الخميس 18 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

العراق.. الجريمة والثواب

العراق.. الجريمة والثواب
لا تسير الأمور في العراق المحتل، وفق عنوان رواية الكاتب الروسي دوستوفيسكي، الجريمة والعقاب، وإنما وفق عنوان أسمّيه “الجريمة والثواب”، لأن الحاكم في العراق، وبكل بساطة، لا ينال العقاب جرّاء جريمة ارتكبها، وإنما يستحق الثواب عنها، بل كلما زادت جرائمه تضاعف ثوابه، فإذا كان فقيرا يصبح غنيا، والمليونير يغدو مليارديرا، والمدير يرتقي إلى مدير عام، والوزير قد يكون رئيس وزراء وهكذا.
أما الجريمة فلا تسأل عن نوعها، أو درجة عقوبتها، فجميعها مسموح بها لحكام العراق، سواء كانت سرقة أو فسادا ماليا، أو رشوة أو تجارة مخدرات أو غسيل أموال، أو سواء شملت تهريب ثروة نفطية أو عقد صفقات مشبوهة، أو تشريع قوانين لصالح الأجنبي، مثل قانون شركة النفط الوطنية، والذي جرى التوقيع عليه في ليلة ظلماء، من البرلمان ورئيس الجمهورية. وحتى سيادة العراق برا وبحرا يمكن التفريط بها، فقد تحوّلت مبالغ إلى حكام العراق في حساباتهم في الخارج، في مقابل منح الكويت أراضي حدودية ومياها إقليمية. والقائمة في هذا الخصوص طويلة ومؤلمة.
“الحاكم في العراق، وبكل بساطة، لا ينال العقاب جرّاء جريمة ارتكبها، وإنما يستحق الثواب عنها”
والمصيبة أن السلطات القضائية، المفترض فيها معاقبة هؤلاء المجرمين والحرامية، تعمل عكس ذلك تماما. فعلى سبيل المثال، فإن الحرامي الذي يقدّم إلى محكمة أو لجنة لامتصاص غضب الشعب، يمنحه القضاء البراءة بعد جلسة أو جلستين، وأحيانا بعد دقائق معدودة، كما حدث مع سليم الجبوري، عندما كان رئيس مجلس النواب، ومع النائب بهاء الأعرجي الذي تحول من بائع بطاقات موبايل في شوارع كندا إلى ملياردير بغمضة عين. ومن الطرائف أن القاضي يقدّم أحيانا للسارق اعتذارا وطلب السماح. وهذا يعني تحول الفساد والسرقات، بمختلف أشكالها، إلى ممارسات مشروعة وقانونية.
لا يحتاج هذا الأمر إلى مرافعة رصينة لاثبات هذه الحقيقة، فعندما يعترف المجرم بجريمته من دون ضغط أو إكراه، فإن القاضي لم يعد بحاجة إلى أدلة أخرى، كون الاعتراف في القانون سيد الأدلة. وكل الحكام في العراق الذين جمعهم المحتل من دول المهجر اعترفوا بجرائمهم وسرقاتهم، إلى الدرجة التي دعت المنظمات العالمية التي تجد أحيانا صعوبة في معرفة درجات الفساد في الدول، إلى وضع العراق بسهولة في أسفل قائمة الدول الفاسدة، مثل المنظمة العالمية للشفافية والبنك الدولي والمنظمة العالمية لمراقبة الفساد. أما الشعب العراقي الذي يعرف الحقيقة أكثر من غيره، فقد أصدر حكمه بحق هؤلاء اللصوص، تحت شعار “باسم الدين باعونا الحرامية”.
ولضمان حماية هؤلاء الحكّام أنفسهم من المحاسبة الشعبية، تمادوا في هذا الخصوص، ووصل الأمر بهم حد السماح لمنظمات إرهابية، باحتلال مساحات واسعة من الأراضي العراقية لإجبار العراقيين على السكوت عن جرائمهم وسرقاتهم وفسادهم، تحت ذريعة وجود عدو يهدّد العراق تنبغي هزيمته قبل كل شيء، تيمنا بمقولة “لا صوت يعلو على صوت المعركة”. وقد نجد نموذجا عن هذه المنظمات الإرهابية، ما سمي تنظيم داعش، الذي سهلوا مهمته بدخول الموصل وباستعراض مهيب، وأعلام سوداء وسيارات بيضاء. وكان في مقدمة هؤلاء نوري المالكي الذي شغل حينها منصب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، حيث أصدر أمرا بانسحاب قواته العسكرية المتمركزة في تلك المنطقة، وتعدادها أكثر من ثلاث فرق، وتسليم جميع الأسلحة والمعدات للدواعش الذين لم يتجاوز عددهم حينها أكثر من اربعمائة. أما قادة هذه الفرق، أو من دونهم من الضباط، فبدل معاقبتهم أو حتى تقديم أحدهم للمحاكم كبش فداء لستر الفضيحة، جرى تكريمهم بمناصب عالية ومرموقة، وإلا بماذا نفسر السماح لـ “داعش” بالبقاء في الموصل أكثر من سنتين من دون التعرّض لها؟ أما كان في وسع الجيش العراقي، أو قوات التحالف طردهم منها بعد أيام من احتلالها؟ أليست هذه المدة كافية لمنح أعضاء “داعش” وقتا طويلا، ليتمكنوا من تدعيم وجودهم من حيث العدة والعتاد، وبناء مواقعهم العسكرية وإقامة خطوطهم الدفاعية، وحفر الأنفاق، وإقامة مصانع للسيارات المفخّخة؟ أم أنهم فعلوا ذلك ليبرّروا تدمير مدينة الموصل، وقتل سكانها تحت شعار تحريرها من أكبر قوة إرهابية في العالم؟

ليست هذه السرقات المتنوعة، والتي أدّت إلى إشاعة الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة العراقية ومرافقها، من صنع هؤلاء الحكام وحدهم، وإنما تمت بمساعدة المحتل الأميركي وتابعه الإيراني، وبمباركة من المرجعيات الدينية، وبتسويق من منظمات المجتمع المدني المموّلة من أميركا والكيان الصهيوني، ليتحول فيما بعد إلى وحش عملاق وغول أخطبوطي تمتد أذرعه في جميع مناحي الحياة، لتشكل، في نهاية المطاف، سلوكا يوميا مستساغا، على أمل إفساد الشعب بحيث يصبح خنوعا مستسلما، وراضيا بما يتعرّض له من مصائب وويلات. بالضبط شبيه بالحالة التي وصفها المفكر التنويري، عبدالرحمن الكواكبي، في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، حيث يقول “الشعب الفاسد هو أس الفساد وقوته. بهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويهينهم في ثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً، وإذا قتل منهم ولم يمثل به يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كانهم بغاة”.
ليس هذا كل شيء، فتمركز الثروة في أيادي فئة من اللصوص تمنحهم القدرة والإمكانات على زج المجتمع في حروب طائفية أو أهلية، لتنتهي إلى تمزيق وحدة المجتمع العراقي، وإبعاده عن هويته الوطنية، وتقسيمه إلى قوميات وأديان ومذاهب وأحزاب ومليشيات مسلحة، وهذا ما يفسّر ترويج مفرداتٍ لم نتعود على استخدامها من قبل، مثل هذا مسلم وهذا مسيحي وذاك صابئي، هذا شيعي وذاك سني والآخر آشوري أو كلداني، ولم يجر أيضا في السابق تقسيم المجتمع العراقي إلى مكونات، كرد وشيعة وسنة، لكي يجري تقاسم السلطة على هذا الأساس، وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية، على العكس تماما حين كان الناس يتبهاون بعبارات مثل الانتماء للوطن وحب العراق والأخوة والعيش المشترك.
“فتمركز الثروة في أيادي فئة من اللصوص تمنحهم القدرة والإمكانات على زج المجتمع في حروب طائفية”
لم يكتف هؤلاء الحكام بذلك كله، كونه من وجهة نظرهم ليس كافيا لبقائهم في السلطة عقودا طويلة، فلجأوا إلى انتهاج سياسة تجهيل المجتمع، وحرمانه من المعرفة والتعليم، الأمر الذي لا يؤهله للمطالبة بحقوقه المشروعة، أو لمراقبة السلطة ومحاسبتها، ولنا في التراجع الذي وصل إليه التعليم في العراق خير دليل على ذلك، فقد أصبح العراق في أسفل الدول الفقيرة المنخفضة المستوى، أو أقل من الدول التي كان يسبقها العراق بأضعاف، فمثلا بلغت نسبة الشباب الذين أنهوا الدراسة الثانوية 15% وهي النسبة نفسها في الدول المتخلفة مثل راوندا، في حين بلغت النسبة حوالي 20% في بوتان و25% في جزر القمر و30% في اليمن و50% في نيجيريا.
أما إذا فكّر الشعب، أو سولت له نفسه الوقوف بوجه هذه المخططات الغادرة، يصبحون كالوحوش الكاسرة، وهذا ما أكّده هؤلاء الحكام في قمع أية انتفاضة بالحديد والنار، على الرغم من مطالبها المتواضعة كالماء والكهرباء، ولنا في انتفاضة البصرة السلمية خير دليل على ذلك، بل يعمل هؤلاء على مدار الساعة على قمع كل نشاط عام يدعو إلى تغيير هذا الواقع السيئ، وتضييق الخناق على كل من يحاول إعمال عقله وفكره في خدمة المجتمع، ويصل الأمر أحيانا إلى حرمان العراقيين الوطنيين والمثقفين والمتعلمين من المناداة، تصريحا أو تلميحا، بدولة مدنية ومواطنة مجتمعية، من خلال تهميشهم تارة، واغتيالهم وزجهم في غياهب السجون تارة أخرى.
نعم، حقق المحتل وسلطاته المتعاقبة خطوات مهمة في هذا الصدد، والمجتمع العراقي الآن يواجه هذه المؤامرة الغادرة، وإذا لم يجر الانتباه إليها بالقدر الكافي والتصدي لها وإحباطها، سيكون عاجزا عن الوقوف أمام الأحزاب الطائفية والمتخلفة وفئة الحرامية والوصوليين الذين يمسكون بزمام الأمور، ويحرصون أشد الحرص على تعميق وترسيخ هذا الواقع من جهة، وإبعاد المجتمع عن وطنيته، والتمسّك بوحدته وقيمه وإخراجه عن الطريق السوي من جهة أخرى. وبالتالي، لا بد من العمل الجاد على تشجيع العراقيين على العودة إلى ماضينا المجيد، والالتزام بالهوية الوطنية، والتمسّك بالوحدة المجتمعية، واستعادة اللحمة بين أبناء المجتمع، وفي الوقت نفسه، محاربة جميع التوجهات والأفكار والنزعات الذاتية والفئوية والتفرقة العنصرية والمذهبية.
ولن يتم هذا كله من دون إسقاط العملية السياسية، بكل الوسائل والطرق والإمكانات المتاحة، وإقامة حكومة وطنية مستقلة تأخذ على عاتقها تهديم كل الأسس التي أقامها المحتل، وما ترتب عليها من نتائج مأساوية، تمهيدا لبناء مجتمع موحد، يكون قادرا على بناء دولة مدنية، تستند إلى مؤسسات كفوءة تضمن مساواة جميع العراقيين، بصرف النظر عن دينهم أو مذهبهم أو قوميتهم. وفي الوقت نفسه، تقديم رموز العمالة والسرقة والجريمة والفساد المالي والإداري إلى المحاكم العادلة، وفق عنوان الجريمة والعقاب، وليس الجريمة والثواب. ومن دون ذلك، فإن أية مراهنة على تحقيق تلك الأهداف النبيلة فاشلة قطعا.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات