولة بالرجوع إلى أرصدتها الثقافية والاجتماعية ما قبل الدولة. أما ما هو ليس من حق حكماء الحواضر على مجتمعهم وعلى قيمهم وتاريخهم فهو القعود وانتظار الفناء داخل دولة لم يعد لها وجود على أرض الواقع.

المصدر:الجزيرة نت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات