الأربعاء 17 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

انتفاضة الجنوب في العراق المنكوب

انتفاضة الجنوب في العراق المنكوب

تتوسع انتفاضة الجنوب في العراق، وأحزاب المرجعية تستشعر الخطر على وجودها، ولذلك لا خيار لهم إلا القمع وتفريق المتظاهرين بعد فشل وعود العبادي بإطلاق المليارات؛ لقد أيقنوا أن المنتفضين لن يصدقوا كذبهم. والعبادي يعلم أنه لا يستطيع تلبية مطالب المتظاهرين، فمن أين يأتيهم بمياه صالحة للشرب وكهرباء بعد 15 عامًا من الفشل في تهيئتها وكيف سيجد عملا لعشرات الآلاف من الخريجين العاطلين عن العمل لذلك لا خيار له إلا اتهام المنتفضين بالتخريب.
انتفاضة الجنوب ليست بنت اليوم أو الأيام الفائتة بل هي استمرار لانتفاضات الشعب ضد الفاسدين والفاشلين منذ الاحتلال وحتى اليوم، ولكن أزمة الكهرباء وانعدام المياه الصالحة للشرب وتوقف الزراعة مؤخرا؛ أجج الغضب من جديد وأطلق شرارتها، ضد أحزاب المرجعية وهي تعد امتدادًا لحركة المقاطعة الكبيرة للانتخابات الأخيرة التي لم تقدرها السلطة حق قدرها، بل كابرت وأعلنت نسبة مشاركة غير حقيقية من أجل أن يستمر خداع الشعب حسب ظنها، فوقعت في شر أعمالها وعجّلت في قدح شرارة الانتفاضة.

“إعلان العبادي تخصيص مليارات الدولارات للبصرة وتعيين الآلاف، مجرد وعود لامتصاص غضب الانتفاضة”

الشباب المنتفض ضد أحزاب المرجعية والذي عمل طيلة الأسابيع الماضية على التحشيد وحض الجماهير على الانتفاضة هو عينه الذي عمل بجهد كبير طيلة الأشهر السابقة للانتخابات من أجل مقاطعتها وكشف مهزلتها وفضح المستفيدين منها فنجح في الأولى وهو مصمم حتى الرمق الأخير على كسب الثانية.
حكومة العبادي كانت تعلم بأن هناك دعوات للثورة على سلطتها الفاسدة وكذلك كان قادة مليشيات الحشد يراقبون عن كثب ولذلك تعالت أصواتهم للتحذير من عودة (داعش) وخطرها المحدق ولكن تدبيرهم باء بالفشل وبدأ حراك الانتفاضة يظهر على شكل احتجاجات هنا وهناك منذ أكثر من عشرة أيام.
مقتل الشاب أسعد المنصوري الذي شارك في تظاهرة للعاطلين عن العمل يوم 8 تموز في البصرة ساهم بشكل كبير في تأجيج انتفاضة الجنوب إذ كُتب على جنازته (دماء الثوار نهاية المفسدين) ومازال سقوط الضحايا مستمرا حتى اليوم.
ناهيك عن أن ما أعلنه العبادي من تخصيص مليارات الدولارات للبصرة وتعيين الآلاف، مجرد وعود لامتصاص غضب الانتفاضة، فمن فشل في تقديم أبسط الخدمات طيلة 15 عاما مع إيرادات ناهزت الترليون دولار، لن يستطيع فعل شيء منها في يوم أو يومين؛ وليس أمام العبادي إلا قمع الانتفاضة.
ولعلنا نسأل من يقف ضد انتفاضة الجنوب في العراق؟ وللإجابة على هذا السؤال أقول:
أولا: أمريكا ومن يدور في فلكها لأن الانتفاضة تعني فشل مشروعها في العراق فلا رفاهية ولا ديمقراطية ولا ماء ولا كهرباء ولا فرص للعمل فماذا ستقول أمريكا بعد عقد ونصف من الغزو وهذا موقفها ضد كل الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية بعد الاحتلال.
ثانيا: إيران وحلفاؤها لأنها ضد حكومتها العميلة في بغداد وضد أحزابها التي تدين بالولاء لها، ولأنها تعتبر العراق حديقتها الخلفية وبوابتها للعالم العربي، وقد سمعت بملء أذنيها هتافات المتظاهرين، وشاهدت بعينها النار تضرم في مقرات أتباعها.

“الشعب العراقي كله يريد الخلاص من الزمرة الفاسدة التي خربت العراق”

ثالثا: الأحزاب الحاكمة جميعها بما فيها السنية، لأن أي حراك شعبي ضد الفساد والفشل يشملها جميعا، وهم جميعا يخشون ثورة الشعب يوما ما، بل هم مستيقنون من ذلك، ولكن طمعهم فيما بين أيديهم يغريهم بالبقاء في عملية سياسية بائسة سحقت الشعب سحقا.
رابعا: مليشيات الحشد الشعبي أو قل الحرس الثوري العراقي، وهذه المليشيات تنتظر الوصول إلى سدة الحكم رسميا عبر فوزها في مسرحية الانتخابات، والذي يحصل لا يسرها، وهي تنتظر الآن نتيجة جهود العبادي وقواته في قمع الانتفاضة فإن فشل فستنفذ واجبها.
أما لو بحثت عن إجابة لسؤال من يؤيد انتفاضة الجنوب في العراق؟ فلن تجد من المنصفين غير قولهم : الشعب العراقي كله الذي يريد الخلاص من الزمرة الفاسدة التي خربت العراق ونهبت خيراته باستثناء أعضاء الأحزاب الحاكمة والمشاركين في العملية السياسية وأولئك المستفيدين من المال الحرام الذي ينثرونه على أتباعهم.
انتفاضة الجنوب فضحت وعرّت النظام الذي أسسته أمريكا في العراق تحت غطاء الديمقراطية والرفاهية وحرية التعبير وما إلى ذلك من الأكاذيب، فها هو النظام الديمقراطي يقتل متظاهرين سلميين يطالبون بأبسط الحقوق، ولا يمكنه وصفهم بالدواعش كما فعل في اعتصامات المحافظات السنية نهاية عام 2012.
وعلى مدى الأسابيع الفائتة وتحت لهيب شمس محرقة، صمد شبابٌ بصدور عارية، أمام موجات الرصاص الحي المنهمر عليهم، ففتحوا للشعب بابا للحرية، فإما أن يهب الجميع لمساندتهم، وإلا فليعُدوا سنواتٍ عجافا أخرى تحت ظل أحزاب المرجعية الفاسدة التي تستعد مليشياتها لقمع الانتفاضة.

وقد رصدت الأخبار ووثقت أن المستهدف الرئيس بالاقتحام والحرق من قبل شباب الانتفاضة كانت مقار أحزاب المرجعية وخصوصا حزب الدعوة، ومقار مليشيات الحشد وخصوصا بدر والعصائب؛ لقد أحسنوا الاختيار وعلموا سبب الداء الذي يعانيه العراق المنكوب بهؤلاء. في حين ظهر العبادي مستنجدا بمليشيات الحشد لقمع الانتفاضة (وعزل المسيئين) مع أن قواته لم تقصر إذ قتلت حتى وقت كتابة هذه السطور 15 متظاهرا وأصابت المئات وهو يقول من حق شعبنا أن يطالب ومن واجبنا الاستجابة (فلم يستجب) ولكنه يمارس القتل اليومي للمتظاهرين السلميين تحت ذريعة “المندسين”!!

“انتفاضة الجنوب فضحت الأحزاب الحاكمة التي ظلت تُدجّل على أهل الجنوب باسم نهج الحسين وباسم آل البيت”

وتبقى زيارة العبادي لقادة مليشيا الحشد لأجل مساعدته في (عزل المسيئين) وتصريحه بأحقية المواطن المطالبة بحقوقه، خدعة لم تعد تنطلي على العراقيين، ولرب نظرة سريعة على تعليقاتهم على المنشور نفسه تؤكد أن لا أحد يصدقهم، وأن العراقيين يؤازرون الانتفاضة.
ومثل ما فعل العبادي تفعل أحزاب المرجعية ومليشياتها التي أبدت استعدادها على (حماية التظاهرات) من (المندسين) ولكن الوجه الحقيقي للحماية التي تريد تنفيذها هذه الأحزاب والميليشيات هي حمايتها بالدهس والقنص والرصاص الحي في صدور المتظاهرين.
انتفاضة الجنوب فضحت هذه الأحزاب التي ظلت تُدجّل على أهل الجنوب باسم نهج الحسين وباسم آل البيت بينما ينهبون المليارات ويسقون الشعب كأس المذلة.
ويشاء الله أن يحترق الخميني مرتين، في ثمانينات القرن الماضي حيا وفي انتفاضة الجنوب بعد ثلاثين عاما ميتا؛ وحرقه هنا ليس كأي مكان آخر، فهنا المكر الكبار الذي مارسته أحزاب المرجعية على مدى خمس عشرة سنة، وسيحصدون قبيح ما زرعوا طال الزمان أو قصر.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات