الجمعة 23 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

مقارنات بين عهدين

مقارنات بين عهدين

كل ما أريد فعله أن أضع عن كاهلي همَّا ثقيلًا، أتعبني وأنا أقارن بين مشهدين، وأرقب حالين، وأتفحص موقفين، بين عهد مضى وآخر نعيشه لأشخاص نراهم على مسرح الأحداث، غيَّروا وبدَّلوا. قد يظن ظانٌ أني أتحدث عن دولة، أو حكومة، أو نظام، وأنا أقول لا ولعل من المناسب أن أؤكد هنا أني أتحدث عن قياسات وأنماط كانت في عصرٍ مضى تبدو على غير ما هي عليه اليوم، بعضها تنتمي لعقود ماضية كانت في توجه معروف ولكنها اليوم تعيش بأسلوب مختلف عما كانت تؤمن به، وبعضها لم يتجاوز الفرقُ بين الموقفين العقد من الزمان وربما ترد في المقال مقارنات لم يمض على تغير الموقف فيها سوى عام أو عامين، هذا فيما يخص السقف الزمني للمقال، أما سقف المواقف المقصودة بهذا العرض فأردتها مجردة من التسميات فهي ليست مهمة بقدر التفكر والتفكير في حال من تحوّل من علوٍ إلى الحضيض ويحسب أنه يحسن صنعا، فالمقارنة هنا ليست معنية بتقصد أحد من الآحاد، بل هي مواقف يشترك فيها جمع بعضه ثبت على رؤيته الأولى وآخر اشتبه بداءة لضعف اعتراه أو خور أصابه، أو أن وقوده لا يساعده على المضي في طريقه الأول فاختار طريقًا فرعيًا يُدرك جيدًا أنه غير موصل لما كان ينادي به، وليس سرّا أن يتغلف تبديل المواقف بالتبريرات ولكن من المؤكد أن تلك التبريرات مهما اعتُني بالتواءاتها تبقى جوفاء غير مقنعة إلا لأصحابها.

“ليس سرّا أن يتغلف تبديل المواقف بالتبريرات ولكن من المؤكد أن تلك التبريرات مهما اعتُني بالتواءاتها تبقى جوفاء غير مقنعة”

دعونا نغادر هذه الدفاعات التي لا تقوى على إقناع من يرى نفسه مستهدفا بما يطرحه المقال، ولربما تمر الغمامة هادئة سريعة غير ممطرة برأي على رؤوس المستهدفين بها، تماما مثلما تمر الريح في مساحات الشباك.

حدثني من أثق بنقله، فلم أجرب عليه كذبًا وادعاءً ولم أشهد عليه تبدلًا في الموقف نسأل الله له الثبات، أن شخصًا ما، كان يمثل جناح الصقور ويستهزئ بطروحات جناح الحمائم مع أن بديهيات السياسة تقول: إن كلا الجناحين ضروري للسير في المعتركات السياسية، ولكنه اليوم تنازل عن موقفه الأول وتراجع القهقرى بمسافات عما كان يطرحه جناح الحمائم، فغادر الموقف الأول بشقيه (الصقوري والحمائمي) بانشقاق لا لبس فيه، ليصل إلى مساحة صار فيها مناديًا لمن كان يناهضه ويمانعه ويناقضه، بل راح يتهم الاخرين بما كان يتبناه .. فيا للعجب!
ودّعت محدثي الأول وفي الصدر غصة مما أورده، واتجهت نحو صديق لي طرحت عليه الفكرة وشرحت له نَصَّ ما قيل لي، فنظر إلي متعجلًا بلومي قائلا أربع على نفسك، فقد شاهدت وعاصرت وتماشيت مع من كان يمكن أن نطلق عليه حمامة الإيمان وصاحب القضية، قياًسا على حمامة المسجد وقصته المشهورة، فارتكس إلى الحضيض وصار مبرِرًا لكل جرم ومؤيدًا لكل انفلات ومغادِرًا لكل منصة حق، وبوقًا ممجوجا في الدعاية للباطل، فازداد عجبي وانكفأت أستذكر الشخصيات التي مرت في حياتي واستعرضها بمواقفها وأقيس المواقف بين عهدين عهدٍ مضى وآخر حاضر نشاهده رأي العين، فتذكرت صديقًا كنت أنا وهو نسير في شارع الرشيد متجهَينِ إلى شارع المتنبي لاقتناء كتاب قِيل لنا وقتها، إن مكتبة القدس توزعه للمعارف ولا تعرضه على الرفوف فهمس في أذني قائلا من العبث أن نركن إلى الدنيا وأن نستكين لظالم ونحن نملك في قلبنا هذا الايمان، عليك أن تعد العدة لمواجهة الظلم، وأن لا تستكين لظالم حتى لو كان أقرب الناس إليك، ولم يمض من عدِّ السنين على هذا التصريح الثوري ما يتجاوز عدد أصابع الكفين حتى انغمس هذا المواجه المفترض في لهو الدنيا وزينتها حتى شحمة أذنيه، وصار لا يأبه لا لما آمن به ولا لصاحبه إن حضر أو غاب، فقد تغير نمط أصحابه والأدهى من ذلك حين واجهني بحقيقة رأيه في بداية الاحتلال مبررا الانخراط بمشروعه على أنه سياسة واجب اتباعها وأنه يحمل فكرة لا تتأتى لكل أحد وعلى الآخرين اللحاق به ولكن إلى أين؟ إلى الهاوية.

“كيف تكون بعض الأحكام حرامًا وكان الالتزام بها مقياسا للتمسك بالمنهج الحق”

قفزت إلى شريط الأحداث المستعرضة على ذاكرتي المثقلة، مواقف أخرى منها أن كثيرا من المدعين في سنوات مضت كانوا أصواتا عالية تعبر عن فكرة متبناة من الجميع وكانوا يدفعون عنها دفاعا تستصغر ما تقدمه قياسا لما يقولونه ويتبنونه، ثم ما لبثوا أن غادروها وصاروا لمن عاداهم مبادرين وطامعين برضاهم، تذكرت ملخصًا لأحد الناصحين سرد علينا قصصا مماثلة تقارن بين موقفين يجمعها شعار (اتركني أمارس حياتي بامتهان فلست معنيًا بما يكون أو قد كان).

وجال في خاطري أخيرًا استعراض من نوع آخر متعلق بما سبق، كيف تكون بعض الأحكام حرامًا وكان الالتزام بها مقياسا للتمسك بالمنهج الحق، ثم تغيرت إلى المباح بل ربما المستحب وقد تصعد في بعض أحوالها إلى مرتبة الواجب، فهل تتغير الأحكام تبعًا للهوى الشخصي وتبدُّل المواقف، وتنتقل بين مراتب الأحكام كما يشتهي الإنسان أم أنها منضبطة بالدليل والنص ومحكومة بآلة الاجتهاد. ختاما سمعت صوتًا هاتفًا من مقروءاتي الجميلة يتردد صداه في أذني (ما أكثر الذين يبدؤون الطريق، وما أقل الذين ينهونه) اللهم ثبتنا على الحق.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات