الأربعاء 23 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

المسالك الأمريكية المفتوحة والأكثر احتمالًا للمواجهة المقبلة

المسالك الأمريكية المفتوحة والأكثر احتمالًا للمواجهة المقبلة

لا شك أن الخيارات المطروحة من قبل الإدارة الأمريكية للتعامل مع الملف الإيراني تعتمد على تغيير سلوك النظام أو مواجهة التغيير من الداخل وهذا هو الذي سيدفع النظام الحاكم في طهران إما إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات والموافقة على تغيير سلوكه بالمنطقة أو مواجهة تغيير الحكم مع ضغوطات خارجية، ولكن هذا لا يعني غياب الخيار العسكري الذي لم تصرح به الولايات المتحدة لحد كتابة هذه السطور، ولكني أعتقد أنه غير مستبعد عن الأجندة الأمريكية إذا ما فرضت عليها المواجهة العسكرية المباشرة،

“الخيارات المطروحة من قبل الإدارة الأمريكية للتعامل مع الملف الإيراني تعتمد على تغيير سلوك النظام”

وكان هناك تصعيد من قبل الطرف الآخر إضافة إلى كثرة المتغيرات في الساحة الإقليمية والدولية علماً بأن سيناريو توجيه ضربات جوية محدودة مطروح من قبل حليفتها إسرائيل وتدعو إلى القيام بضربات جوية محددة للبرنامج النووي الإيراني، وقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في لجمه طوال الفترة الماضية عدا بعض الضربات الجوية للتواجد الإيراني في سوريا بسبب تخطيها للخطوط الحمراء التي سمحت بها إسرائيل لتدخلها في سوريا، لذا فجميع الخيارات مطروحة ومتغيرة بشكل كبير تبعاً لمصالح الطرفين والمتغيرات الدولية علماً بأن المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران أخذت حتى هذه اللحظة مسارات متعددة منها سياسية واقتصادية واجتماعية، والتي قد تتطور مستقبلاً لتكون مواجهة عسكرية بالوكالة، وقد تنتقل لتكون مواجهات محدودة أو مواجهة مباشرة وشاملة .

المسلك الأول سيناريو الفوضى:

وهو المسلك الأخطر في المواجهة المحتملة والذي تراهن عليه الإدارة الأمريكية بإحداث التغيير المنشود في السياسية الخارجية الإيرانية والذي يتطابق مع الرؤيا الأمريكية للحل مع إيران، ولكنه يعتمد على عامل الوقت في التأثير على الداخل الإيراني وخاصة مع الحزمة الثانية من العقوبات، والتي دخلت حيز التنفيذ في 5 نوفمبر تشرين الثاني عام 2018م، والتي تدفع باتجاه مزيد من الاستياء الداخلي لدى الشعب الإيراني تجاه حكومته مما قد يدفعهم إلى الخروج باحتجاجات ومظاهرات عارمة قد تؤدي إلى اضطرابات وفوضى غير مسبوقة في الداخل الإيراني والتي ستضعف وتزعزع استقرار النظام بشكل كبير جدًا ما يؤدي إلى مزيد من الضغط على القيادة الإيرانية وإرغامها على تحويل موارد إضافية للأمن الداخلي خصوصاً مع وجود أقليات ناقمة على النظام بشكل كبير جداً، وهنا يتبين خطورة الملف الاثني في إيران والذي يتمثل في الأكراد والاذريين والعرب الأحوازيين والبلوش الذين يعانون من التميز الاثني والعرقي والطائفي يضاف إلى ذلك وطأة القيود المفروضة عليهم والتي تعوقهم عن ممارسة حقوقهم إضافة إلى الظرف الاقتصادي المرير الذي تمر به البلاد، والذي قد يدفعهم إلى الخروج على النظام للمطالبة بحقوقهم المسلوبة، والتي قد تكون مصحوبة بموجة عنف شديدة قد تمهد لحرب داخلية ومواجهة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية التي تعتبرهم في كل مرة أنهم ينفذون مخططات ومؤامرات خارجية تستهدف النيل من أمن البلاد واستقرارها .

“الخيارات الأمريكية ليست كثيرة، فإما التغيير أو استخدام القوة العسكرية المحدودة”

المسلك الثاني: الثورة الناعمة لدفع النظام للمفاوضات:

ربما تؤدي العقوبات الاقتصادية إلى إجبار إيران على الجلوس لطاولة مفاوضات، والتي ستكون قاسية جداً خصوصاً وأن السيناريو الأول من الفوضى العارمة يكون قد بدأ يجتاح البلاد وسبب كثيرًا من الخسائر المادية؛ لأن غياب الخطط التكتيكية المحكمة لمواجهة تطورات الأحداث قد يعود بخسائر كثيرة وكبيرة في مختلف المجالات، وهذا الخيار قد يتم بعد فترة من الزمن بحيث تأخذ العقوبات مأخذها في التأثير السلبي المباشر على حياة المواطنين، وهنا ربما تنزلق البلاد إلى حرب داخلية تقوض الدولة وتؤدي إلى انهيار النظام، لذا يجب استغلال الفرصة للمحافظة على كيان الدولة وعدم انزلاقها إلى سيناريو الحرب الداخلية أو تغير النظام لأن جمود القادة مع وجود متغيرات دولية وإقليمية ومحلية دون تقدم أو تطور قد يفقد الشعب الثقة بقادتهم لذلك قد تقدم إيران مرغمة للجلوس إلى طاولة مفاوضات لكتابة اتفاق نووي جديد ومناقشة برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإيراني بما فيه من الدعم المادي واللوجيستي للمنظمات الإرهابية كحزب الله اللبناني وحزب الله الكويتي وحزب الله البحريني والميليشيات العراقية وأنصار الله في اليمن إضافة إلى حرية الملاحة الدولية بما يتلاءم مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة وهذا السيناريو قد يكون الخيار الأخير قبل الانتقال إلى المواجهة العسكرية أو انهيار الدولة، وهنا لا بد أن نذكر بالتخادم الإيراني الأمريكي في المنطقة وخاصة احتلال أفغانستان والعراق والسماح لإيران بالتمدد في العراق وسوريا واليمن والسماح لها بدعم جميع المنظمات الإرهابية في المنطقة دون أن تكون لها تبعات وعقوبات على ذلك بالإضافة إلى توقيع اتفاق 5+1 وهذا السيناريو ينطبق مع الرؤيا الأمريكية للحل مع ايران، وقد أعلنت ذلك في أكثر من مناسبة أننا لا نريد تغيير النظام ولكن نريد تغيير سلوك النظام.

“استخدام سياسة الصدمة والترويع ستسهل علمية اختراق التحصينات والتي بدورها تعطي طابعًا بانهيار المدافع”

المسلك الثالث مشروع احتواء ايران:

إذا نجحت الحكومة الإيرانية في تجاوز عقبة العقوبات الأمريكية من خلال الالتفاف عليها أو من خلال كبح جماح الاضطرابات والمظاهرات الداخلية بالسيطرة عليها، والتي سبق أن كبحت جماحها في الفترة الماضية رغم انتشارها الواسع في كثير من المدن الإيرانية المهمة من خلال:

أولًا: استخدام القوة المميتة بنطاق واسع ومجابهة العنف بالعنف.

ثانيًا: الاشتباك العنيف المباشر لتخويف المعارضين وإجبارهم على الانسحاب من ميدان التظاهر.

ثالثًا: اعتقال أو اغتيال أو إجبار القيادات المعارضة على الإقامة الجبرية أو إجبارهم على الإدلاء بتصريحات لا تصب في مصلحة المتظاهرين.

رابعًا: استخدام التعذيب والإهانات وإجبار المتظاهرين على تقديم اعترافات متلفزة لكسر الروح المعنوية وتخويف وترويع الناس ودفعهم إلى الانسحاب.

لذا ما أرجحه أن الخيارات الأمريكية ليست كثيرة، فإما التغيير أو استخدام القوة العسكرية المحدودة، وهذا قد يعني الذهاب إلى المواجهة الشاملة والتي لم تطرح ضمن الخيارات الأمريكية لحد هذه اللحظة لأنها تتخوف من التداعيات والعواقب الوخيمة خصوصاً بعد تجربة مرة خاضتها القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان أو قد يكون الخيار الآخر وهو احتواء إيران وبرنامجها النووي من جديد بتوقيع اتفاق إضافي، كما تريد طهران وهذا المسلك لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية ولا إسرائيل ولا المنطقة وكما يقال بالمثل العراقي(كنك يا بو زيد ما غزيت).

“الأهداف الحيوية الإيرانية التي استهدفتها الطائرات الإسرائيلية بسوريا شملت 14 قاعدة عسكرية تضم قوات النخبة من الحرس الثوري”

المسلك الرابع: احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة وغير المباشرة:

وهنا سنناقش الخيارات بشقيها المباشرة وغير المباشرة ونأخذ الاحتمالات التي قد يلجأ إليها الطرفان وكما يلي:

أولًا: المواجهة العسكرية غير المباشرة: يمكن أن نبينها كما يلي:

  • الجانب سياسي: لقد صرحت الحكومة الإيرانية على لسان وزير خارجيتها بأنها ستنسحب من الاتفاق النووي في حال تم انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منه ولكنها لم تفعل! بل صرح وزير الخارجية الإيراني بقوله: إن بلاده ستلتزم بالاتفاق النووي طالما أن بقاءها يحفظ لها حقوقها، وكانت له جولات مكوكية بالدول الأوربية التي ما زالت تنادي بالالتزام بالاتفاق المبرم، وتطالب بتعديلات على الاتفاق الذي أبرم معها بالإضافة إلى الصين وروسيا وهذا يعطي دلالات واضحة على أن إيران لا تريد المواجهة المباشرة ومتمسكة بالاتفاق 5+1 وخاصة بعد الاضطرابات التي ضربت البلاد في الفترة السابقة.
  • الجانب العسكري: ويمكن مناقشته من خلال ما يلي:
  • بالعلم العسكري أي جيش يستخدم سياسة الدفاع بمعاركه فحتمًا سيكون خاسرًا، نظرا لعدم مقدرته على المبادأة وهذا سيخلق فرصًا جديدة للطرف الآخر بما فيها إعادة تموضعه ورصد جميع تحركاته استخباراتيًا إضافةً إلى رصد الخواصر الرخوة التي من الممكن أن تبدأ عملياته العسكرية البرية من خلالها، كما أن استخدام سياسة الصدمة والترويع ستسهل علمية اختراق التحصينات والتي بدورها تعطي طابعًا بانهيار المدافع، ولذلك تتساقط الخطوط الدفاعية تباعاً وهنا إيران هي بموضع الدفاع في المنطقة عن نفوذها ودورها الإقليمي، لذلك هي ستكون تحت سياسة رد الفعل لأنها فاقدة لصناعة القرار وهذا ما يجعلها أسيرة لرغبات وقرارات المهاجم العسكري أو صناع القرار السياسي.
  • صرح القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفري: إن جبهة حلب السورية تعد خط الدفاع الأول عن الثورة الإسلامية الإيرانية، كما صرح العميد حسين سلامي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني :أن المؤسسة العسكرية العراقية خاضعة له بوصفه حليفًا محسومًا أمره في حال اندلعت مواجهة مسلحة بين واشنطن وطهران، وأكدت طهران على أنها تخطط لاستخدام الجيش العراقي في الدفاع عن أراضيها بصد أي هجوم أميركي وشيك عليها، وأضاف “نحن نعتبر الجيش السّوري والعراقي العمق الإستراتيجي لنا”، مؤكدًا على أن “أفضل إستراتيجية للاشتباك مع العدو تكون عن بُعد”، في إشارة واضحة إلى أن إيران تنوي نقل أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة إلى أراضي العراق وسوريا واستخدام جيشي البلدين كخط دفاع أول عن أمن إيران، وهذا يعني أن المواجهة غير المباشرة هي الخيار الافضل لإيران، والتي تريد خوضها على أراضي دول أخرى كالعراق وسوريا ولبنان واليمن والصومال.
  • هجمات لجس النبض: إن الأهداف الحيوية الإيرانية التي استهدفتها الطائرات الإسرائيلية بسوريا شملت 14 قاعدة عسكرية تضم قوات النخبة من الحرس الثوري، وهي رسالة واضحة لإيران بأن الأدوات الإيرانية في المنطقة قد تتعرض لنفس الضربات في حال استهدفت أيًا من المصالح الأمريكية في المنطقة، وهذا يعني أنها يمكن أن تخوض حرباً بالوكالة إذا ما طلب منها ذلك، لذا قد تستخدم لمهاجمة قواعد عسكرية أو حاملة طائرات أو غيرها.

“سيبقى خيار المواجهة العسكرية المباشرة مطروح وبقوة علماً بأن إسرائيل تدفع باتجاه الضربة العسكرية القاصمة لإيران بمواجهة مباشرة”

  • جبهات متعددة ومسارح عمليات فاعلة: لقد تمكنت إيران من بناء بنية تحتية عسكرية متعددة في بلدان مختلفة من المنطقة، والتي يمكن لها أن تستخدمها في المواجهة المقبلة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في جبهات متعددة ومعارك قد تكون نوعية وعلى مختلف جبهات المواجهة الجوية والبحرية والبرية والإلكترونية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وأفغانستان واليمن والبحرين والصومال وهذا ما صرّح به قائد الحرس الثوري الإسلامي الإيراني محمد علي جعفري في تشرين الثاني نوفمبر عام 2017م :أن مصير جبهة المقاومة مترابط والجميع يقفون متحدين وإذا هاجمت إسرائيل أي طرف منها، سيهبّ الطرف الآخر من الجبهة لمساعدته، ولكنه عملياً لم يستطيع الدفاع عن قواته في سوريا عندما قصفتها إسرائيل طوال الفترة الماضية كما يقول الجنرال محمد علي فلكي:” لقد تمكنت الإرادة الإيرانية من تشكيل قوات التدخل السريع الشيعية لتكون بمثابة قوات تدخل سريع شيعية من جنسيات متعددة تخدم الأمن القومي الإيراني ومصلحة دولة الولي الفقيه فليس من الحكمة أن نذهب إلى المعركة كقوة مقاتلة لذا زودت إيران أدواتها كالحوثيين بطائرات بدون طيار وبصواريخ متوسطة المدى استُخدمت لضرب المدن السعودية وكذلك تزويد حزب الله اللبناني ببنى تحتية لإنشاء معامل صواريخ ذكية وطائرات بدون طيار بالإضافة إلى الميليشيات في العراق وسوريا والبحرين والكويت، وهذه الأدوات تدين بالولاء للولي الفقيه في إيران وستكون جزءًا من الصراع القادم بالمنطقة.

ثانيًا: سيناريو المواجهة المباشرة بين الطرفين:

سيبقى خيار المواجهة العسكرية المباشرة مطروح وبقوة علماً بأن إسرائيل تدفع باتجاه الضربة العسكرية القاصمة لإيران بمواجهة مباشرة، ولكن الولايات المتحدة ما تزال تراهن على الثورة الناعمة للتغيير، ولكنها تسعى بنفس الوقت إلى تعزيز التعاون العسكري بين إسرائيل من جهة والدول العربية في الخليج العربي ومصر من جهة أخرى لمواجهة الإرهاب أو أي عملية عسكرية محتملة، وهذا قد يعقد الحرب بالنسبة لإيران ووكلائها في المنطقة بشكل كبير ويجعل المخطط الإيراني يعيد حساباته في حالة وقوع هذه الحرب التي ستدخل فيها أطراف متعددة منها التحالف الذي يسمى ميسا تحالف الشرق أوسط الإستراتيجي، وستكون تداعياتها ليس على إيران وأدواتها فحسب، وإنما على المنطقة وهذا يتطلب أن تكون هناك تفاهمات مختلفة منها روسية أمريكية مسبقة ومنها أمريكية – إسرائيلية – عربية ويمكن مناقشة هذا الاحتمال من خلال ما يلي:

“ستبقى جميع الخيارات مفتوحة في المواجهة المقبلة مع إيران وخاصة السياسية منها”

  • من خلال المتابعة لسياسة الطرفين الأمريكي والإيراني يتبين لنا أنهم لا يريدون المواجهة العسكرية التقليدية المباشرة؛ لأنها قد تتسبب في خسائر كبيرة جداً للطرفين خاصة بعد أن خاضت الولايات المتحدة الأمريكية حربين بتدخل مباشر في أفغانستان والعراق، وكانت تداعيات هذا التدخل كبيرة جداً على المستوى السياسي والعسكري، لذا فهي لا تريد أن تتدخل بشكل مباشر في أي دولة ونرى كيف تدخلت بشكل حذر جداً في سوريا من خلال دعم أدوات محلية موثوقة لديهم مثل قوات سوريا الديمقراطية خاصة بعد أن فشلت في تشكيل الجيش السوري الحر على القياس الأمريكي ثم إنها تدخلت بتنفيذ ضربات جوية في كل من ليبيا واليمن والعراق لإخراج تنظيم الدولة من المدن التي سيطر عليها التنظيم، لذا فهي تستخدم المواجهة غير المباشرة أو حرب الوكالة لمعالجة الملفات في المنطقة، كما أن تدخلها بشكل مباشر في ظل التنافس التجاري والتمدد الروسي والصيني في المنطقة؛ مما قد يدفعها إلى التراجع عن ملفات كثيرة ومهمة تؤثر على مكانتها في الشرق الأوسط.
  • إن المصالح الأميركية في المنطقة كثيفة ومتشابكة ومعقدة، وقدرة إيران على التأثير عليها كبير جداً، وهي لا تريد أن تنغمس في مستنقع جديد في المنطقة خصوصاً أنها قد سحبت بطاريات وكتائب صواريخ الباتريوت من المنطقة، وهذه دلالة واضحة ومؤشر كبير على عدم وجود مواجهة مباشرة في الحسابات الأمريكية على الأقل في المدى القريب علماً أن سحبها كان لابتزاز دول الخليج العربي، وهي تعول على دفع النظام الإيراني إلى طاولة المفاوضات لحل الإشكالات العالقة ولكن إذا فرضت عليها المواجهة العسكرية، فستدخلها وبقوة غير مسبوقة وحتى النهاية وهذا ما تعرفه إيران بدقة متناهية .
  • إيران أيضًا لا تريد المواجهة العسكرية المباشرة لأنها تعرف أن هناك اختلالًا كبيرًا في موازين القوى، وهي في غير صالحها وخاصة السيادة الجوية التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة، والتي يمكن لها أن تحتوي ردة الفعل الإيرانية في بداية المواجهة، ولكن ما هي ردة الفعل الأمريكية على ذلك؟ وخصوصًا في حالة وجود خسائر كبيرة نتيجة الضربات الإيرانية على المصالح الأمريكية المنتشرة بالمنطقة؟ علماً بأن هناك تصعيدًا إيرانيًا كبيرًا ضد المصالح الأمريكية حيث صرح قائد قوات الجو فضائية الإيراني يقول فيه: إن القواعد الأمريكية في مرمى صواريخنا كقاعدة عديد في قطر، والتي لا تبعد سوى(300) كم أو في قاعدة قندهار في أفغانستان والتي لا تبعد سوى(400) كم ولدينا صواريخ تصل إلى(700) كم بحيث تصل إلى خليج عمان، وهنا نقول هل ستنتقل المواجهة إلى أهداف أخرى غير التي كان يعلنها الجانب الأمريكي، ومنها تغيير النظام؟ وهذا سيتزامن مع ضربات عسكرية ودعم للداخل الإيراني للتعجيل في انهيار النظام؟

“حصول متغيرات دولية وإقليمية متسارعة في المنطقة قد تؤدي إلى تغيير موازين القوى بحيث تستطيع إيران أن تحافظ على ما حققته في الفترة الماضية”

  • هناك كثير من الأسئلة التي ينبغي الإجابة عليها قبل المواجهة العسكرية المباشرة منها: ما هو بنك الأهداف الإستراتيجية التي ستوجه إليها الضربات الجوية والصاروخية؟ وهل ستشمل المنشآت النووية الايرانية فقط؟ أم القدرات العسكرية أيضًا؟ أم ستكون موجهة لزعزعة استقرار الجبهة الداخلية وتأليب الداخل الإيراني للتمرد على الحكومة؟ وهل ستشمل الضربات الأدوات الإيرانيـــة في المنطقــة؟ أم ستشمل البنى التحتيــة والأهــداف الاقتصادية وأهدافًا مدنية سيتم دمجها لتفادي الضربات الجوية ؟وهل ستتسبب هذه الضربات بصراعات داخلية؟ أم حرب إقليمية مدمرة ؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة نقول إن لهذه الحرب غايات وأهدافًا ووسائل وتكتيكات وأساليب وأشكالًا مختلفة منها:
  • ضربات أمريكية أو إسرائيلية محدودة: وهنا يمكن أن تدفع الولايات المتحــدة إسرائيل على توجيه ضربــات جويــة وصاروخية محدودة ضد البرنامج النووي الإيراني لزيادة الضغوطات الداخلية على النظام الحاكم ودفعه إلى القبول بطاولة المفاوضات مع التحذير باستهداف وكلاء طهران في المنطقة إذا تم استهداف إسرائيل أو المصالح الأمريكية في المنطقة، وقد تشعل ردة الفعل الإيرانية على هذا الفعل مواجهة شاملة ومفتوحة الخيارات في المنطقة.
  • ضربات جوية مدمرة: تشمل أهدافًا إستراتيجية عسكرية ونووية واقتصادية ولوجستية تشمل مراكز القيادة والسيطرة للقوة الجوية والبحرية وقيادة الحرس الثوري والقوات النظامية والباسيج إضافة إلى مراكز الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة ومراكز القيادة والسيطرة للدفاع الجوي ومنظماته الصاروخية والمصافي النفطية ومحطات الكهرباء وطرق المواصلات المهمة والجسور.
  • ضربات صاروخية: سيوجه الطرفان ضربات متبادلة للمواقع الإستراتيجية وخاصة القواعد الأمريكية بالمنطقة وحاملات الطائرات والمواقع العسكرية للقوات الأمريكية في المنطقة وخاصة العراق والدول الخليجية التي يتواجد على أراضيها قوات عسكرية أمريكية، وهذا الخيار قد ينقل المواجهة إلى مواجهة شاملة ومفتوحة لتغيير النظام.
  • مشاركة الحلفاء في المعركة: قد تقدم إيران على ضرب أهداف أمريكية إسرائيلية أو أهداف في دول الخليج  العربي من قبل إيران وميليشياتها، وهنا ستنتقل المواجهة إلى أطراف أخرى منها إسرائيل والناتو العربي أو ما يسمى بالتحالف الشرق أوسط الإستراتيجي (ميسا) من جهة وإيران وأدواتها في المنطقة من جهة أخرى، وسيكون هذا السيناريو هو الأخطر بالمنطقة أي مواجهة شاملة ستأخذ الولايات المتحدة الامريكية فيها زمام القيادة العسكرية لمواجهة إيران وأدواتها وهذا السيناريو لا يصب في مصلحة إيران إلى حد كبير لأن فتح جبهات متعددة مع دول كبيرة ستكون له تداعيات خطيرة على إيران وستعجل من انهيار النظام وأدواته في المنطقة.
  • دعم الأقليات الإيرانية: سيترافق مع هذه المواجهة المباشرة دعم مفتوح للأقليات الإيرانية لدفعها إلى التمرد الداخلي كالعرب الأحوازيين والبلوش والاذريين والكرد تمهيداً لانهيار الدولة، وفي هذه الحالة ستختلف الأهداف التي ذكرناها آنفًا من تغيير سلوك النظام إلى تغيير النظام بأكمله.

“قد تقدم إيران على ضرب أهداف أمريكية إسرائيلية أو أهداف في دول الخليج العربي من قبل إيران وميليشياتها”

  • عمليات إنزال جوي وبحري وعمليات استخباراتية نوعية: قد تكون هناك بعض العمليات العسكرية التي ستنفذ في مناطق حيوية وإستراتيجية مهمة كمضيق هرمز ومضيق باب المندب لضمان طرق الملاحة الدولية أو السيطرة على المواقع النووية والعسكرية المهمة، وهنا لا بد أن نشير إلى تطور وقدرة البحرية الإيرانية وفاعليتها في المنطقة وقدرتها على الرد والتي تعد مزعجة جداً للقوات الأمريكية؛ ما يجعل المواجهة البحرية غير تقليدية وصعبة جدًا قد تؤدي إلى تغيير كثير من المواقف في حال فشل الولايات المتحدة من ضمان طرق الملاحة البحرية الدولية.
  • استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا: قد تستخدم هذه الأسلحة بصورة محدودة وخاصة إيران وهنا ستنتقل الحرب إلى حرب مدمرة للمنطقة خصوصًا إذا كانت لدى طهران ترسانة لبعض الأسلحة المحرمة دولياً علماً بأن قسمًا من هذه الأسلحة استخدمت قبل الولايات المتحدة الأمريكية في معركة الموصل ودير الزور وبشكل كبير جدًا.
  • تحريك الأدوات الإيرانية بساحات صراع متعددة: تتواجد الأدوات الإيرانية بالعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والكويت والسعودية وفلسطين والصومال وأفغانستان وحتى باكستان، والتي تدين بالولاء للولي الفقيه والتي يمكن أن تتسبب بفوضى واستنزاف وتهديد كبير للقوات الأمريكية في المنطقة كجزء من الصراع القادم حيث تعد الميليشيات هي الورقة الإيرانية الأقوى، والتي يمكن أن تزعزع المنطقة بأكملها وتحولها إلى فوضى عارمة يمكن أن تأخذ أشكالًا متعددة منها ضرب المصالح الأمريكية المهمة أو لتهديد القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة لإجبارها على القبول بالمطالب الإيرانية مقابل وقف هذه الهجمات كما حصل في 7 و8 أيلول/سبتمبر 2018م حيث تم إطلاق ثلاثة صواريخ من عيار 107ملم وصاروخ آخر من عيار 122ملم باتجاه مجمع السفارات ببغداد بعد ساعات قليلة من إحراق المتظاهرين القنصلية الإيرانية في البصرة وفي 8 أيلول/ سبتمبر 2018م تم إطلاق عدد من الصواريخ من عيار 107 ملم على القنصلية العامة للولايات المتحدة الأمريكية الواقعة بمحاذاة مطار البصرة؛ ما أدى إلى إغلاقها إلى إشعار آخر بسبب إطلاق تهديدات حقيقية باستهدافها علمًا بأن كثيرًا من فصائل الحشد الشعبي مثل ميليشيا حزب الله العراقي النجباء وميليشيا العصائب التي أطلقت تهديدات باستهداف القوات والمصالح الأمريكية في حال عدم انسحابها من العراق أو في حالة اندلاع مواجهة عسكرية مع إيران وقد تدفع أنصار الله في اليمن لتهديد الملاحة الدولية عن طريق ميليشيات ما يسمى بالحوثي أو دفع حركة الشباب المجاهدين في الصومال للقيام بعمليات قرصنة أو تهديد السفن التجارية وكذلك بالنسبة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي رغم خصوصية القضية الفلسطينية.

“تنتظر ايران الإيفاء بالوعود الأوربية أو حصول متغيرات كبيرة وسريعة قد تؤدي إلى تغيير المزاج الأمريكي تجاه إيران”

المسلك الخامس: تغيير موازين القوى:

إن حصول متغيرات دولية وإقليمية متسارعة في المنطقة قد تؤدي إلى تغيير موازين القوى بحيث تستطيع إيران أن تحافظ على ما حققته في الفترة الماضية وهنا لا بد أن نشير إلى أن إيران تراهن على عامل الوقت، خاصة فيما يخص الانتخابات الأمريكية القادمة وإمكانية تغيير الإدارة الأمريكية الحالية التي عملت على تقويض الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه أوباما مع إيران، لذا هي تحاول أن تدفع الأمور إلى عام 2020م وبذلك تحاول أن تتحمل الضغوطات الكبيرة التي تتعرض لها من خلال محاولةً الالتفاف على العقوبات الأمريكية.

إن الحكومة الإيرانية تراهن على موقف الاتحاد الأوربي الذي رفض الانسحاب من الاتفاق النووي 5+1 وتعهد بمساعدة طهران لتخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة عليها من خلال الوعود التي قطعها الاتحاد بضمان موارد اقتصادية لطهران واستضافة غرفة المقاصة أو صندوق العمليات الخاصة في إحدى دول الاتحاد بموافقة كل من روسيا والصين، لذا تنتظر ايران الإيفاء بالوعود الأوربية أو حصول متغيرات كبيرة وسريعة قد تؤدي إلى تغيير المزاج الأمريكي تجاه إيران أو انشغالها بملفات أهم، وهذا احتمال حصوله ضعيف حسب المعطيات الموجودة ولكنه غير مستبعد على المدى المتوسط أو البعيد، وهذا يعتمد على قدرة إيران على مواجهة العقوبات والالتفاف عليها.

“المصالح الأميركية في المنطقة كثيفة ومتشابكة ومعقدة، وقدرة إيران على التأثير عليها كبير جداً”

إن الحكومة الإيرانية تراهن على جر القوات الأمريكية في المنطقة إلى صراعات جانبية قد تجبرها على تخفيف حدة التوتر مع إيران مثل فتح جبهة جديدة للمواجهة مع القوات الأمريكية في العراق وسوريا واليمن، إضافة إلى توتر العلاقات الأمريكية الروسية في قضايا المنطقة وخاصة سوريا، بالإضافة إلى جزيرة القرم التي أعادت روسيا ضمها إليها بعد أن كانت تعود لأوكرانيا منذ عام 1954م إضافة إلى توتر العلاقات الاقتصادية الأمريكية الصينية بسبب الضرائب التي فرضتها الإدارة الأمريكية على السلع الصينية.

الخاتمة:

ستبقى جميع الخيارات مفتوحة في المواجهة المقبلة مع إيران وخاصة السياسية منها، والتي تعول على دفع النظام إلى طاولة مفاوضات جديدة لتغيير سلوكه في المنطقة من خلال تأليب الداخل الإيراني بسبب العقوبات الامريكية ولكن إذا ما استنفدت الخيارات السياسية بما فيها المراهنة على عامل الوقت فحتماً ستتغير الأهداف والغايات، وقد تنتقل من المواجهة الداخلية إلى المواجهة العسكرية الخارجية بشقيها المباشرة وغير المباشرة.

ستبقى الإمكانيات العسكرية والخطط الإستراتيجية والتكتيكات التي تمتلكها الاطراف المتنازعة بالإضافة إلى الأخطاء والقرارات التي يمكن أن ترتكبها القيادات السياسية والعسكرية في هذه المواجهة هي التي ستحدد بوصلة المواجهة المقبلة خصوصاً عندما تقع القيادات أسيرة لرغبات عدوها، وهنا يجب الإشارة إلى أهمية مبدأ المباغتة والمبادأة والمرونة في الخطط التي تجعلك في مرتبة صناعة القرار أو الفعل وبقاء عدوك في موقف ردة الفعل، والتي غالباً ما تكون مرتبكة ومحسوبة من قبل القيادات العسكرية والأخطر من ذلك أن تتراكم عليك الأخطاء أثناء المعركة فتبدأ تتحكم فيك كثير من المواقف حيث يقول الكولونيل فولر: إن العدو لا يهاجم القائد ماديًا, وإنما عقليًا لأن العدو يهاجم أفكاره وعقله وخططه، لذلك فالضغط المادي المسلط على قواته قد يرغمه على تغيير خططه, وإن تغيير الخطة قد يؤدي إلى حدوث إرباك عقلي لدى الرجال, وهذا يجعل مخاوفهم تعيق مسار إدارته ويجبره على القبول بأقل ما يمكن من الخسائر.

المصدر:وكالة يقين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات