الخميس 13 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

ما الذي ستحمله الأيام المقبلة لمتظاهري العراق؟

ما الذي ستحمله الأيام المقبلة لمتظاهري العراق؟

في الأسبوع الأخير، وصلت التظاهرات التي بدأت بشكل عفوي في مدينة البصرة، جنوب العراق، إلى بغداد، مروراً بكربلاء والنجف والديوانية والسماوة وبابل. وعلى الرغم من أن المظاهرات والاعتصامات، خاصة، بساحة التحرير، ليست غريبة على العاصمة التي تبنتها منذ عام 2011، بشكل دوري، تزامناً مع انتفاضات الدول العربية، إلا أن انتقالها هذه المرة، بهذا الحجم، من أنحاء أخرى من العراق إلى العاصمة يثير الانتباه. حيث شحنت مشاعر الغضب طاقة من كانوا مثابرين على الاحتجاج ضد الفساد، منذ سنوات، وأصابتهم خيبة الأمل من هيمنة الأحزاب على الحركة المدنية التي انطلقت، مستقلة، ثم تحولت إلى ورقة للمساومة على حساب الشباب الذين عرضوا حياتهم للتهديد والاعتداءات والخطف والقتل.

تم تفريق المتظاهرين، يوم الجمعة، ببغداد، بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، حين حاولوا الاقتراب من «المنطقة الخضراء»، المحصنة إلى حد التقديس، أكثر من الاماكن الدينية المقدسة، لأنها تضم أكبر سفارة أمريكية بالعالم، وفي ظلها يقبع مسؤولو الحكومة العراقية وأعضاء البرلمان. أوفياء لمن يمدهم بالحماية من غضب الشعب. ومن يصغي إلى أصوات المشاركين بالتظاهرات سيعرف مدى ما تحمله المواطنون جراء فساد وفشل الأحزاب السياسية الحاكمة في تقديم أي شيء للمواطن خلال الخمسة عشر عاماً المنصرمة، وإن الاحتجاج على انقطاع الكهرباء والماء، المتفاقم، في قيظ تموز/ يوليو، هو فعل تأخر طويلاً. المفارقة، اليوم، هي اتهام المتظاهرين المطالبين بأبسط الحقوق بأنهم «أعداء العراق» من ذوي «النوايا الخبيثة بعد أن أغاظهم النصر الكبير الذي حققته قواتنا الأمنية البطلة في حربها ضد الإرهاب وأذنابه» حسب بيان لمركز الإعلام الأمني. أما إطلاق الرصاص وقتل المتظاهرين، فإنه «معلومات كاذبة وملفقة تصر بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على نشرها»!

” المنطقة الخضراء، المحصنة إلى حد التقديس، أكثر من الاماكن الدينية المقدسة، لأنها تضم أكبر سفارة أمريكية بالعالم”

يتركز رد فعل الحكومة ورؤساء الأحزاب والميليشيات والمرجعية الدينية، على احتواء ما يسمونه «الأزمة» بأسلوبين. الأول هو الادعاء أنهم يحترمون حق الاحتجاج، إلاّ أنهم ضد مشاركة « المندسين، الإرهابيين، التخريبيين، الداعشيين، البعثيين». وحين نتذكر أن قانون الإرهاب يشمل 44 تهمة، سندرك خطورة هذه الاتهامات وكونها تشرعن للحكومة والميليشيات ضرب واعتقال وقتل المتظاهرين، وتوفر للمرجعية ذريعة عدم اتخاذ موقف واضح من إرهاب الحكومة.

“هل يلام المواطن إذا ما أراد التخلص من أحزاب انحدرت به إلى جحيم الفاقة وامتهان الكرامة”

الأسلوب الثاني هو إطلاق متحدثي الحكومة التصريح تلو التصريح حول «الاستجابة بشكل آني إلى قسم من المطالب» وتبرير أن القسم الآخر «يحتاج إلى وقت وتخصيصات مالية طائلة». ويأتي التأكيد الحكومي الرسمي بكليشيهات جاهزة مفادها: «وضع آليات عمل» و«امتلاكها برنامجاً كاملاً للنهوض بالواقع الخدمي للبلاد» و«تشكيل لجان حكومية لحل الإشكاليات» و« رسم مسار استراتيجي وتخصيصات مالية ستطلق لذلك». مما يجعلنا نتساءل: ترى لماذا لم تقم الحكومة بكل ذلك، خلال 13 عاماً الأخيرة، قبل أن يدفع المواطنون حياتهم ثمناً؟ وهل يلام المواطن حين يصم أذنيه رافضاً الإصغاء لوعود يعرف جيداً أنها مجرد أكاذيب من حكومة فاشلة لا تزيد إمكانية مسؤوليها، متمثلة برئيس الوزراء حيدر العبادي، القيادي بحزب الدعوة الإسلامي، على إطلاق فقاعات هوائية، باتت رائحتها تزكم الأنوف؟ هل يلام المواطن إذا ما أراد التخلص من أحزاب انحدرت به إلى جحيم الفاقة وامتهان الكرامة وتفتيت البلد إلى كانتونات طائفية تحكمها ميليشيات مستوردة؟ كيف يتعامل المواطن مع حكومة يقول متحدثها الرسمي أن الحكومة تطالب المتظاهرين بالاحتجاج «وفق الأطر الدستورية بعيداً عن الخروقات»، بينما يرى وزراء الحكومة ومسؤولوها، كلهم بلا استثناء، وهم يسرقون، وينهبون، ويرتشون، ويأخذون العمولات، ويمولون الميليشيات، ويتنفسون الفساد بكافة أنواعه، حسب مئات التقارير والإحصائيات المحلية والدولية، وحسب اعترافاتهم ضد بعضهم البعض؟ أم أن هذه الأفعال تتم وفقاً للدستور؟

“تدل المؤشرات على أن الأحزاب الحاكمة وميليشياتها المسلحة المأجورة لن تتخلى بسهولة عن غنائم الفساد”

لقد وصل عدد ضحايا الاحتجاجات، حتى يوم أمس، 13 قتيلاً ومئات الجرحى. وأصدرت منظمة « العفو الدولية» بياناً أكدت فيه قيام القوات الحكومية باستخدام الذخيرة الحية في تفريق التظاهرات، وقتل متظاهرين سلميين بالإضافة إلى تنفيذها حملة اعتقالات تعسفية وممارسة عمليات تعذيب جسدي ضدهم. أثناء ذلك، عمدت الحكومة إلى قطع الانترنت لمنع انتشار اللقطات المصورة التي تظهر قمع السلطات للتظاهرات السلمية. وهو تعتيم متعمد منح القوات الحكومية تفويضاً مطلقاً لقمع المتظاهرين السلميين دون علم أحد.

دعت المنظمة السلطات العراقية «إلى وضع حد فوري لعمليات التعذيب، وإجراء تحقيق محايد لتقديم المسؤولين عن هذه الأفعال إلى المحاكمة». وهو ما لن تقوم به الحكومة إطلاقاً، فالمعروف إيمان ساستها بضرورة التعذيب وأن المعتقلين يستحقون ما يصيبهم، بضمنه القتل، لأنهم «إرهابيون».

فما الذي ستحمله الأيام المقبلة؟ تدل المؤشرات على أن الأحزاب الحاكمة وميليشياتها المسلحة المأجورة لن تتخلى بسهولة عن غنائم الفساد، وولائها الخارجي، وأن إعلانها نية الإصلاح والقضاء على الفساد يعني، بالواقع، القضاء على نفسها. كما تذكرنا الاتهامات الموجهة ضد المتظاهرين بفترة الإعداد للقضاء على تظاهرات واعتصامات الفلوجة السلمية التي استمرت طوال عام 2013 وحتى أواخر 2014، فأمر نوري المالكي، رئيس الوزراء وأمين عام حزب «الدعوة الإسلامي»، بقصف الفلوجة بالبراميل المتفجرة وراجمات الصواريخ، وطائرات «سوخوي»، بحيث أجبر القصف العشوائي الأهالي على دفن قتلاهم في الحدائق والساحات القريبة منهم، ولم تستثن عمليات القصف المساجد والمستشفى الوحيد في الفلوجة الذي تم استهدافه 24 مرة. تجاوز، حينها، عدد الضحايا 700 قتيل وأكثر من 2350 جريحاً، حسب الأرقام الرسمية، لمستشفى الفلوجة العام.

المفارقة هي أن تهمة الإرهاب والداعشية التي وجهت إلى أهل الفلوجة والموصل وبقية المتظاهرين عام 2013، هي ذات التهمة الموجهة إلى متظاهري البصرة وكربلاء والنجف والسماوة والناصرية، اليوم. فهل سيكون مصير تظاهرات هذه المدن كالسابقات؟ الأرجح لا. فمساومات المحاصصة حول تشكيل الحكومة الجديدة، بعد مهزلة الانتخابات، وتدخل المرجعية الدينية وسفح الوعود بالأطنان، وحرباوية موقف مقتدى الصدر، رئيس التيار الصدري، بالإضافة إلى الترويع والاعتقالات والتعذيب، سيعيد المتظاهرين إلى بيوتهم، ويمد الفاسدين القدامى ـ الجدد بالحياة بضعة أشهر أخرى، لا غير.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات