الأربعاء 22 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

بكائية العامري

بكائية العامري

أقامت كتلة الفتح بقيادة هادي العامري احتفالًا تأبينيًا بمناسبة الذكرى العشرين لمقتل محمد صادق الصدر الذي وقع في 19 شباط 1999م ولكنهم آثروا الاحتفال بحسب التقويم الهجري الذي يوافق الثاني من ذي القعدة لاستغلال المناسبة لتوجيه رسائل عاطفية للمتظاهرين في جنوب العراق لعلها تفيد في تخفيف جذوة غضبهم كما هي عادتهم على مدى 15 عامًا من الحكم الطائفي في إشغال الناس بمثل هذه المناسبات عن فشلهم وتخريبهم للعراق، والمفارقة أن هذه الأحزاب نفسها احتفلت بذكرى إعدام محمد باقر الصدر يوم 9 نيسان 2003 م ومازالت تحتفل بالمناسبة في نفس اليوم ولم تستخدم التقويم الهجري كما فعلت في ذكرى مقتل محمد صادق الصدر ليبرروا احتفالهم باحتلال بغداد في 9/4/2003 باعتباره ردًا إلهيًا على إعدام محمد باقر الصدر في 9 نيسان 1980 علمًا أن إعدامه كان يوم 5 نيسان ولكن دفنه كان في التاسع منه.

“تحدث العامري في بكائيته عن (الشعب العراقي العزيز) وهو الذي قاتل الشعب العزيز حين كان جنديًا مع الجيش الإيراني”

اللافت والهام في هذه الاحتفالية كلمة هادي العامري القيادي في مليشيات الحشد ورئيس كتلة الفتح الفائزة الثانية بعد (سائرون) في مسرحية الانتخابات الأخيرة، هذه الكلمة التي يصلح أن نسميها بكائية مضحكة يجيدها هادي العامري الذي رضع من لبن الفرس مكرهم ودهاءهم في مثل هذه الأزمات.

تشعر وأنت تستمع إلى هادي العامري وكأنك أمام خطيب الجمعة وليس أمام زعيم مليشيات فتكت ومازالت تفتك بالشعب، تحدث العامري في بكائيته عن (الشعب العراقي العزيز) وهو الذي قاتل الشعب العزيز حين كان جنديًا مع الجيش الإيراني في حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران في ثمانينات القرن الماضي

والذي يعنينا من هذه البكائية:

أولًا: اعترافه بالمقاطعة الشعبية للانتخابات وأن الأحزاب السياسية لم تلق بالا لهذه الرسالة من الشعب.

ثانيًا: اعترافه أن ما يجري في جنوب العراق انتفاضة شعبية ليست من فعل أيادٍ خارجية كما دأب رموز أحزاب السلطة على اتهامها بذلك، ودعوته الأحزاب السياسية إلى (قراءة الرسالة الثانية جيدا).

ثالثًا: اعترافه بأنهم جميعا (أحزاب السلطة) قد أخفقوا وقصروا بحق الشعب وعجزوا عن تقديم الخدمات المطلوبة والحياة الكريمة. وأنهم قد انشغلوا بالصراعات السياسية الداخلية وتركوا الشعب يتلوى من الجوع والفقر، وهو الذي أكد بنفسه في لقاء متلفز سابق عام 2014 حين كان وزيرًا للنقل في حكومة المالكي أنه لايوجد فقر في العراق وأنهم قد رفهوا الشعب غاية الرفاهية قائلا: (الفقر في العراق كذبة، صحة بلاش، مدارس بلاش، تعليم بلاش، بطاقة تموينية بلاش، كهرباء بلاش، ماء بلاش، كل شيء بلاش !!) ولما قالت له مقدمة البرنامج: المواطن ممكن أن يموت في أي لحظة قال لها: فليمت حتى الوزير يمكن أن يموت في أي لحظة!!

“النماذج التي تتحكم بالعراق شخصيات شيطانية ليسوا سذجًا أو بشرًا من نمط عادي”

رابعًا: طالب السياسيين جميعًا بأن يعترفوا مثله وبأن يعتذروا من الشعب وأن (يعيدوا النظر في العملية السياسية) معتبرًا الاعتراف بالخطأ بداية الطريق لتبديل المسار إلى مسار آخر.

خامسًا: طالب بتشكيل (حكومة خدمة) وليس (حكومة امتيازات) لهذا الحزب أو ذاك.

سادسًا: اعتبر أن الشعب تحمل الكثير طيلة 15 عامًا وأنهم أي الأحزاب الحاكمة (مع الأسف لم يستطيعوا إصلاح أنفسهم) .

ماذا تعني بكائية العامري في الاحتفال التأبيني لمحمد صادق الصدر؟!

1- أول ما نقرأه في ( بكائية العامري) أن هذه النماذج التي تتحكم بالعراق شخصيات شيطانية ليسوا سذجًا أو بشرًا من نمط عادي، بل هم أشخاص استحكم فيهم الشر ولهم القابلية على التشكل والتلون بأي شكل ولون وفق ماتقتضيه مصالحهم وتفرضه مستلزمات وجودهم، فلذلك ظهر في بكائيته واعظًا يتحدث عن طلب المسامحة والمغفرة و يدعوا الله أن يعينه على نفسه كما أعان الصالحين، وهو القاتل الخطر الذي قضى عمره في قتل الشعب خدمةً للمصالح الإيرانية وطاعةً للولي الفقيه منذ ثمانينات القرن الماضي ومازال على نفس الدرب تفتك ميليشياته بالعراقيين صباح مساء، كما استباح المدن والقرى لأهل السنة بذريعة مكافحة الإرهاب.

2- الأمر الثاني: إن انتفاضة الجنوب المستمرة ضد الفاسدين والتي رفعت شعار (أحزاب بره بره) وأحرقت مكاتب أحزاب السلطة ومقرات مليشيات الحشد بما فيها مقار ميلشيا بدر التي يقودها العامري (الواعظ الناسك)، قد أوجعتهم وشكلت خطرًا على عمليتهم السياسية وفضحت فشلهم وكشفت زيف ادعائهم بأنهم على منهج الحسين وأنهم يعملون من أجل نصرة المذهب وخدمة (لشيعة آل البيت )، فبانت بهذه الانتفاضة زيف دعاواهم وأنهم لصوص مكنهم المحتل لنهب خيرات العراق وقتل أشرافه وأخياره ولم يأتوا أصلًا لبناء العراق وخدمة شعبه.

3- الأمر الثالث: طرحت مليشيات الحشد نفسها كمنقذ للعراق من خراب الحكومات السابقة فدخلت الانتخابات بقائمة الفتح التي يقودها هادي العامري وكانت خطتها السيطرة على الحكومة القادمة على اعتبار أنهم الذين حققوا النصر على الإرهاب، وأن استلام الحكومة القادمة من استحقاقهم وروجوا لفشل حكومة العبادي وعدم قدرتها على قيادة البلد تمهيدًا لطرح أنفسهم منقذًا ومخلصًا، ولكن تفجر الغضب الشعبي جنوبي العراق واستهداف مقرات مليشيات الحشد أسوة بمقرات أحزاب السلطة أحرجهم ودق جرس الإنذار في آذانهم وأربك مخططاتهم مما استدعى خالد الساعدي (القيادي في مليشيا العصائب) أن يتهم المتظاهرين -قبل يومين من بكائية العامري- بأنهم شرذمة مشؤومة تعمل وفق أجندة خارجية وأنهم أذناب لمشروع صهيوني أمريكي سعودي تركي وأنه سيهزمهم كما هزمهم في الميدان وأن مليشيا العصائب ستقطع اليد التي تمتد إلى مقراتها وتخرس اللسان الذي يهتف ضدها (دون الحاجة لإذن من أحد) !! ولكن العامري اليوم وبحضور الخزعلي والمهندس يغير من أسلوبهم في إدارة الصراع ويناور في حربه من أجل البقاء فيطلب الصفح والعفو من الشعب ويأمر السياسيين كافة بأن يحذوا حذوه، ويأمر الشعب قبل ذلك أن يسامحه!!، وهذا دليل آخر على أنهم يستشعرون خطرًا من استمرار انتفاضة الجنوب.

“عسى أن يكون ما قاله العامري وما حصل قبله دليلًا كافيًا لأولئك الذين لا يعلمون حقيقة ما يجري في جنوب العراق”

4- الأمر الرابع: أن العامري وهو يطلب الصفح والمسامحة من الشعب في بكائيته الكاذبة يعلم يقينًا كما يعلم المتظاهرون أن ميليشياته مع القوات الأمنية قتلت العشرات وأصابت المئات من المنتفضين ضد فسادهم وظلمهم وأن هذه المليشيات ما تزال حتى الساعة تخطف الناشطين في المظاهرات في أغلب محافظات الجنوب، وطال الخطف والاعتقال محامين وفنانين وتم تهديد آخرين بالاعتقال إن نشروا أي منشور على صفحاتهم في الفيسبوك يساند المتظاهرين، واليوم حدثني مصدر مطلع أن المليشيات في كركوك ( وليس في جنوب العراق فقط) أبلغت الناشطين الذين يؤيدون انتفاضة الجنوب بالكف عن ذلك فورًا وإلا فليتحملوا العواقب ، فلبس العامري لثياب الضأن وظهوره بمظهر الناسك الواعظ لن يغير من حقيقة الواقع المر شيئا.

5- الأمر الخامس: حين يتحدث العامري بهذه اللهجة المتمسكنة بحضور قائد الحشد المهندس وقائد مليشيا العصائب الخزعلي فإنه يعطي مؤشرًا عالي الدقة أن هذه خطة إيرانية لاحتواء الانتفاضة وتدارك الأمر فبل فوات الأوان ، فهؤلاء الثلاثة هم أبرز عملاء إيران في العراق إضافة لنوري المالكي وهم ناطقون رسميون بلسانها ومنفذون مطيعون لأوامرها، وأن هذه الانحناءة المخادعة للشعب مع الوعود الكاذبة وبيانات شيوخ العشائر إضافة للحل الأمني وما سماه العامري نفسه (الوقوف بحزم، وردع كل من تسول نفسه، والحفاظ على هيبة الدولة) هي جميعا خطة إيران في التعامل مع الانتفاضة.

“الاعتذار من الشعب ليس كلامًا يقوله قائد مليشيا ويمضي”

عسى أن يكون ما قاله العامري وما حصل قبله دليلًا كافيًا لأولئك الذين لا يعلمون حقيقة ما يجري في جنوب العراق فيتخبطون في تحليله وتقدير أبعاده بنسبة الانتفاضة لإيران وأنها تخدم مصالح إيران في قضية تشديد العقوبات عليها من قبل أمريكا ويصرون على عدم الاعتراف بأنه غضب شعبي انفجر تحت الضغط المتراكم لفشل الحكومات المتعاقبة في العراق وأن ما يجري تهديد كبير لإيران ولأحزابها الحاكمة في العراق وله مدلولات هامة في تطورات الأحداث في العراق المنكوب.

6- أخيرًا: الاعتذار من الشعب ليس كلامًا يقوله قائد مليشيا ويمضي، فأمثال العامري لابد أن يقفوا أمام محكمة الشعب ليحاسبهم عن جرائمهم وفي مقدمتها الخيانة العظمى للشعب والوطن بقتالهم في صفوف العدو الإيراني ضد جيش الوطن، ثم محاسبتهم عن خمسة عشر عاما من الفساد والنهب والقتل للكفاءات والتصفية الجسدية للطيارين والضباط الذين قاتلوا ضد إيران، وما فعلته قوات وزارة الداخلية تحت رعايته لعناصر مليشيا بدر الذين قادوها وارتكبوا أبشع الجرائم بحق الشعب تحت مظلتها، ثم محاسبته عما فعله وزيرًا في حكومات الاحتلال وقائدا لمليشيات الحشد بذريعة مكافحة الإرهاب، فجرائمه موثقة وشهودها أحياء، وتحقيق العدالة حق للشعوب طال الوقت أو قصر.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات