الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

برلمان العراق: شطرنج أقرب إلى كراسٍ موسيقية

برلمان العراق: شطرنج أقرب إلى كراسٍ موسيقية

بينما تنزلق الكتل البرلمانية العراقية إلى حلقة مفرغة تلو أخرى، في قلب الدوامة ذاتها التي تدور بهم حول مناورات التوصل إلى تحالف ذهبي قادر على تشكيل الحكومة العتيدة المقبلة؛ تذهب الاحتجاجات الشعبية في الجنوب نحو منعطف جديد فارق، لن يتأخر في قلب الطاولة على رؤوس المناورين، أجمعين ربما. المطالب هذه المرة تجاوزت الحاجات المعيشية والخدمات العامة والكهرباء والفساد، لأنّ المعتصمين والمتظاهرين بدأوا يطالبون بمنح البصرة حقوق الإقليم، كاملة غير منقوصة، فليس إقليم كردستان بأفضل منهم في استحقاق هذا المطلب. والبصريون يذكّرون أخوتهم المواطنين العراقيين في المناطق الأخرى (ولكن في «المنطقة الخضراء» البغدادية على وجه الخصوص، حيث ينزلق الساسة وتتخبط المناورات) أنّ البصرة تزوّد الحكومة الاتحادية بالنسبة الأكبر من الموازنة، وتنتج 2،8 مليون برميل من النفط يومياً، وتتمتع جغرافياً بموقع فريد برّي وبحري، ولا يتلقى أبناؤها (قرابة 1،5 مليون نسمة) إلا النزر اليسير من هذه المزايا.

“ليس في وسع السادة.. صمّ الآذان عن هتافات البصرة وسواها من مدن الجنوب وبلداته وقراه”

ليس في وسع السادة مقتدى الصدر وحيدر العبادي وعمار الحكيم وإياد علاوي، من جهة أولى؛ ولا السادة نوري المالكي وهادي العامري وأسامة النجيفي وجمال الكربولي وأحزاب إقليم كردستان، من جهة ثانية؛ صمّ الآذان عن هتافات البصرة، وسواها من مدن الجنوب وبلداته وقراه. هذه باتت تنادي الفاسدين بأسمائهم، اهتداءً بما درجت على اعتماده مرجعية آية الله علي السيستاني، وتنذر بأنّ المرحلة التالية قد لا تشبه سواها، خاصة تجارب الانتخابات وتشكيل الحكومات في أعقاب دورتَيْ 2010 و2014. الحال ذاتها تسري، كما يشير المنطق البسيط، على أسماع قائد «فيلق القدس»، الجنرال قاسم سليماني، الذي وصل إلى العراق لترتيب (وربما الإشراف على) شؤون الفئة الثانية؛ أو أسماع بيرت ماكغورك، المبعوث الأمريكي الخاص، الذي التحق بالبلد أيضاً وباشر جولات مكوكية بين بغداد وأربيل، لمساندة الفئة الثانية.

اللعبة، مع ذلك، تعطي الدلائل الشكلية على شطرنج محتدم، قائم على قواعد تقليدية في احتساب القوى وضبط التوازنات، ربما على مستوى اكتساب هذا البرلماني المتذبذب بين الفئتين، أو تلك المجموعة المتطلعة إلى حقيبة وزارية أو أخرى. ومن هنا فإنّ مضمون الأخذ والعطاء يميل، أكثر من الشطرنج الذي يتيح ترقية البيدق إلى وزير، نحو لعبة الكراسي الموسيقية التي تُشعل التنافس على الكرسيّ الواحد المبتغى. كلّ هذا بالرغم من أنّ معطيات ماضي العراق، ومنذ الاجتياح الأمريكي سنة 2003، وتنصيب الحكومات المرتهنة للاحتلال أو للجارة إيران، لا تشجع على التماس أيّ تغيير جوهري في ميزان المناورات والصفقات والعهود، ثمّ النكث بها والانقلاب عليها.

” منذ الاجتياح الأمريكي سنة 2003، وتنصيب الحكومات المرتهنة للاحتلال أو للجارة إيران، لا تشجع على التماس أيّ تغيير جوهري”

وهنا لا يحتاج المرء إلى مراقب غربي مستشرق، أو حتى مستعرب يدّعي الخبرة بشؤون العراق وشجونه، كي يدرك طبائع جعجعة بلا طحن تخيم على المشهد هذه الأيام، أو خلال الأسابيع التي ستعقب التئام المجلس النيابي وابتداء العدّ العكسي نحو التكليف؛ أو أن يستقبل المرء ذاته مختلف التأويلات حول غرائب مثل جود الشيوعيين في تحالف «سائرون» الصدري، أو عجائب مثل أن يحمل تحالف المالكي اسم «دولة القانون»! وعلى نحو أو آخر، قد يكون الطحن آخر ما ينتظره المواطن العراقي من هؤلاء الساسة وهذه الكتل، خاصة بعد أن تمخض الجبل في اجتماعات فندق بابل عن «نواة» فقط، فشلت في الانقلاب إلى كتلة، رغم أنها تضمّ العدد الأكبر من مقاعد البرلمان.

وما خلا المساعي الحميدة (أي: الابتزاز أو الضغط أو التهديد أو التشهير ) التي يواصل بذلها سليماني وماكغورك، كلٌّ على طريقته وبأدواته وما تحويه جعبته من تنويعات العصا والجزرة؛ يبقى تمويه أحجار الشطرنج في كراسٍ موسيقية، أو العكس، هو الكوميديا الأفضل حظاً في انتزاع ضحكة نادرة من مواطن عراقي، تتناهبه الأوجاع أكثر من المسرات!

المصدر:صحيفة القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات