السبت 15 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

الكتلة الأكبر وتشكيل الحكومة العراقية

الكتلة الأكبر وتشكيل الحكومة العراقية
يتواصل المشهد السياسي العراقي في تطوراته وتفاعلاته وإسقاطاته حول تشكيل الحكومة القادمة وتتفاعل جميع الظروف والإمكانيات التي تحددها المصالح الفئوية والشخصية للحركات والأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية التي أتى بها الغزو الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 واتضحت أكثر معالم الاتفاقات الطائفية والفئوية وملامح الاهتمامات الشخصية والنوازع والدوافع للاستحواذ على السلطة والحقائب الوزارية بعيدا عن طموح وأمال الشعب العراقي وما يعانيه ويكابده من ضنك العيش وافتقاره إلى أبسط مستلزمات الحياة الحرة الكريمة وتكبيله بالعديد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بما أنعكس سلبيا على دوره في المجتمع وفعاليته في التقدم والرقي .

إن بوادر العملية السياسية التي ترعاها الإدارة الأمريكية وتحرص على استمرارها وديمومتها نراها من خلال الاهتمام والدعم بالإشراف على تشكيل الحكومة العراقية وارتهان القرار السياسي العراقي بالإدارة الأمريكية بما يحقق أهدافها ومصالحها بالسيطرة على مقاليد الحياة في العراق واستمرار تعاملها بما يخدم مصالحها الاقتصادية وهيمنتها واستحواذها على ثروات العراق واعتباره قاعدة استراتيجية من قواعدها المهمة في منطقة الشرق الأوسط.في المقابل هناك العامل الإقليمي الذي يشكل أكثر استحواذا واهتماما بالعراق وهو الفاعل الإيراني الذي يمثل مشروعا سياسيا يسعى فيه إلى تعزيز نفوذه وهيمنته على العراق ويعتبره قاعدة انطلاق ثابتة يتوجه فيها إلى باقي أقطار وعواصم الأمة العربية وهذا المشروع تتبين أشكاله وملامحه بالتدخل السافر بالشؤون الداخلية للعراق وسعيه إلى تشكيل حكومة عراقية حليفة له أساسها من الأحزاب السياسية التي سبق للحكومة الإيرانية وأجهزتها الاستخبارية والأمنية أن رعتها أثناء تواجدها على الأراضي الإيرانية قبل الاحتلال الأمريكي للعراق .

“إن التأثير الإيراني يشكل عمقا مهما للسياسة الإيرانية في المنطقة”

إن التأثير الإيراني يشكل عمقا مهما للسياسة الإيرانية في المنطقة وعامل يؤثر على طبيعة الأحداث القادمة خاصة بعد العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي فرضت على طهران والقادم من الأيام سيشهد عقوبات سياسية واقتصادية أكثر تأثيرا وشمولية ويبدأ العمل بها في الرابع من شهر تشرين الثاني 2018 ،لهذا يسعى النظام الإيراني إلى تعزيز تواجده في العراق وتحقيق الارتكاز الأمني والاستخباري فيه بما يعزز منافعه ومصالحه الاقتصادية ومحاولته مواجهة العقوبات التي فرضت عليه باستخدام بوابة أولية تحقق له أهدافه في التقليل من تأثيرات الإجراءات الأمريكية هذه ويرى أنه بالعمل على دعم وإسناد تشكيل حكومة عراقية حليفة له تتفاعل مع توجهاته وأهدافه وتكون تحت تأثيرات طهران السياسية وأهدافها التوسعية لتواكب عملية التشكيل الوزاري والتأثير على إجراءات السلطة التشريعية في العراق بما ينسجم وسعيها الى تحديد مسارات العمل السياسي والاقتصادي والأمني في العراق والدفع بإصدار تشريعات تساهم في الحد من تأثير العقوبات الأمريكية على ايران وتحظى بموافقة الحكومة العراقية الحليفة للنظام الإيراني .

من هذا الاستعراض للمشهد العراقي يمكن لنا أن نستدل بعدة ملاحظات توصلنا إلى حقيقة الكتلة الأكبر وفق المعايير التالية:

1.تسابق وتنافس كل من العامل الدولي الأمريكي والعامل الإقليمي الإيراني في تشكيل حكومة عراقية تكون حليفة لأحد الطرفين أبعد كثيرا بل أدى إلى انعدام تشكيل الكتلة الأكبر والتي لم يستطع أي من الطرفين المتصارعين من الإسراع في تشكيلها وافتقد الجانب الأمريكي الكثير من تأثيراته على حلفائه في العراق ولم يتمكن من إحكام السيطرة على مسارات العملية السياسية التي أتوا بها، في حين يستمر الإيرانيون في لقاءاتهم وحواراتهم مع الكتل والأحزاب السياسية الحليفة لهم والعمل على تعويق الدور الأمريكي في تشكيل الحكومة العراقية ،وفي هذا تثبت الأحزاب والكتل السياسية أنها أدوات تستخدم لتحقيق المصالح الغربية والإقليمية في العراق بعيدا عن مصالح وحقوق الشعب العراقي .

2.أفرزت عملية تشكيل الحكومة العراقية عدة مواقف أكدت حقيقة الصراع السياسي والحزبي بين قيادات الأحزاب والتحالفات السياسية من خلال الخلافات والصراعات التي يعيشها حزب الدعوة وقياداته ووجود التباين في كيفية الحفاظ على المكتسبات والمصالح الشخصية بينهم واتهام أطراف قيادية لأطراف أخرى في تعويق سير العملية السياسية وعدم الاتفاق على رؤية واحدة للحزب ووفق التطورات التي وردت في البيان الأخير لثلاث من قيادات حزب الدعوة يدعو فيها الى عقد اجتماع لمجلس شورى الحزب للتباحث في مستقبل وألية العمل السياسي وتطويقا للخلافات بين قياداته وخشية من الانشقاق والتشظي الذي من الممكن أن يحصل .

“أكدت جلسة عملية انتخاب رئيس مجلس النواب العراقي أن لا وجود لشيء يسمى (الكتلة الأكبر)”

3.أكدت جلسة عملية انتخاب رئيس مجلس النواب العراقي أن لا وجود لشيء يسمى (الكتلة الأكبر) وإنما توافقات ومصالح متبادلة بين الأحزاب والكتل السياسية وأفضت إلى اختيار شخصية برلمانية ليكون رئيسا للبرلمان في دورته الحالية وهي تعكس التفاهمات المستقبلية لمسار العملية السياسية في العراق لأربع سنوات قادمة.

4.جميع الشخصيات والأحزاب التي عشقت العملية السياسية تسعى للحفاظ على واجهة هذه العملية والالتزام بمواعيدها الظاهرية دون الخوض في حقيقتها وبواطنها مع علمها بالاختلافات الجوهرية داخلها وعدم تمكنها من التفاعل مع الطموحات والأهداف التي يسعى لها الشعب العراقي بكافة مكوناته ولكنها أصبحت المعيار الأساسي لاستمرار المصالح الشخصية والحزبية للمشاركين فيها.

5.تبرز ملامح الخلافات السياسية بين الأحزاب والكتل السياسية على عكس ما شاهدناه من وجود تحالفات سياسية تم تشكيلها بعد الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق وتزايد النفوذ الإيراني فيه ،فلا وجود للتحالف الوطني الذي كان يجمع الأحزاب السياسية الشيعية ولا وجود للتحالف الكردستاني الذي كان يوحد الأحزاب الكردية ولا وجود لتحالف القوى السنية الذي كان يحتوي جميع الأحزاب والشخصيات السياسية السنية بسبب الأحداث التي شهدتها السنوات الأخيرة في العراق إضافة إلى عدم وجود رؤية سياسية مشتركة وأهداف وبرامج تحدد معالم ومسارات التفاعلات والتفاهمات المشتركة بين جميع الأحزاب المشاركة في العملية السياسية .

المصدر:البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات