الأحد 18 نوفمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

بغداد بين الخاتون وبريمر

بغداد بين الخاتون وبريمر
بغداد، المدينة التي تكاد تنفرد عن مدن العالم بخصوصيتها، هي المدينة التي بناها الخليفة العباسي، أبو جعفر المنصور، وجلبت أنظار طلبة العلم والباحثين والرحّالة والقادة والبربر ولصوص الآثار.
هي فسيفساء من الخارج وجحيم من الداخل، سطع نورها في الآفاق، فسال لعاب القادة والسياسيين، لوضع يدهم عليها، لها سحر خلاب بجذب أعدائها، أخذت طباع نهرها الخالد دجلة، النهر الذي يعطي خيراته لمن حوله، لكنه وعلى غفلة ينتفض، فيفيض رعباً يغرق كل من تطاول عليه.
“قد لا تكون هناك مدينة تعرّضت لغزوات مثلها على مر التاريخ”
قد لا تكون هناك مدينة تعرّضت لغزوات مثلها على مر التاريخ، وكلما انهارت عادت لتنتفض وتنهض، إنها المدينة التي لا تموت، إذ أحرقها هولاكو، وأغرق كتبها في دجلة، فبقيت على الرغم من المحن تجذب أنظار الجميع، استعبدها الأتراك بكل قسوة، ودمروا حضارتها وأعادوها إلى عصر الظلمات، ومع ذلك بقيت صامدة.
المدينة التي علّمت العالم بجامعتها المستنصرية، وأنارت درب الأمم الأخرى يضربها الطاعون فيقضي على أكثر من ثلثي سكانها، والباشوات الأتراك عاجزون عن فعل أي شيء، ظلام وجهل وجوع. ثم جاء الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، ليتربعوا على عرشها، معهم جاءت، مس بيل، التي عُرفت باسم الخاتون، والتي قدمت إلى بغداد بصفة سكرتيرة المندوب السامي البريطاني كوكس.
هذه الخاتون اتهمها كثيرون بالجاسوسية، ويا ليت كل الجواسيس مثلها، إذ أقامت حكومة عراقية بتتويج الملك فيصل على عرش العراق، وحافظت على آثاره من اللصوص الألمان والفرنسيين، وأقامت متحف بغداد، ووضعت فيه أكثر من ألف قطعة أثريةٍ، حصلت عليها من خلال تنقيباتها، وأنشأت أيضاً مكتبة السلام، والتي تُعرف حالياً باسم المكتبة الوطنية، والتي كانت تضم أكثر من مليون مخطوطة وأمهات الكتب.
“وضع بريمر دستور البلاد حسب ما تمليه مصلحة بلاده، ليبقى بلد الرافدين يعجّ بالفوضى”
رفضت العودة إلى لندن، وتجاهلت نصيحة الأطباء، وبقيت في بغداد حتى ماتت ودفنت فيها، فهل تقارن هذه الخاتون بالحاكم الأميركي بريمر، والذي وضعه الاحتلال الأميركي حاكماً للعراق، فعمل على حل الجيش والشرطة، وسرق المتحف، وأحرق المكتبة الوطنية، وحافظ على وزارة النفط؟
كان بإمكانه وضع دبابة أمام المتحف، وأخرى أمام المكتبة للحفاظ عليهما كما فعل مع بناية وزارة النفط، وكلّ ما يتعلق بالنفط، إذ شتّان ما بين الخاتون وبريمر الملعون الذي زرع بذور الطائفية، ليتقاتل أهل البلد فيما بينهم، وينفرد هو ومن جاء به بخيرات هذا البلد.
وضع بريمر دستور البلاد حسب ما تمليه مصلحة بلاده، ليبقى بلد الرافدين يعجّ بالفوضى، ولتتحول بغداد مدينة النور والسلام إلى مدينة الظلام والقتل والسلب والنهب، مدينة تعج بالفوضى، وتستنجد بأبنائها الذين أرهقتهم مصاعب الحياة وقسوتها عليهم.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات