الأربعاء 17 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

تظاهرات العراق وأزمة أحزاب الطوائف

تظاهرات العراق وأزمة أحزاب الطوائف
كانت صدمة الأحزاب الشيعية العراقية كبيرة مع التظاهرات التي اندلعت أخيراً في جنوب العراق ذي الغالبية الشيعية، إذ استهدف المتظاهرون مقرّات تلك الأحزاب والمليشيات بالحرق والإدانة. فلماذا وكيف حصل ذلك؟ بدأت التظاهرات، في أيامها الأولى، في الدعوة إلى توفير الخدمات الأساسية الشحيحة والمتعثرة، مثل الماء الصالح للشرب والكهرباء والصرف الصحي، وبالتأكيد فرص العمل. لكن التظاهرات تحولت بسرعة إلى ظاهرة معادية لكل الطبقة السياسية وممارساتها. بنت الأحزاب العراقية عموما، والشيعية خصوصا، علاقتها بالشعب، منذ عام 2003، على الوعد بتوفير الوظائف وحماية الطائفة، وقد أشارت التظاهرات إلى سقوط هذين المبدأين. ففي نظر المتظاهرين الشيعة، لم توفر الحكومة التي يقودها الشيعة لهم فرص العمل، ولا الخدمات، وهي، في المقابل، لم تعد قادرةً على الادعاء بأنها تحميهم، فقد انحسر الخطر الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأصبحت المناطق السنية أضعف من أن تشكل أي تهديد، كما انحسر التمدد الكردي الميداني والسياسي على يد حكومة رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي.
“لكن التظاهرات الجديدة كانت واضحةً في صخبها ورفضها أي وصاية أو تدخل سياسي “
يوصف العبادي بأنه شيعي معتدل، وقد فرض إجراءات تقشف واسعة منذ استلامه منصبه، شملت خصوصا فرض قيود على التعيينات في الوظائف الحكومية، بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية في عام 2014 – 2015، ومحاولة إصلاح القطاع الحكومي الذي يعاني من الترهل، بسبب سياسات التعيين المستمرة التي أغرقته بالبطالة المقنعة، لكن حكومة العبادي لم تنفذ، في المقابل، سياسات تخلق البدائل، ليدخل رئيسها انتخابات البرلمان في مايو/ أيار الماضي، معتمدا على ما تحقق في فترة ولايته الأولى من هزيمة لـ”داعش”، وتقييد طموحات الأكراد، بالإضافة إلى أنه أكثر اعتدالا وألطف أسلوبا مع الطوائف العراقية الأخرى، إذا ما قورن بسلفه نوري المالكي. لم يكن ذلك كله كافيا لدى الناخبين في الجنوب، الغاضبين من البطالة وقلة جهود التنمية، وطبعا الفساد المستشري الذي تعهد العبادي كثيرا بمحاربته، من غير عمل الكثير، فجاء العبادي ثالثا في انتخاباتٍ قاطعتها غالبية العراقيين. أما من جاء في المركز الأول فكان تحالف سائرون، الذي تشكل من القوى التي شاركت في الجولة السابقة من التظاهرات قبل سنوات، وفي مقدمتهم الزعيم الشيعي مقتدى الصدر. بعد تغريدتين أو ثلاث بشأن التظاهرات الحالية، اختفى الصدر عن المشهد، وسافر من غير إيضاح إلى لبنان، وهي الدولة التي يتخذ منها مقرا بديلا في السنوات الأخيرة، إذ ينزل هناك بضيافة صديقه الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله. وكان الصدر يعتمد استراتيجية تريد البناء على المكاسب السياسية التي حققها من التظاهرات السابقة، لكن التظاهرات الجديدة كانت واضحةً في صخبها ورفضها أي وصاية أو تدخل سياسي حتى من الصدر.
“انهارت سنواتٌ من الضخ الإعلامي في البيئة الشيعية، هدفت إلى خلع صفة القداسة على الحشد الشعبي”
كان أصحاب المركز الثاني في الانتخابات الأكثر تأثّرا، فقد شملت هجمات المتظاهرين في الجنوب، حتى مقرات الأحزاب ذات الأجنحة المسلحة المدعومة مباشرةً من الحرس الثوري الإيراني، والمنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي. وقد خاض هؤلاء الانتخابات ضمن تحالف الفتح. انهارت سنواتٌ من الضخ الإعلامي في البيئة الشيعية، هدفت إلى خلع صفة القداسة على الحشد الشعبي، في أيام قليلة، عندما انفجر غضب فقراء الجنوب على أحزاب الحشد الشعبي التي رد حراس مقرّاتها على المتظاهرين باستخدام الذخيرة الحية. اتخذ رئيس التحالف، هادي العامري، قائد منظمة بدر، وهي الجماعة الشيعية المسلحة الأكبر والأقوى، الطامح لرئاسة الوزراء، اتخذ لهجة تصالحية، أعرب فيها عن تفهمه لطروحات المتظاهرين، وأعلن للمرة الأولى اعتذاره للشعب العراقي عن خمسة عشر عاما من فشل الطبقة السياسية. لم يعتمد العامري، هذه المرة، على الخطاب المتفاخر بالنشاط المسلح لجماعته وحلفائها، ولا ادّعائهم بأنهم هم الذين هزموا تنظيم داعش، لا القوات العراقية المدعومة أميركياً.
“لكن أهميتها تكمن في كشفها حجم ومدى الأزمة التي وصل إليها النظام السياسي”
لم تكن التظاهرات التي اندلعت في مدن عديدة في محافظات جنوب العراق هي الأولى، وربما لم تكن الأكبر، لكن أهميتها تكمن في كشفها حجم ومدى الأزمة التي وصل إليها النظام السياسي الذي أقيم في العراق بعد العام 2003، فقبل التظاهرات أخيرا كانت هناك تظاهرات في إقليم كردستان، أسبابها مختلفة، لكن نقمتها كانت موجهة أيضا على الأحزاب المسيطرة، أما المناطق السنية فهي الآن مدمرة اجتماعيا وسياسيا، وخارجة بالتالي عن نطاق البحث والتأثير. ولكن نشير إلى أن الأحزاب الطائفية السنية لعبت أيضا دورها في الوصول إلى هذه المرحلة. يتحدّث مثقفون عراقيون اليوم عن ضرورة إيجاد عقد اجتماعي جديد في العراق، ولكن الحقيقة أنه لم يكن هناك عقد اجتماعي أصلا بعد 2003، بل صيغ طائفية وهيمنة لجماعات سياسية محدّدة على مقدرات الحكومة، وبالتالي على مقدرات المجتمع، مع شراء ولاء المجتمع بتوفير الوظائف في القطاع الحكومي الذي تسيطر الأحزاب على وزاراته، وتتعامل معها كإقطاعيات. ما زالت تلك الأحزاب قوية، وتملك السلاح، لكن اهتزازها أمام التظاهرات، ولجوءها للعنف المفرط يفيد بأن كل الأساس الذي أقيم عليه عراق ما بعد 2003 واه، وأن الحروب المستمرة وإعلانات النصر التي تأتي بعدها لم تزد ذلك البناء إلا ضعفاً ووهناً.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات