الأربعاء 12 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

الغضب الواعي لا يزال مستمرا

الغضب الواعي لا يزال مستمرا

شارفت موجة الاحتجاجات الجماهيرية السلمية المتواصلة ضد حكومات الفساد في العراق على دخول أسبوعها الثالث، وسط تصاعد وتيرتها واتساع رقعتها وارتفاع الأصوات الداعية لانتشارها واستمرارها حتى تحقيق أهدافها، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة “احتواء” الغضب الواعي المتصاعد على الطريقة الإيرانية المعتادة؛ من خلال عزل التظاهرات والأحداث المرافقة لها عن العالم الخارجي بحجب وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، والعمل على نشر قوات قمعية إضافية في جميع أنحاء المحافظات الجنوبية التسع، يُزاد عليها العاصمة بغـداد التي انضمت بقوة إلى الاحتجاج السلمي الشعبي المطالب بأبسط الحقوق، على الرغم من سقوط مئات الضحايا قتلى وجرحى، فضلا عن الأعداد الكبيرة من الناشطين السلميين الذين تم اعتقالهم بتهم ملفقة؛ الأمر الذي يشكل انعطافا مهما في مسيرة التظاهرات المطالبة بمكافحة الفساد المتجذر في الدوائر الحكومية ومحاسبة الفاسدين ومعاقبتهم وإبعادهم عن المشهد السياسي، واستبدال العملية السياسية الحالية بمشروع وطني جامع لكل العراقيين الشرفاء؛ مشروع يمثل الشعب تمثيلا حقيقيا ويلبي طموحاته ويرمم ما تبقى من السلم المجتمعي الذي عمل الاحتلال وحكوماته على تقويضه طوال السنين الخمس عشرة العجاف التي مرت، ويعمل على تعزيز مقتضياته، ويعيد الوطن إلى وضعه الطبيعي في المنطقة والعالم.

“رفض شعبي واضح للعملية السياسية المسخ التي بُنيت على أساس المحاصصة الطائفية”

إن الغضب الواعي مستمر مذ أن بانت تباشيره جليا في مقاطعة الانتخابات الأخيرة، وما تتضمنه هذه المقاطعة من رفض شعبي واضح للعملية السياسية المسخ التي بُنيت على أساس المحاصصة الطائفية والتي جرَّت على البلد ويلات الحروب والفوضى وشيوع الفساد وغياب المساءلة؛ فالمدن منكوبة والانتهاكات فظيعة والشعب مضطهد والجرائم تترى والإفلات من العقاب هو السائد في بلاد الرافدين، في كنف الإسناد الدولي المستمر للحكومات التابعة لطهران المتعاقبة على حكم العراق منذ 2003 وحتى اليوم، ودق الشعب بذلك ناقوس الخطر لمرتكبي الانتهاكات والفاسدين؛ إيذانا ببداية عهد جديد يطيح بدهاقنة الفرس الذين جيَّروا البلد ومقدراته وثرواته لصالح جارة السوء إيران.

إن الاحتجاجات السلمية الأخيرة في جنوب العراق جاءت لتعلن حقائق خطيرة كانت غائبة أو مغيبة عن أذهان بعض العراقيين، وهي: إن ما كانت تسمى بـ “الخطوط الحمراء” لم تكن سوى خطوط تحول بين العراقيين وبين نهضتهم وبناء مستقبل يليق بهم؛ فقد تأكد للقاصي والداني حالة الخذلان الشعبي الشيعي والإحباط الجماهيري في الجنوب من هذه “الخطوط” ومن وكلائها وممثليها، الذين قدّموا مصالحهم الشخصية على مصالح “اتباعهم”، والفوارق الاجتماعية الكبيرة التي تميز هؤلاء عن هؤلاء شاهد حي على ذلك، وقد كسرت الاحتجاجات الأخيرة حالة التبعية العمياء التي كان يعيشها العراقيون في الجنوب، وأظهرت صحوتهم من غفلتهم التي كانوا عليها، بعد أن علموا يقينا أن إيران تسعى جاهدة عبر أذرعها في العراق للنيل من العرب والتنكيل بهم وجعلهم مجرد أداة للوصول على أكتافهم لتنفيذ مخططاتها التوسعية البغيضة في المنطقة، وما تعرضت له مقرات الأحزاب التابعة لولاية الفقيه في المحافظات الجنوبية العراقية خير دليل على هذا الوعي الغاضب، الذي لا ريب أنه سيتواصل وسيتصاعد حتى يسقط عروش الفاسدين ممن يدّعون الالتزام بضوابط الدين، ويقلبها عليهم.

“أهلنا في الجنوب عرفوا أن العرب السنة على حق في موقفهم الرافض للحكومات التابعة لطهران”

أما الأهم من ذلك كله، الذي أبدته الأيام، ولا سيما خلال السنين الأربع الأخيرة؛ هو أن أهلنا في الجنوب عرفوا أن العرب السنة في وسط وغرب وشرق العراق وشماله على حق في موقفهم الرافض للحكومات التابعة لطهران، المسخّرة لمقدرات البلاد في سبيل تنفيذ المخططات الإيرانية دون الاكتراث لمصلحة العراق والعراقيين، وأنها أوغلت بدمائهم ودمرت مدنهم وعاثت في مناطقهم فسادا وقتلا وتنكيلا، وهذا ما أثبتته انتهاكات وجرائم القوات الحكومية بحق المتظاهرين العزل الذين خرجوا مطالبين بأبسط الحقوق الأساسية للحياة وأكثر الخدمات تواضعا وأقلها طموحا، وسط صمت مطبق من قبل السياسيين الذين يدعون تمثيلهم.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات