الأحد 18 نوفمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

صدمة البصرة بالرئاسات الثلاث

صدمة البصرة بالرئاسات الثلاث

وكأن البصرة ما أنّت ولا توجعت ولا صرخت، وكأنها لم تعتصم ولم تتظاهر احتجاجا على الوضع المزري لإنسانها، وكأن صرخاتها ذهبت أدراج الرياح ومعاناتها أصبحت نسيا منسيا.

وسط ملهاة الرئاسات الثلاث، التي أعدتها الطبقة السياسية الفاسدة، ووسط تعتيم مقصود لطي صفحة مدينة المدن وتجاهل لوثبتها الشعبية، أصيبت البصرة بصدمة اسمها “عرس واوية”. و”الواوية”، باللهجة العراقية تعني بنات آوى، وعرس الواوية تشبيه عراقي وكناية عن الفرحة التي لا تدوم، ويقابلها التعبير المصري “يا فرحة ما تمت”.

“وكان البديل الذي لجأت إليه الطبقة السياسية لائحة اغتيالات لكل من تصدر الخط الأمامي للحراك السلمي”

وكان البديل الذي لجأت إليه الطبقة السياسية لائحة اغتيالات لكل من تصدر الخط الأمامي للحراك السلمي، فقد نفذت ميليشيات الأحزاب الموالية لإيران ولا تزال عدداً من تلك الاغتيالات، وأقدمت أيضاً على خطف عدد من شباب الوثبة، ويحاول عرابو الفساد إرسال أكثر من إشارة تحذير إلى البصرة وإلى بغداد وإلى عموم محافظات العراق بالتوقف عن التظاهر والكف عن الاحتجاج، أثناء عملية ترقيع الرئاسات الثلاث، لاستئناف مسلسل الفساد وتنظيم أولوية السرقات والبحث عن أبواب جديدة لمضاعفة مدخراتهم، وكأن المجرب لم يجرب بعد.

لم يشهد العراق منذ سنة الاحتلال 2003 مثل هذا التحدي، الذي بات مكشوفاً وفي وضح النهار فلم يعد أحد من الطبقة السياسية، يأبه لصوت الشعب. وأضحى العراقيون يسمون الطبقة السياسية “مستوطنين” لأنهم يستوطنون المنطقة الخضراء والجادرية في بغداد.

البصرة، حاملة هموم الوطن، حاول أهلها أن يعلنوا بكل ثبات أن المواطنة هي وحدها مرجعية العراقيين، لا الولايات المتحدة ولا إيران ولا دكاكين الفتاوى، لذلك لم يُسمع في احتجاجاتها شعار طائفي واحد، وعندما أراد دعاة إقليم البصرة رفع أصواتهم أخرسهم البصريون معبرين عن عراقيتهم الأصيلة.

بديهيات اليوم أصبحت، للأسف، تحتاج إلى براهين لإثباتها، فقد قلبت الموازين كلها، وأصبح الاحتلال يسمى تحريرا، والكتلة الطائفية أسبغوا عليها صفة الوطنية، والعميل يتبوأ مناصب كانت محترمة، والوطني الغيور أصبح مطاردا مشردا مستهدفا بالاغتيالات ومحاربا في رزقه.

المنطق الوحيد هو إما الاستسلام الأبدي والخضوع لحكم المستوطنين الغرباء، أو الثورة الشاملة لكنس هذه المخلوقات الرثة وتطهير العراق من شرورها ومفاسدها وإجراء محاكمات عادلة للاقتصاص من القتلة والحرامية، فلا سبيل أمام العراق غير خيار واحد هو طرد هؤلاء إلى حيث أتوا، فكلهم ومن دون استثناء يعلنون الولاء لقوى خارجية، وهم لو كانوا في بلد آخر لحوكموا بوصفهم جواسيس، ولكن اللامعقول تجمع في العراق منذ يوم الاحتلال.

الطبقة السياسية تمنّ على العراقيين أنها خلصتهم من صدام حسين ومن نظامه، والعراقيون يعرفون أن الولايات المتحدة هي التي فعلت ذلك، ولكن هل يعقل أن يدفع العراقيون ثمن هذا التخليص من استقرارهم وثروات بلدهم وحياتهم، التي كانت مرفهة قبل أن يهجم الجراد الجهادي ويفرّغ خزينة بلادهم بذريعة الخدمة الجهادية؟

“نحن قبلنا وانتخبنا أناسا متعددي الجنسيات وسكتنا، ولم يعمل أحد من الذين انتخبناهم للعراق”

لسان حال العراقيين يقول: نحن قبلنا وانتخبنا أناسا متعددي الجنسيات وسكتنا، ولم يعمل أحد من الذين انتخبناهم للعراق وكلهم عملوا لبلدان جنسياتهم، وحين تظاهرنا لم نتظاهر لتغييرهم وإحلال وطنيين يحبون العراق محلهم، وبلعنا حقيقة أنهم حاربوننا مع إيران وقتلوا أبناءنا وعذبوا أسرانا ويفخرون أمامنا بذلك، لم نتظاهر على ذلك ولا على دستور فصلوه على مقاييسهم، ولا على عملية سياسية حشوها بالألغام والمطبات لتفريقنا، وها هم يمارسون منذ ولّاهم المحتلون، هوايتهم في قتلنا بشتى الأساليب وسائر الطرق، وفوق هذا كله يطالبوننا بأن نحمد الله على أنهم خلصونا من نظام كان الأمن سائداً خلاله في البلاد، وكان العراقي مرفوع الرأس أينما ارتحل.

يروى أن المنصور خطب في جماعة في الشام فقال “أيها الناس ينبغي أن تحمدوا الله على ما وهبكم، فإني منذ وليتكم أبعد الله عنكم الطاعون الذي كان يفتك بكم، فقال له أحدهم: إن الله أكرم من أن يجمع علينا في وقت واحد، الطاعون وأنت، فسكت، ولم يزل يطلب عليه العلل حتى قتله”.

وهكذا هو فعل الطغاة على مر الأزمنة والدهور، وهكذا تفعل الطبقة السياسية عندما تغتال ناشطي البصرة أو تختطفهم. إنه ابتلاء، كما قال ذلك الرجل للمنصور، ولكن بطواعين لا بطاعون واحد ولا بطاعونين، غير أن عرس “الواوية” سينتهي ليبدأ عرس العراق، لا عرس البصرة وحدها.

المصدر:صحيفة العرب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات