الأربعاء 19 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

الحكومة العراقية وأوهام الإصلاح

الحكومة العراقية وأوهام الإصلاح

يستطيع أي متابع بسيط للشأن العراقي الوقوف على حقيقة الحكومة الجديدة، وعلى الادعاءات الفارغة والأكاذيب المكررة، فهي فضحت نفسها بنفسها، خصوصا فيما يتعلق بالوعود والتعهدات التي قطعها رئيس الحكومة الجديدة عادل عبد المهدي على نفسه، بشأن تشكيل “حكومة مستقلة نزيهة بعيدة عن الطائفية وبعيدة عن الفاسدين“. ومعروفٌ ما حدث، حيث تراجع الرجل عن وعوده بقدرة المليشيات المسلحة، وفسح المجال واسعا أمام الكتل والأحزاب الطائفية، لتنال 11 وزيرا من المجموع الكلي (14 وزيرا)، واكتفى بمنصب عريف الحفل لجلسة البرلمان المخصصة لمنح الثقة للحكومة. أما الوزراء الثلاثة الذي رشحهم، فقد قدموا لقادة الطائفية شهادة حسن السيرة والسلوك، مشفوعةً بتعهد خطي بالولاء والطاعة. في حين وصف “نزاهة” الحكومة الجديدة، علي البيدري النائب في كتلة الإصلاح والإعمار، بتصريح قال فيه إن “أغلب الوزراء الذين نالوا الثقة مشكوك في نزاهتهم، ولديهم ملفات فساد لدى القضاء وهيئة النزاهة والمساءلة”.

“حين قرّرت أميركا احتلال العراق، لم تقتصر أهدافها، كما ادّعت، على التخلص من أسلحة الدمار الشامل”

ومع ذلك، لم تكتف هذه الأحزاب والمليشيات بما كسبت، فطالب قادتها بالوزارات الثماني التي لم يعلن عنها بعد، وحدّدوا الأسماء أيضا. فعلى سبيل المثال، هدّد النائب، وقائد مليشيا بدر، هادي العامري، بسحب الثقة من الحكومة، إذا لم يحصل فالح الفياض على وزارة الداخلية، وتعهد رئيس الحكومة الأسبق، إياد علاوي باللغة نفسها، إذا لم يحصل فيصل الجربا على وزارة الدفاع، في حين أصر أمين عام حركة عصائب الحق، قيس الخزعلي، على منح حسن كزار الربيعي وزارة الثقافة. ولم يتأخر زعيم تيار الحكمة، عن الركب، فطالب بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

ليس هناك ما يدعو إلى الاستغراب، إذ ليس في وسع عادل عبد المهدي، ولا غيره، التمرّد على نظام المحاصصة، أو التلاعب بالحصص، أو حتى تدوير الوزارات فيما بين الكتل والأحزاب الطائفية، بحيث أصبح منصب رئيس الجمهورية مسجلا باسم الكرد، ورئاسة مجلس النواب باسم السنة، ورئيس الحكومة باسم الشيعة، وحتى الوزارات صارت مشمولة أيضا بهذا النظام المقيت، فوزارة الدفاع للسنة والداخلية للشيعة والمالية للكرد. هذه المحاصصة التي ابتكرها الأميركان هي كلمة السر لتقسيم المجتمع العراقي تمهيدا لتقسيم البلاد وتدمير الدولة. وهي، في الوقت نفسه، الحصن المنيع لأدوات الاحتلال، من الأحزاب والكتل الطائفية والمليشيات المسلحة، بل شملت أيضا العصابات والمافيات التي انتشرت أخيرا بشكل واسع.

تمثل هذه الحكومات، وبهذه المواصفات السرطانية، بالنسبة للمحتل، آلية سياسية، لحكم البلاد بطريقةٍ غير مباشرة، بعد فشله في حكم البلاد عبر الحاكم العسكري، جي كارنر، والحاكم المدني، بول بريمر، جراء اندلاع المقاومة العراقية، وتكبيد قوات الاحتلال العسكرية خسائر جسيمة. وهذه تحكي قصة معروفة، فأمام عدم قدرة المحتل البريطاني للعراق عام 1917 على مواجهة رجال ثورة العشرين المجيدة، وما ترتب عليها من خسائر بشرية ومادية كبيره لقوات الاحتلال، استبدل البريطانيون الحكم المباشر، عبر الحاكم العسكري، برسي كوكس، والحاكم المدني، أرنولد ويلسون، بحكومة محلية برئاسة عبد الرحمن النقيب، لتقوم بمهمة تنفيذ مخطط الاحتلال نيابة عنه. فليس تجنيّا، والحالة هذه، وصف الحكومات العراقية المتعاقبة بأنها حكومات احتلال، تعمل لخدمة المحتل وتنفذ مخططاته الغادرة، ولا تعمل من أجل الشعب العراقي، وتحقيق طموحاته المشروعة. وبالتالي، تصبح حكومة عادل عبد المهدي، وفق هذا السياق، حكومة احتلال بامتياز.

لم ينتبه الذين يعتقدون بإمكانية قيام حكومة وطنية مستقلة بعيدة عن الطائفية والوجوه القديمة فعلا، بالقدر الكافي، إلى أن حكومة من هذا النوع لن تقبل بالاحتلال، مهما اتخذ من صيغ مراوغة، ومهما كانت الأسباب أو الادعاءات الكاذبة، وهذا يعني أن تأخذ أميركا عصاها وترحل، ويرحل معها كل الموجودين على أرض العراق محتلين، وخصوصا إيران. تُرى، هل ستقبل أميركا الرحيل بهذه الطريقة السلمية أو الناعمة؟ أم أن أميركا احتلت العراق لتبقى به عقودا طويلة، أو كما قال السناتور جون ماكين مائة عام؟

“قوى الاحتلال، ومهما بلغت من قوة، هي التي استسلمت أمام إرادة الشعوب المستعمرة”

حين قرّرت أميركا احتلال العراق، لم تقتصر أهدافها، كما ادّعت، على التخلص من أسلحة الدمار الشامل أو تخليص العراق من الدكتاتورية، وإقامة نظام ديمقراطي على أنقاضه، ولو كان الأمر كذلك لانتهت أسباب الاحتلال، وأخذ العراقيون مسؤولية إدارة بلدهم بعد سقوط النظام، وبعد التأكد من خلو العراق من أي أثر لمثل هذه الأسلحة المدمرة. وإذا كان الهدف، كما يقول المعنيون بالشؤون السياسية، تأمين نفط العراق وثرواته وحماية الكيان الصهيوني، لانتهت أسباب الاحتلال أيضا، فالحكومات التي نصبتها، وبالمواصفات المعلومة، والمعاهدات والاتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية التي عقدتها معها، وجعلت من العراق مستعمرة أميركية، كافية لإنهاء الاحتلال قطعا. ناهيك عن أن هذه الاتفاقيات تسمح بعودة القوات العسكرية الأميركية إلى العراق في أي وقت تشاء.

الهدف الأكبر، أو الأهم لاحتلال العراق، كما يقول المعنيون بالتحولات التاريخية الكبيرة، أن العراق يشكل بالنسبة لأميركا الحلقة المركزية في مخططها لبناء الأمبراطورية الكونية التي ينتهي التاريخ عند أبوابها، على حد تعبير المفكر الأميركي، فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ. أو بتعبير جورج بوش الأب الذي قال، بعد الانتصار الذي حققه على العراق في معركة الكويت سنة 1991، “يجب أن يكون القرن الواحد والعشرون أميركيا”.

نعم هناك ادّعاءات بشأن قدرة الحكومة الجديدة على معالجة آفات الفساد المالي والإداري، وإنهاء المحاصصة الطائفية، ونعم هناك وجود لمن يسوق لها ويروّج، ولديهم حضور في الشارع العراقي، مثل التيار الصدري والقوى والشخصيات التي انضوت تحت لوائه، ومن بينهم بقايا الحزب الشيوعي. لكننا نجزم أن هذه الادعاءات ليست سوى أوهام في أوهام. إذ كيف يمكن تنفيذ مشروع إصلاحي، في ظل عملية سياسية طائفية، وفي ظل أحزاب وكتل فاسدة حتى النخاع؟ ثم من قال لكم إن التيار الصدري والملتفين حوله يريدون القضاء على الطائفية؟ أليسوا هم من عاشوا في ظلها وتنعموا بخيراتها ونالوا الجاه والسلطة بفضلها؟ ثم أليسوا هم أنفسهم من اختار عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة، ونزّهوه من كل شائبة ووصفوه بأنه “الشخصية الوطنية المستقلة والمستقيلة من الفساد والفاسدين”؟ ألم يصبح الأمين العام للحزب الشيوعي، رائد فهمي، وعضو مكتبه السياسي، جمعة الحلفي، سمسارين لعبد المهدي، وترويج حكومته أنها “وطنية مستقلة”؟

“هل أصبحت هذه العملية السياسية قدرا مكتوبا على جبين العراقيين”

يُذكر ذلك كله، ويتم التشديد عليه هنا، لتأكيد حقيقة واحدة، مفادها بأن المحتل الأميركي وحلفاءه من دول الجوار، وفي المقدمة منهم إيران، سيتمسكون بهذه الحكومات، ولن يسمحوا بإجراء أي تعديل على الآلية التي تهتدي بها، ولا المساس بأيٍّ من الأركان التي تستند إليها، وخصوصا المحاصصة الطائفية والعرقية. وهذا ما يفسّر إصرار أميركا على أن تكون الراعي الرسمي للعملية السياسية التي شرعنتها بدستور ملغوم، وأسندتها بمؤسسات فاسدة، ودعمتها بقضاء مرتشٍ، ووضعت على رأسها قادة لا يتقنون غير سرقة المال العام وإشاعة الفساد، وفسحت المجال أمام المليشيات المسلحة لإسكات أي صوت يطالب بالإصلاح، من داخل العملية السياسية وخارجها.

إذا كان ذلك صحيحا، ترى هل أصبحت هذه العملية السياسية قدرا مكتوبا على جبين العراقيين إلى يوم يبعثون؟ أم هناك إمكانية لإسقاط هذه العملية على يد الشعب العراقي، وطرد المحتل وأعوانه، خصوصا ملالي طهران، سواء عن طريق الانتفاضات الشعبية السلمية، أو عن طريق الثورات المسلحة؟ في تاريخ الشعوب وتجاربها، لم يقدّم لنا التاريخ مثلا أن شعبا، مهما كان صغيرا، استسلم لمثل هذه الأقدار، بل على العكس، قوى الاحتلال، ومهما بلغت من قوة، هي التي استسلمت أمام إرادة الشعوب المستعمرة وإصرارها على تحرير نفسها. وقد أثبت شعب العراق هذه الحقيقة، فهو رفض الاستسلام للمحتل الأميركي العملاق، وشرع في مقاومته، منذ اليوم الأول لاحتلال بغداد، وألحق به هزائم نكراء أجبرته على سحب معظم قواته العسكرية من العراق، على الرغم من إمكانات الشعب العراقي المتواضعة، والأسلحة البسيطة التي قاتل بها. وإذا تراجعت المقاومة لأسباب لا مجال للحديث عنها، فإن الانتفاضات الشعبية التي وصلت إلى عقر دارهم في المنطقة الخضراء، وهروب سكنتها، كالجرذان المذعورة، كفيلة بإنجاز هذه المهمة الوطنية النبيلة.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات