السبت 15 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

العراق.. المحاصصة الطائفية تتجدد

العراق.. المحاصصة الطائفية تتجدد

في مشهد هزلي من مشاهد مسرحية العملية السياسية العراقية التي لم تطرق مخيلة حتى أعظم كتاب المسرحيات الهزلية في التاريخ، أنهى مجلس النواب العراقي جلسته يوم السبت، 15 سبتمبر/ أيلول 2018، بانتخاب رئيس جديد له أربع سنوات. وينتظر العراقيون، الآن، آخر مشهدين من هذه المسرحية التي يعاد عرضها كل أربع سنوات، ابتداءً بمشهد الانتخابات العامة وانتهاءً بتسمية رئيس الوزراء، وهو المشهد الذي يتم فيه إنجاز الصفقات وتوزيع المناصب ومنابع الإيرادات.

في الأيام القليلة الماضية، مرّرت الطبقة السياسية نتائج الانتخابات البرلمانية التي أثارت حولها عدد من منظمات المجتمع المدني، المحلية والدولية، وشخصيات سياسية وإعلامية ودينية، شكوكاً بالتلاعب والتزوير لصالح أحزاب وكتل سياسية مختلفة. وأكدت لجنة تقصي الحقائق المُشكلة من مجلس الوزراء تلك الخروق. ولكن لزعماء الأحزاب إرادة اخرى، فجاءت النتائج بعد إعادة العد والفرز اليدوي مطابقة بنسبة 99% مع النتائج الأولية!

“ولكن لزعماء الأحزاب إرادة اخرى، فجاءت النتائج بعد إعادة العد والفرز اليدوي مطابقة بنسبة 99% مع النتائج الأولية!”

ثم تحولت الطبقة السياسية إلى تقسيم المناصب الرئيسية المهمة، وفق مبدأ المحاصصة الطائفية الحزبية، على الرغم من ادعائها في الحملات الانتخابية عدم العودة إلى المحاصصة الطائفية، وبدأت بمنصب رئيس مجلس النواب، إذ تم في جلسة مجلس النواب، في 15 سبتمبر/ أيلول الجاري، انتخاب رئيس له من المكون السني، ونائبين أول وثان من المكونين الشيعي والكردي، وبهذا تعيد الطبقة السياسية إنتاج المحاصصة الطائفية، متجاهلة صيحات الشعب المطالبة بإنهائها، لأنها سبب كلّ الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بعراق ما بعد العام 2003. ولكن فيما لو رفضت أية جهة سياسية المشاركة في المحاصصة، فإنها لن تحصل على أي منصب، ولا أحد مستعد للتخلي عن المناصب والذهاب إلى المعارضة داخل البرلمان.

ولم تكن، فقط، عملية تزوير نتائج الانتخابات وإعادة إنتاج المحاصصة الطائفية الحزبية مخالفة لإرادة الشعب، بل انسحاب بعض النواب الفائزين من القوائم التي رشحوا فيها، وانضمامهم إلى قوائم أخرى، تنتهج سياسات تتناقض وتطلعات من صوّت لهم، هو أيضا تعدٍ سافر على إرادة المواطن، لكن هجرة النواب بين الكتل السياسية مؤشر آخر على عدم امتلاك رجال السياسة في “العراق الديمقراطي” للعقيدة والآداب السياسية، وقد تطفلوا على العمل السياسي، بحثاً عن السلطة والجاه والمال.

وبصورة عامة، إنّ من يتحكّم في المشهد السياسي العراقي هم، وحدهم، زعماء الأحزاب والتيارات السياسية، أما النواب فليسوا أكثر من أرقام صوتية داخل البرلمان يستخدمها زعماؤهم لدعم المشاريع والقوانين التي تتلاءم ومصالحهم الشخصية والحزبية أو رفض ما تتناقض ورغباتهم.

“إنّ من يتحكّم في المشهد السياسي العراقي هم، وحدهم، زعماء الأحزاب والتيارات السياسية”

السلطة هي، وحدها، غاية الأحزاب السياسية في العراق، أما بناء الدولة وتطوير منشآتها الحيوية، فلا تعني لتلك الأحزاب شيئا، ومن أجل السلطة افتعلت تلك الأحزاب الصراعات الطائفية والقومية بين مكونات المجتمع العراقي، والتي أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من العراقيين وتشريد ملايين آخرين بعد سقوط مدنهم بيد التنظيم الإرهابي (داعش)، وغدا العراق في ظل حكم هذه الطبقة السياسية من أسوأ بلدان العالم من حيث الأمن ورفاهية العيش، فالمواطن العراقي يعاني من انعدام أبسط مقومات الحياة، كالصحة والتعليم والكهرباء والماء الذي صار ملوّثا بنسب عالية من المواد الكيماوية السامة. على الرغم من الميزانيات الكبيرة التي حصلت عليها حكومات العراق من تصدير ما يقارب أربعة ملايين برميل من النفط الخام يومياً. لكن أموال الدولة تجد طريقها سالكاً إلى خزائن الأحزاب الحاكمة وأرصدتها عن طريق لجانها الاقتصادية المسيطرة على عقود الوزارات، أو عن طريق المشاريع الوهمية التي صارت إحدى بوابات استنزاف خزينة الدولة.

لقد فهم الشعب العراقي اللعبة السياسية، وأدرك أنّ الانتخابات البرلمانية مجرد مسرحية هزلية، يراد منها إضفاء الشرعية الشكلية على النظام السياسي المحاصصي، وأن انتخاب رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة يتم حسب توافقات سياسية بين زعماء الأحزاب، وبرعاية من قبل اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، أميركا وإيران.

وقد عبّر العراقيون في أكثر من مناسبة عن رفضهم لمجمل العملية السياسية، فمنذ عام 2011، والمظاهرات المندّدة بفساد الطبقة السياسية والرافضة للنظام السياسي المبني على أساس المحاصصة الطائفية، مستمرة وتتنامى. كما أن غالبية الشعب العراقي رفض المشاركة في الانتخابات النيابية التي جرت في 12 مايو/ أيار، إذ لم تصل نسبة المشاركة آنذاك إلى 18%. ولعل خير مثال على نبذ العراقيين لهذه الطبقة السياسية ما تجسّد في انتفاضة مدينة البصرة، وحرق أغلب مقار تلك الأحزاب السياسية من المواطنين المنتفضين. وتدل تلك المؤشرات على قرب نهاية حكم هذه الطبقة السياسية التي قذفت بالعراق إلى قعر الجحيم.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات