الإثنين 12 نوفمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

الموصل: إدفع لتخلّص ابنك من التعذيب!

الموصل: إدفع لتخلّص ابنك من التعذيب!

“بينما أنا جالس في منزلي الساعة العاشرة ليلا، وسط عائلتي أداعب أطفالي، أفزعتني ضربات على باب منزلنا الخارجي جعلته ينفتح على مصراعيه، فنهضت مسرعاً لأفتح الباب الداخلي حتى لا يلاقي مصير الخارجي نفسه، فلما فتحته دفعني أحد الجنود العراقيين وأوقعني أرضاً وهو يصرخ (شسمك؟ ما اسمك) فأجبته لكنه لم يسمع وسط ضجيج الجنود وصراخ أطفالي! فبدأ يركلني بقدمه في ظهري حتى شعرت أن عظام ظهري تحركت من مكانها من شدة الألم. قام أحدهم بتكبيل يدي خلف ظهري ثم أوقفني وأخرجني إلى سياراتهم البيك أب خارج البيت، وهناك فتحوا في وجهي عددا من المصابيح اليدوية وطلبوا مني رفع رأسي؛ فعلمت أنهم يجهزوني ليتعرّف عليّ أحد مخبريهم السريين، وفجأة لم أعد أعرف كيف أمنع اللكمات والأخمصات عن وجهي وأنا مقيد اليدين بعد أن قال لهم المخبر أني الشخص المقصود”، المواطن (أبو عيسى 34 عاماً) من حي صدام أيسر الموصل.

يضيف (أبو عيسى) “حملني عدد من الجنود ورموني في البيك أب، ثم جلس أحدهم على ظهري وانطلقوا بي نحو المجهول. شعرت بألم شديد؛ ولا أدري هل أنا أتألّم من الجندي السمين الجاثي على ظهري ويكاد يقطع أنفاسي! أم أتألم من خوفي وأنا أستحضر قصص التعذيب المخيفة التي رواها لي عدد من أبناء منطقتي بعد مكوثهم لأشها في سجون الحشد والجيش والشرطة والاستخبارات، أم أتألم على مصير عائلتي التي تعيش مما أكُدُّهُ يوميا بعرق جبيني وكيف سيُدبّرون أمورهم في غيابي!

غرفة التحقيق

“منظمة الفجر لحقوق الإنسان، وهي منظمة مجتمع مدني “إن المعتقلين ذاقوا الويل على يد الجلادين في السجون العراقية”

وبينما أنا أسرح في أفكاري المتصارعة، أفقت منها على صراخ جنود في مدخل أحد المقرات وهم يهتفون “عفية الأبطال جابوا الدواعش”.

يكمل (أبو عيسى) حديثه بالقول “أنزلوني من البيك أب وقاموا بتعصيب عينيي وبدأ أحد الجنود يقودني إلى داخل إحدى البنايات وهو يطالبني أن أُوَطِّئَ رأسي، وكان يسير بي بسرعة أقرب للهرولة، وفجأة اصطدم رأسي بباب حديدي شعرتُ على إثرها بدوار شديد جعلني أفقد توازني وأسقُطُ أرضاً، ثم صحوت وجسدي مبلل كاملا بالماء وسط قهقهة الجنود، ثم أدخلوني إلى زنزانة وتركوني هناك، كان المكان يعُمُّهُ سكونٌ مخيف وكأنك في مقبرة، ثم تُقاطِع ذلك السكّون بعض الأنّات من نزلاء تلك الزنازين وهم على يبدو يُصدِرونها من آثار آلامٍ أَلَمَّتْ بهم”.

“في الصباح جاء حرس السجن وأخذني إلى غرفة التحقيق وأنا معصوب العينين ومقيد اليدين، وأجلسني على الأرض في غرفة أسمع فيها أصوات أغاني تُمَجِّد الحشد. سألني الضابط عن الدواعش الذين وضعوا عبوة لدورية للحشد قبل شهر في (حيّ التسعين) المجاور لمنطقتنا، وقال أنه لن يتعب نفسه بالأسئلة إن لم أعترف بالجريمة وشركائي فيها، من البداية، قلت له أقسم بالله لا أعرف وأنا رجل أعمل بأجر يومي ولا علاقة لي بأحد، فقال للجنود شوفوا شغلكم، ثم خرج. فربط الجنود يدي المقيدتين بزنجيل (سلسلة حديدية) معلق بالسقف وقاموا برفعي منها حتى صارت يداي إلى الأعلى لكن من الخلف، وأبقوا أطراف أصابع قدمي ملامستان للأرض. لقد كان الألم أشبه بنار مشتعلة في كتفيّ حيث أوشكا أن ينخلعا من مكانهما وسط صراخي الذي كان يتردد صداه وسط قاعات المقر. بقيتُ على هذا الحال لساعتين لكنهما كانتا بسنتين ولم أتّهم نفسي خلالهما بشيء والحمد لله، فأرجعوني إلى الزنزانة حيث شعرتُ بنشوة عجيبة أشبه بمنتصرٍ خرج من معركة، وتكرر المشهد بتفاصيله تقريبا لثلاثة أيام وأنا ثابت على أقوالي”.

المال مقابل إطلاق السراح

يسترسل (أبو عيسى) في كلامه “جاءني أحد الضباط في اليوم الرابع وقال لي: لن تخرج من هنا إلا بعد أن تدفع 30 ورقة (3000$)، فاتَّصِلْ على أهلك وقل لهم أن يجلبوا لنا المبلغ في مقرنا في حي عدن (هنا عرفتُ مكان احتجازي) كي نطلق سراحك! فقلت له: أنا فقير وأعيش بالأجر اليومي ولا أملك هكذا مبلغ، فقال (لعد خِيس هنا!) امكُث هنا طويلا، وبعد شد وجذب اتفقت معه على مبلغ (1500$) فاتصلت من هاتف الضابط على والدي وأخبرته بالأمر وشرحت له حالي وأني سأموت ها هنا إن لم تُوَفِّروا المبلغ، فقال لي والدي يومين وأُجَهِّز المبلغ، وفعلا بعد يومين أتى أهلي بالمبلغ إلى شخص اتفقوا معه على مكان محدد وقال لهم أثناء اللقاء أنه محامي، فخرجتُ في اليوم التالي”.

هذه القصة تعكس الواقع الأليم في السجون العراقية في موصل ما بعد التحرير الذي بات أسوأ مما كان عليه قبل العام 2014. حيث تحدثت عشرات التقارير من منظمات حقوق الإنسان الدولية ووسائل الإعلام عن تفشي التعذيب في السجون، والاعتقالات العشوائية، وظاهرة تشابه الأسماء، ومساومة عوائل المعتقلين على مبالغ مالية لقاء الإفراج عنهم، وتسجيل مواقف مزيفة عن اعتقال “إرهابيين” بعد كل حدث أمني يحصل في مركز مدينة الموصل أو في محيطها وغالبيتهم ليسوا سوى أُناس عاديين جلبهم حظهم العاثر ليكونوا قرابين يتقرب بهم ضباط التحقيق إلى مسؤوليهم.

“لدينا روايات خطيرة ومهولة من صنوف التعذيب الذي لاقوه على يد الجلادين”

وكانت وكالة “الأسوشيتدبرس” نقلت تقريرا مطولا عن التعذيب في السجون وجلسات المحاكمة القصيرة التي تنتهي في غالبها بالإعدام من أول جلسة استماع من دون وجود أي أدلة ثابتة، وكان التقرير تحت عنوان “مصيرُك الإعدام لو اتهمك أحد الجيران بأنك داعشي” ثم ساقت الوكالة شهادات لمعتقلين قيد المحاكمة أو تمت محاكمتهم يتحدثون عن ظروف اعتقالهم وسير محاكماتهم والأحكام المجحفة والصادمة بتهم سخيفة وأحيانا حتى مضحكة.

وقال بارق العزاوي، رئيس منظمة الفجر لحقوق الإنسان، وهي منظمة مجتمع مدني “إن المعتقلين ذاقوا الويل على يد الجلادين في السجون العراقية، ولدينا روايات خطيرة ومهولة من صنوف التعذيب الذي لاقوه على يد الجلادين” مبيناً أن “تلك الأجهزة منعتنا كمنظمات مدنية من متابعة هذه الملفات، ولم نستطع دخول أي سجن أو إجراء لقاء مع أي سجين خلال فترة اعتقاله”. وأكد أن “لجنة حقوق الإنسان البرلمانية، كانت وما زالت فاشلة بشكل كبير، فلم تستطع متابعة هذه الملفات، ولم تحقق شيئاً، لا في هذه الدورة البرلمانية ولا التي سبقتها” محمّلاً إياها مع الحكومة “مسؤولية ما لاقاه المعتقلون من صنوف التعذيب والإذلال والقهر”.

الإرغام على الاعتراف

“إنها دوافع ثأرية وانتقامية لن تُوَلِّد إلا مزيدا من العنف وتكرارا للسيناريو نفسه بأشكال مختلفة”

وفي السياق نفسه تحدث إلينا الشاب عبد القادر الحيالي، ليس عن ظروف احتجازه هذه المرة التي دامت ما يقارب الثلاثة أشهر، بل عن شهادات نقلها لنا عن بعض ممن التقى بهم من السجناء خلال فترة اعتقاله، يقول “التقيتُ بشاب (اسمه حاتم وعمره 19) عاما محكوم عليه بالسجن (15) عاما بتهمة الانتماء لتنظيم الدولة، فلما سألته عن حقيقة الأمر ومدى مصداقية انتمائه للتنظيم، فأقسم لي أنه لم ينتمِ لهم يوماً، لكنه أُجبِر على قول ذلك تحت التعذيب الذي تعرض له من قبل شخص من عشيرة أخرى يسكنون في القرية نفسها وبينهما عداء عشائري قديم ويعمل عنصراً في القوات الأمنية العراقية”. وينقل عبد القادر، قصة أخرى عن شخص آخر (ياسر 23 عاما) “اعترف على نفسه زوراً تحت التعذيب أمام ضباط التحقيق أنه عنصر في داعش وأنه شارك في غزوات مع التنظيم، فقال لي ياسر، أردتُ أن أُنكِر هذه الاعترافات أمام القاضي لأني سمعت أن القاضي يُلغي الاعترافات لو سمع من المتهم أنه اعترف على نفسه زورا تحت الإكراه، يقول ياسر، فلما دخلتُ على القاضي بكيتُ أمامه وقلت أني بريء وأن اعترافاتي أخذوها تحت التعذيب”. يقول ياسر، فقام القاضي من خلف مكتبه وبيده عصا متوجها نحوي وبدأ يضربني بشدة وهو يصرخ هل الاعترافات صحيحة؟ فقلت له نعم صحيحة، فرجع إلى مكتبه وسردتُ الاعترافات نفسها أمامه فأحالني إلى محكمة الجنايات حيث سيتم الحكم عليّ هناك وفق اعترافاتي التي صارت قطعية كونها مثبتة قضائياً”.

هذه بعض من الشهادات التي سمعناها من معتقلين خرجوا من السجون يتحدثون فيها عما تعرضوا له خلال فترة احتجازهم، أو يتحدثون عن شهادات من تركوهم خلفهم في السجون لينقلوا عنهم شهادات مروعة. ويقول مراقبون أن الوضع إذا ما استمر بهذه الطريقة داخل السجون العراقية فإنهم سيُعيدون إنتاج أشباه تنظيم “الدولة” من جديد، وأن العراق وفق هذه التصرفات التي تكون غالبا بدوافع انتقامية أو مالية لن تمنع العناصر المسلحة من العودة للعراق مجددا وبالأساليب نفسها أو أشد، بل ستزيد من أعداد الناقمين على الحكومة وبالتالي توفير البيئة الملائمة والحاضنة اللازمة لإعادة إنتاج تنظيمات أشد فتكاً وأكثر عنفاً.

دوافع ثأرية وانتقامية

“لا شك أنه يعني أن الأغلبية الساحقة أبرياء ولا ناقة لهم ولا جمل”

وفي جواب على سؤال وجهناه للناشط في مجال حقوق الإنسان محمود الدليمي، وهو أيضا صاحب تجربة اعتقال سابقة؛ حدثنا قائلا: “لم تكن فترة داعش أقسى من التي بعدها، فهما كالموت في حياة العراقيين؛ فالاعتقالات والتعذيب والابتزاز ومساومة المعتقل وأهله صارت حكايات مألوفة بين الناس، بل يجد فضلاً من يتصل به أحدهم ليطلب منه مبلغا ماليا لقاء الإفراج عن ابنه! ويشترك في هذه الجريمة عناصر الأمن والمحامون والمخبر السري وشهود الزور لتصبح الجريمة مكتملة الأركان ومشرعنة وفق القانون.

لقد وصل عدد المعتقلين في عموم المحافظات العراقية إلى أضعاف عدد “الدواعش” حسب أعلى التقديرات الإحصائية التي قدَّرت أعدادهم في أوج قوتهم. فماذا يعني هذا؟ لا شك أنه يعني أن الأغلبية الساحقة أبرياء ولا ناقة لهم ولا جمل. هذا على افتراض أنه تم إلقاء القبض على جميع “الدواعش” الذين قَدَّرَتهم تلك الإحصاءات من دون أن يهرب أو يُقتل منهم أحد! إنها تجارة على حساب الجياع والمعدومين. إنها دوافع ثأرية وانتقامية لن تُوَلِّد إلا مزيدا من العنف وتكرارا للسيناريو نفسه بأشكال مختلفة. لقد رفعنا عشرات التقارير إلى الجهات الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان المحلية لكن من دون أن نجد ولو بصيص أمل بتغيير الوضع الراهن وإيجاد حلول جذرية لهذا المشكل العويص. لقد طالبناهم بإيقاف التعذيب في السجون، والتعجيل بحسم قضايا الموقفين وإعادة النظر في الأحكام الصادرة التي صدر بعضها بالإعدام والمؤبّد في جلسة استماع واحدة ومن دون أي أدلة معتبرة، لكننا كمن يُوزِّع قطع أراضي في بحر على أمل أن يجف ماؤه”.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات