الخميس 13 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

الخديعة الكبرى

الخديعة الكبرى
لم يكن ما حدث في العراق عام 2003 غزواً واحتلالاً فحسب؛ بل كان خديعة كبرى أبطالها ساسة العراق الجديد، وضحاياها ملايين العراقيين من كل الطوائف والمذاهب والأديان والقوميات. كان سيناريو الخديعة المرسوم مُسبقاً هو التركيز على الغرائز وإثارتها، ودغدغة المشاعر، كي يُسلب التفكير في الواقع اليومي، عندها لن يستطيع العراقيون النظر أبعد من أقدامهم.
كان لسان حال المحتل وأتباعه يقول، دعهم يمارسون طقوسهم الدينية بمسيرات مليونية، واسمح بأن تتعطل الدوائر والمؤسسات والوزارات أياماً عديدة، وضع الجيش والقوى الشرطية في حماية المشاركين. وسخّر كل موارد الدولة لهذه القضية الروحية، فإن كل ذلك يعطي الناس انطباعاً بأن ما يمارسونه أهم من واقعهم، وإذا ما ارتوت المشاعر من هذا العطش وأمعنوا النظر إلى ما حولهم، أشعل الفتنة الطائفية بينهم ودعهم يتقاتلون.
“إذن نحن أمام جريمة توفر فيها سبق الإصرار والترصد، وليس عدم وجود إرادة وقدرة في إنقاذ شعب وبناء دولة”
كان الدافع وراء كل هذا الإصرار العجيب على إهانة هذا الشعب وإذلاله وإهدار كرامته، هو خلق فرصة سانحة لتغيير المنطق العراقي في التفكير، وتدمير البنية في الشخصية العراقية، واستبدال القيم والعادات والتقاليد والولاءات، وجعل الأعداء الأزليين حلفاء وأصدقاء والأشقاء أعداء، وأن يتربع الأميون والنكرات في أعلى قمة هرم السلطة. وفي ظل كل هذه الغفلة يُستباح العراق أرضاً ومياها وثروات من قبل اللصوص الدوليين والإقليميين والمحليين. هذا هو السبب الحقيقي في عدم وضع ولو لبنة واحدة فوق ما كان موجوداً في العراق. فلم يكن هذا البلد جزيرة قاحلة على الخريطة الدولية حين حصل الغزو. ولم يكن شعبه يسكنون الخيام وبيوت الشعر ويهيمون في البراري والقفار بحثاً عن الماء والطعام، وحتى لو كان حقاً هذا هو واقعه قبل عام 2003، أما كان حاله اليوم أفضل لو وُضعت الألف مليار دولار التي سُرقت في بنائه؟ وهل يُعقل في ظل كل الوجود الأمريكي والبريطاني وبقية دول الغرب، ورفع الحصار وارتفاع أسعار النفط، أن لا تُبنى منظومة كهرباء قادرة على تلبية حاجات الناس، وشبكة مياه شرب عذب تصل كل القرى والأرياف خلال خمسة عشر عاماً؟ لقد بُنيت بنى تحتية في صحاري الخليج العربي، ونهضت فيها مدن كبرى بمصاف المدن العالمية في عقد من الزمن، والأمثلة على ذلك كثيرة.
“إستراتيجية تعتمد الإذلال وإهدار كرامة الإنسان في العراق، بغض النظر عمن يتولى المسؤولية في قمة هرم السلطة”
إذن نحن أمام جريمة توفر فيها سبق الإصرار والترصد، وليس عدم وجود إرادة وقدرة في إنقاذ شعب وبناء دولة. وفي هذا الإطار وللتدليل على صحة ما سبق، رأينا التصرف الغريب لرئيس الوزراء العراقي، ففي ظل تظاهرات عارمة اجتاحت كل مدن محافظة البصرة، وفائض غضب شعبي برز بسبب سوء الخدمات، التي لم تعد تلبي أبسط حاجات المواطنين، في ظل ظروف جوية صعبة للغاية، فقد زار المدينة، وبدلاً من أن يصطحب معه كل المسؤولين في الوزارات الخدمية بضمنهم الوزراء أنفسهم، للإطلاع على الواقع الخدمي بصورة مباشرة، ثم تشكيل خلية عمل تُقدم حلولاً آنية سريعة، وترسم خططاً مستقبلية لحلول دائمة، اصطحب معه وزير الدفاع وقادة صنوف الجيش، ثم عقد لقاءً موسعاً مع قادة الأجهزة الأمنية في البصرة، ليتم بعدها استقدام قوات من العاصمة بغداد، انهالت بهرواتها والقنابل المسيلة للدموع، والماء الحار والرصاص الحي على رؤوس المشاركين في الاحتجاجات.
كما انطلق الرصاص الحي كذلك من كل مقرات الأحزاب والميليشيات تجاه المتظاهرين، ثم يقول بعدها وعلى حسابه الرسمي في موقع تويتر (من حق شعبنا أن يطالب بحقوقه وتحسين الخدمات، ومن واجبنا تلبيتها والاستجابة للمطالب). إذن أين البهرجة والتلميع الذي قوبل بها وصوله إلى السلطة، حينما قالوا عنه بأنه مختلف لأنه عاش سنين طويلة في بريطانيا ويتحدث الإنكليزية، وهو قادم من بغداد وليس من المحافظات؟ أليس هو منطق سلفه ورفيقه وأمين عام حزبه نفسه، الذي وصف مواطنيه الذين تظاهروا سابقاً في الانبار والموصل وصلاح الدين وديالى من أجل تحسين الخدمات بأنهم فقاعة؟
“لأن الجرائم التي حصلت بحق شعبنا كبيرة وكثيرة، وأن المجرمين كُثر وليسوا أفراداً قلة”
إذن نحن أمام منهج وسياق وإستراتيجية تعتمد الإذلال وإهدار كرامة الإنسان في العراق، بغض النظر عمن يتولى المسؤولية في قمة هرم السلطة. الجميع هنا يسيرون على نسق واحد، والاختلاف الوحيد بينهم هو مستوى السادية في التعامل مع الشعب. وإذا كان البعض منهم قد انحنوا اليوم أمام العاصفة، وتقاطروا على المنصات مُعلنين بأنهم كانوا فاشلين في قيادة البلد، ومقدمين اعتذاراتهم وطالبين الصفح والمغفرة من الشعب، فإنما ذلك ليس بسبب صحوة ضمير، بل بسبب الفضيحة، بعد أن رفع عراقيو الجنوب الغطاء عنهم. فمنذ عقد ونصف العقد كانوا يثقفون أهلنا في الجنوب بأنهم من رفع (مظلومية 1400 عام) عنهم. وأنهم هم من يمثلونهم ويسعون لجلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم، وأن شرعيتهم في السلطة إنما يستمدونها منهم. وحين نظر الناس إلى ما حولهم وجدوا أن هؤلاء هم من سرقوا ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وهم من بنوا ثرواتهم وحصّنوا عوائلهم وأقرباءهم على حسابهم، وهم من صدّروا أولادهم إلى سوريا ولبنان واليمن خدمة لتحقيق نظرية الأمن القومي لحاضنتهم الإقليمية إيران، كي يبقوا في السلطة، فهل بعد كل ذلك هنالك موقف للصفح وفسحة للمغفرة؟
لقد فات هؤلاء بأن الاعتذار السياسي يوجب التخلي عن كل المسؤوليات في الحزب والدولة. وأن يضعوا أنفسهم رهن سلطة القضاء العادل النزيه، إن كان موجوداً في العراق. فلن تنطبق عليهم مقولة (عفا الله عما سلف)، لأن الجرائم التي حصلت بحق شعبنا كبيرة وكثيرة، وأن المجرمين كُثر وليسوا أفراداً قلة. وبالتالي عندما تكون الجرائم مقصودة وليست أخطاءً بسبب الاجتهاد في العمل، وعندما تكون هنالك عصابة كبيرة منظمة هي التي اقترفت كل تلك الأفعال، فإن منح العفو لم يعد من صالح أحد لأن الموضوع بات فيه حق عام.
إن الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد اليوم ما برحت تهدد الخريطة السياسية للعراق، لأنها منذ تسلطها على شعبنا وحتى اليوم ما زالت معادلتها التي تحكم بها هي، (أنا الحاكم، والنظام هو أنا، والدولة هي نظامي) لذلك هم ينظرون إلى كل معارضة ومطالبة واحتجاج ومظاهرة، على أنها تهديد لكيانهم يستوجب التعامل الأمني معه، لذلك بدأنا نسمع من الساسة عن وجود مندسين في التظاهرات، كي يبرروا العنف الذي يمارسونه ضد المحتجين. إنهم يعلنون تملكهم للدولة بهذه الممارسات، وما يقابله حتماً يكون رفضاً أخلاقياً لها، لأنها لم تعد تشيع المساواة بين الناس.
سؤال أخير، إذا كان المتظاهرون في الجنوب هم من معسكر علي (رض)، كما زعم نوري المالكي يوماً، حينما قسّم العراقيين إلى معسكر علي ومعسكر معاوية. وإذا كان الحكام في بغداد اليوم هم قادة المعسكر الأول كما يصفون أنفسهم، فعلامهم يفتحون النار على جنودهم في البصرة وميسان وذي قار والمثنى والقادسية والنجف؟.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات