الأربعاء 19 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

بارزاني على البساط الأحمر في بغداد

بارزاني على البساط الأحمر في بغداد

فرش البساط الأحمر في مطار بغداد الدولي استعدادا لاستقبال مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس إقليم كردستان السابق، واستقبله في المطار رئيس أعلى سلطة في الحكومة الاتحادية، محمد الحلبوسي رئيس البرلمان العراقي برفقه عدد من الساسة، أبرزهم هادي العامري رئيس كتلة الفتح النيابية، وفؤاد حسين وزير المالية، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. ومن المعلوم في العرف البروتوكولي أن فرش البساط الأحمر يوحي بأهمية الزائر القادم بعد جفوة امتدت لأكثر من عام.
الجفوة ابتدأت منذ أزمة الاستفتاء على انفصال كردستان العراق في سبتمبر/أيلول 2017، وما تبعها من تداعيات إعادة انتشار القوات المسلحة الاتحادية في المناطق التي كانت تعرف بـ«المناطق المتنازع عليها» قانونيا، والتي يصفها الكرد بالمناطق الكردستانية خارج الحدود الادارية للاقليم، وأهمها مدينة كركوك الغنية بالبترول. وصل حينها التوتر بين بغداد وأربيل إلى مديات غير مسبوقة، وساد تخوف من حدوث عمليات عسكرية قد تجر العراق إلى احتراب (كردي ـ عربي)، لكن الأزمة انتهت وتمت السيطرة عليها، مع سيادة شعور طاغ بالمرارة، عمت الشارع الكردي حتى سميت الأزمة بـ«نكسة كردستان».

“تبقى مسألة حصة الإقليم المعتمدة على حجم السكان في المحافظات الكردية الثلاث ملفا سجاليا قابلا للضغط “

رجل الشارع العراقي تعجب كثيرا من الابتسامات والأحضان واللقاءات الحميمة بين أعداء الأمس، الذين وزعوا الاتهامات والشتائم فيما بينهم قبل سنة، فقد اتهم العديد من سياسيي الشيعة بارزاني بالعمالة والاعتماد على الدعم الإسرائيلي لتمزيق وحدة العراق، عبر دعوته لانفصال كردستان العراق، وكل ذلك موثق في خطابات إعلامية علنية رسمية، بينما اتهم الكرد من جانبهم حكومة الشيعة وقيادات الحشد الشعبي تحديدا بالشوفينية، وارتكاب المجازر عندما اجتاحت مليشياتهم مدن كردستان العام الماضي، ووصل الحال بين الطرفين إلى تبادل التهديد الشخصي بين قادة فصائل شيعية وقيادات كردية، لكن يبدو أن فرقاء الأمس يرفعون شعارا آخر اليوم مفاده، فتح صفحة جديدة من التعاطي بين أربيل وبغداد.
الإشاعات انطلقت من كواليس السياسة العراقية في بغداد وأربيل، والكل يريد أن يعرف سبب الزيارة وأهمية توقيتها، ومدى تأثيرها على إكمال الكابينة الوزارية لعادل عبد المهدي، التي لم تكتمل بعد، وفي هذا السياق أشار البعض إلى أهمية ضم مرشح مسعود بارزاني لرئاسة الجمهورية السابق فؤاد حسين إلى حكومة عبد المهدي، إذ حصل على حقيبة وزارة المالية ونيابة رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، واعتبر مراقبون هذه الخطوة فاتحة تعاون بين بارزاني وعبد المهدي، ومن ثم اعتبرت سببا رئيسا لزيارة بارزاني إلى بغداد. كما أشارت التسريبات الصحافية الأولية إلى أن زيارة مسعود بارزاني جاءت لغاية حددت في مناقشة مطلبين هما: إعادة حصة الإقليم من الموازنة المالية ورفعها من 14٪ إلى 17٪ ، كما كانت في سنوات سابقة، والاتفاق على جدولة إعادة انتشار القوات المسلحة الاتحادية وقوات البيشمركة الكردية في المناطق المتنازع عليها، وبشكل خاص إعادة انتشار قوات البيشمركة في مدينة كركوك، بالإضافة إلى بعض المحاور الثانوية التي ســـتتم مناقشتها في الزيارة مثل، الاتفاق على حصة الكرد من الحقائب الوزارية في حكومة عبد المهدي.
التسريبات من المصادر الكردية المقربة من الحزب الديمقراطي الكردستاني وقياداته من العائلة البارزانية أشارت إلى، ان الزيارة تمثل خطوة مهمة جدا لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، وفق أسس تضمن الشراكة والتوازن والتوافق‎.‎ كما عدها ناشطون مقربون من مسعود بارزاني، زيارة تاريخية جاءت بدفع من الولايات المتحدة، وفي إطار إعادة ‏رسم العلاقات بين بغداد وأربيل، ومنح فرصة أخرى لتشكيل دولة اتحادية تضمن الشراكة والتوافق ‏وتحفظ حقوق الكرد، مع تشكيل حكومة لا تكون موالية لإيران‎.‎

“الإشاعات انطلقت من كواليس السياسة العراقية في بغداد وأربيل، والكل يريد أن يعرف سبب الزيارة وأهمية توقيتها”

البعض أشار إلى زوايا أخرى في المشهد، مثل محاولة مسعود بارزاني الحصول على نصيبه من العملية السياسية التي تجري في بغداد، بعد تشكيل حكومة عادل عبد المهدي، فقد مرت علاقة بارزاني ببغداد بتوتر جديد، دفع به إلى تهديد كل المشاركين في العملية السياسية عندما تم إفشال انتخاب مرشحه فؤاد حسين لرئاسة الجمهورية، واختيار مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني برهم صالح، الذي أضفى تغييرا وفاعلية على المنصب نتيجة نشاطه الذي ميزه عن سلفه فؤاد معصوم، الذي قضى مدة رئاسته منزويا في مكتبه. وإذا أردنا أن نفصل الملفات الشائكة التي من المتوقع أن تتم مناقشتها بين بارزاني وقيادات الكتل السياسية ورئيسي الحكومة والبرلمان، سنجد أن الملف الأول هو الاستحقاقات المالية للإقليم في الموازنة الاتحادية، فمن المعلوم أن التوتر الذي حصل بين بغداد وأربيل كان قد دفع حكومة العبادي إلى تخفيض حصة الإقليم من الموازنة ، إذ اعتمدت بغداد في تقدير سكان الإقليم حينها على معلومات وزارة التجارة، وتحديدا بطاقة الحصة التموينية التي تعتبر مقبولة إلى حد كبير، خصوصا أنها كانت المعيار الذي اعتمدته الأمم المتحدة في تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء طوال حقبة الحصار. وبما أن العراق وبضمنه الإقليم لم يجر إحصاء عاما للسكان حتى الان، لذا تبقى مسألة حصة الإقليم المعتمدة على حجم السكان في المحافظات الكردية الثلاث ملفا سجاليا قابلا للضغط من جهة والمراوغة من الجهة الأخرى.

“كيف تمت الاتفاقات بين الفرقاء السياسيين خلال الزيارة في بغــداد والنجف؟ هذا ما لم تكشف عنه المصادر الرسمية حتى الان”

يلحق بالملف السابق، ملف شائك آخر هو ملف النفط والغاز، ومدى صلاحيات حكومة الإقليم في هذا الملف، ومدى سيطرة الحكومة الاتحادية على الثروات القومية للبلد كما حددها الدستور، إذ أن حكومة الإقليم رفضت وعلى مدى سنوات تسليم عائدات النفط الذي تصدره من حقول كركوك، وفي الوقت نفسه كانت تطالب بحصتها من الموازنة الاتحادية. وعندما طالبت حكومة العبادي حكومة نيجرفان بارزاني بتسديد ما بذمتها من أموال للخزينة المركزية من عائدات النفط ومدخولات الجباية والرسوم الكمركية، وحينئذ سيتوجب على بغداد تسليم حكومة اربيل حصة الاقليم من الموازنة. رفضت حكومة أربيل ذلك، وبقي المواطن الكردي يعاني الأمرين نتيجة التوتر والدوران في دوائر مفرغة بين حكومتي المركز والإقليم. أما الملف الاخر فهو الاتفاق الواضح على الصلاحيات الامنية والعسكرية والقضائية للإقليم والمركز، فقد وصلت الحالة في السنوات السابقة فيما يخص العلاقة بين أربيل وبغداد في هذا الشأن إلى مديات مضحكة مبكية، إذ يمكن وصف العلاقة وكأنها علاقة بين دولتين مستقلتين، وليست علاقة إقليم بادارة مركزية، حتى أن المنافذ الكمركية في مناطق الإقليم، التي من المفروض وحسب الدستور، أنها تابعة للحكومة المركزية لم تكن لحكومة بغداد أي سيطرة ولا حتى إشراف عليها، بل المخزي في الأمر أن حكومة بغداد استعاضت عن ذلك بمراكز كمركية على الحدود بين الاقليم والحدود الاتحادية مثل منفذ الصفرة شمال ديالى. من جانب آخر الكل يعلم أن أحكام القضاء العراقي لم تكن سارية المفعول في كردستان، بدليل تواجد الكثيرين من المطلوبين قضائيا ممن أصدرت الحكومة المركزية بحقهم أوامر قبض، نجدهم يتحركون بكل حرية في مدن الإقليم. كما لا يخفى على أحد أن وزارة الدفاع العراقية لا تمتلك اي سلطة أو نفوذ على قوات البيشمركة الكردية، بل حتى القوات الكردية المتواجدة في العاصمة بغداد لحماية البرلمان الاتحادي والمنطقة الخضراء نجدها تأتمر بأوامر قادتها الكرد فقط. ومع كل هذه الملفات الشائكة، الا أن اللافت في امر هذه الزيارة، كما أشار الصحافي الكردي سامان نوح في متابعته الصحافية، انها‎ لم تسبق بتحضيرات، ولا خطط أو حتى رؤى محددة، ولا خريطة طريق لبحث التوصل إلى ‏‏»عقد شراكة جديد» داخل العراق، كما أشارت بعض التعليقات الصحافية، أو حتى لم يتم الاتفاق على صيغة لمعالجة الملفات الخلافية الأساسية (مستحقات الإقليم المالية، ‏ملف النفط، ملف المناطق المتنازع عليها، وصلاحيات الحكومة الاتحادية في الاقاليم). وبالتأكيد لم يتم إجراء طاولة ‏مستديرة للاتفاق على فتح تـــلك الملفات الشائكة، وتقديم مقترحات حلول متوازنة بشأنها، اذا كيف تمت الاتفاقات بين الفرقاء السياسيين خلال الزيارة في بغــداد والنجف؟ هذا ما لم تكشف عنه المصادر الرسمية حتى الان، ولم يظهر في المؤتمرات الصحافية التي أجـريت بعد كــل لقاء إلا إطلاق تصريحات مطمئنة قائمة على حزمة من المجاملات الفارغة.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات