السبت 15 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

ماذا حققت انتفاضة جنوب العراق؟

ماذا حققت انتفاضة جنوب العراق؟

تبدو انتفاضة جنوب العراق تجربة شعبية سياسية فريد، فهي حراك شعبي مباشر – عنوانها المياه والكهرباء والبطالة – لكنه سرعان ما طرحت اعقد القضايا السياسية وحددت موقفًا منها، يتأسس عليه ما سيجري فى العراق مستقبلًا.

“كانت الميلشيات وإيران، أسرع من أدرك عظم ما يجري فور اندلاع الانتفاضة”

والحق يقال أن أسرع من فهم أبعاد الانتفاضة منذ الوهلة الأولى (أو توجهاتها ومخاطرها) كانت الميلشيات الإيرانية فى العراق، والآن وبعد كل ما جرى وإزاء توافر الدلائل على أن الانتفاضة أشعلت نارًا لن تنطفىء؛ لاشك أن تلك الميلشيات أو بالدقة إيران في حالة تفكير استراتيجي ليس فقط لمواجهة التغييرات التي أحدثتها الانتفاضة، بل لمواجهة التداعيات الاستراتيجية لهذا الزلزال.

كانت الميلشيات وإيران، أسرع من أدرك عظم ما يجري فور اندلاع الانتفاضة، وفي المقابل “تقوّل” البعض على الانتفاضة، وفيما كانت المظاهرات تدق أبواب أو أوكار ومقار الميلشيات الإيرانية ،كان البعض يتحدث عن وقوف إيران خلف الانتفاضة، ومن وجد الأمر صعب التصديق – خاصة بعدما أشعلت النيران في كثير من مقار الميليشيات الإيرانية وتكرر هتاف الحناجر بخروج إيران من العراق – فقد تحدث بعض آخر عن طرف الاحتلال الامريكي، وقال إنها انتفاضة تقف خلفها الولايات المتحدة، وكأن أهل العراق بثوراتهم وحضارتهم وعراقة معدنهم وأصالة مجتمعهم يمكن أن يصنعوا انتفاضة شعبية تلبية لأوامر محتليهم!

“لقد وجهت انتفاضة الجنوب ضربة قاصمة للنفوذ الإيراني بإعلان براءة سكان الجنوب من شعارات الميليشيات”

وترجع حالة تفرد انتفاضة جنوب العراق إلى أن أهل الجنوب اختصوا أنفسهم بإشعالها لإزالة وإنهاء ما ادعته وروّجته كل الميليشيات الإيرانية من تمثيلها ودفاعها عن مصالح شيعة العراق، وأنها أعادت طرح قضية الاحتلال من أوسع وأعمق الأبواب، برفع شعارات طرد إيران من العراق، وكأن أهل الجنوب يقولون لإخوتهم في باقي أنحاء العراق، تلك مهمتنا وها نحن قيد انجازها، وإنها انتفاضة إفشال محاولات تعويم العملية السياسية، إذ هي إعلان بأن الانتخابات لم تقاطع فقط، بل إن الشعب في مواجهة مع نتائجها التي زورت إرادة الشعب العراقي.

لقد وجهت انتفاضة الجنوب ضربة قاصمة للنفوذ الإيراني بإعلان براءة سكان الجنوب من شعارات الميليشيات، وهي قدمت قضية مقاومة الاحتلال في صورتها الكاملة التي سبق أن أرستها المقاومة العراقية التي اشتعلت فور دخول قوات الاحتلال الأمريكي للعراق، والأهم أنها فتحت الطريق أمام تطوير حراك وطني عراقي موحد في مواجهة المستعمر أيًا كان، بعد أن أزالت تلك الحواجز التي صنعتها بعض ما توصف بالمرجعيات حين افتت بعدم مقاومة المحتل، وقد اكتسحت الانتفاضة في طريقها فكرة وأساس تشكيل الحشد حين ذهب المتظاهرون إلى مقار الميليشيات هجومًا واستنكارًا لدورها بإبعاده الطائفية والإرهابية.

ووفق تلك المعاني، يمكن القول بأن هذه الانتفاضة قد فتحت الطريق لانتفاضة شاملة تعم كل أرجاء العراق، وإن المحتلين الأمريكي والإيراني في وضع ارتباك شامل، وهم لا شك يعملون الآن لواد الانتفاضة ويخططون لمنع تطور خطها الاستراتيجي لتصبح انتفاضة عراقية شاملة.

ولذا، فأهم ما يجب التركيز عليه الآن هو كشف وفضح الألاعيب الجارية لتطويق نتائج الانتفاضة ولمنعها من استكمال مشوارها، وأول تلك الألاعيب هو تلك الحركات البهلوانية التي قام بها أحد قادة الميليشيات (نيابة عن آخرين) حين قدم اعتذاره عن الفشل في تحقيق مصالح الناس، كانت لعبة بهلوانية القصد منها تصوير الانتفاضة كفعل غضب وقتي، كما قصد القيام بحركة التفافية على رفض الشعب للميليشيات.

“يمكن القول بأن هذه الانتفاضة قد فتحت الطريق لانتفاضة شاملة تعم كل أرجاء العراق”

لقد واجهت الميلشيات المتظاهرين بالقتل في البداية، وهي تراجعت تكتيكيًا بعدما وجدت نفسها في طريق يؤدي إلى نهايتها، فالتفت حول المتظاهرين عبر الحديث بلغة أخرى.

وثاني الألاعيب تمثل في ممارسة أعمال التجزيء والتفكيك لوحدة المتظاهرين ،كما رأينا في تحركات العبادي الذى التقى بممثلين من كل محافظة على حدة ووعدهم بإنفاق أموال لتحسين الأوضاع بها.

وثالث الألاعيب هو ما يجري تدرجيًا لاستيعاب الانتفاضة داخل ما يسمى بإطار المرجعية، إذ راينا كيف تتماهى مع المظاهرات والمتظاهرين بهدف استعادتهم داخل الأطر المتحكم بها.

ورابع الألاعيب، بدء طرح شعارات مناطقية وإحياء فكرة الإقليم الجنوبي كإطار خلفي لعزل أهل الجنوب عن بقية الشعب العراقي، وللإيحاء بأن الفقر والبطالة لا تعود للنهب والسلب والفساد بل بسبب التشارك في ثروات النفط مع محافظات أخرى،كوجه آخر من أوجه سلاح الطائفية البغيضة.

وخامس الألاعيب هو الوقوف على رأس الانتفاضة للعودة مجددًا إلى الحكم بسرعة العد والفرز اليدوي والمطالبة بسرعة تشكيل الحكومة.

أما أخطر الألاعيب التي سيجري إنفاذها على مدى طويل، فهي لعبة إغراق العراق كله في عملية تشويه مخططة للتظاهر والمتظاهرين، تحت عنوان الفوضى والمندسين، وإعادة إحياء لعبة الإرهاب لإخافة الشعب مجددًا ولجعله فزّاعة ضد المتظاهرين ولفتح مساحة لضرورة استمرار بقاء الميليشيات.

المصدر:الهيئة نت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات